ما خلصت إليه قمة الدول السبع في ألمانيا ( بغياب روسيا ) كطرف فاعل ومؤثر في المنظومة الدولية شكل في حيثياته وبالبيان الختامي للقمة مشهداً تصعيدياً خطيراً سقطت معه رواية الحل السياسي التي دأب المحور الأمريكي – الغربي على التحدث بها وتظهير سلوكه السياسي لجهة أنه يدفع نحو تطبيقها وينادي بتطبيق جملة الاتفاقات التي تخص القضايا المستعرة في المنطقة , وبالتوازي مع الحديث الألماني عن ضرورة الحل السياسي فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية , لم تجد ميركل بداً من الانخراط في التوجهات الأمريكية , وإظهار التلازم في الرؤى والتطابق مع الاستراتيجية الأمريكية لجهة استمرار تغذية الحريق المشتعل في المنطقة ولاسيما في أوكرانيا وصب الزيت على النار والاصطفاف العلني ليس لألمانيا فحسب بل لكل الكبار من القارة العجوز إلى جانب السيد الأمريكي لجهة تنمية واستدامة كل صور الفاشية والنازية والاستكبار والتجبر على حساب دماء الشعوب وإسرافاً منقطع النظير في تصدير الفوضى والخراب تطبيقاً لرؤى برنارد لويس وانتصاراً لنظرية كسينجر في إحراق الدول " العاقة " من الداخل , إذ أعلنت ميركل أن العقوبات المستمرة ضد روسيا سيتم تشديدها في حال صعدت روسيا من سلوكها في أوكرانيا , وتالياً فكل ماتقدمت به من طروحات حول الحل السياسي في ذلك البلد تم نسفه " بالموافقة الضمنية " على ماأكده أوباما لجهة أن الدعم العسكري لحكومة كييف سيتواصل لتكريس ماسماها الحالة الديمقراطية في أوكرانيا, هذا المشهد الذي لم يكن مستغرباً على الإطلاق في توارد صوره التصعيدية إذ لطالما استبق أوباما القمة ليعلن مطالبته بمواجهة ماسماه " العدوان " الروسي في أوكرانيا , تلك الصور التي تهب معها روائح ورياح الحرب الباردة.
فكيف تمكن لنا قراءة التصعيد الغربي – الأمريكي ضد روسيا , ولماذا يصر الأمريكي على معاداة الروسي ونسف أي مقومات للشراكة الدولية ؟
لا نذيع سراً عند الحديث عن الحضور الدولي الفاعل للروسي في جملة من القضايا على مستوى المنطقة , قدم خلالها صوراً فريدة من الصعود " القومي " , ونموذجاً للمواجهة الشرسة في وجه المخططات الأمريكية التي كرست بطبيعة الحال هيمنة روسية على المستويين الاقتصادي والسياسي جعلت من روسيا لاعباً قوياً ورئيساً في لعبة الأمم ولاسيما بعد سلسلة من الجولات والكباش السياسي وفي أكثر من جبهة ظهّرت مفاعيل الحراك السياسي الروسي وطريقة إدراته للعبة الدولية ونجاحه في صياغة حزمة قوية من الأحلاف ترجمت جملة من المواقف الموحدة وكرست صوتاً واحداً أزعج كثيراً وقيد إلى حد معين اليد الأمريكية التي اعتادت على البطش والاعتداء والاستعلاء من دون منافس ٍ أو رافض ٍ أو ممتعض على مدى عقود .
في الحديث عن الصراع الدولي الروسي – الأمريكي , وخلال البحث في تفاصيل وجوهر المواجهة الحاصلة , فإن أحداً لا يمكن إلا أن يشير إلى الجانب الاقتصادي من هذا الكباش الذي له الكفة الوازنة في ميزان المعركة الدولية وتصنيع المحاور, إذ تمضي روسيا قدماً في فرض هيمنتها الاقتصادية على أوروبا المتعطشة للغاز الروسي لسد احتياجاتها المتنامية له , إذ تؤمن روسيا حوالي 40 % من الطلب العالمي على الغاز وتحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث احتياطي الغاز الذي يبلغ 44 تريليون م3 , ما يدلل على النفوذ الاقتصادي الهائل التي استطاعت روسيا فرضه بجدارة في مراحل صراعها مع الأمريكي الذي لا ينفك حراكاً ونشاطاً في محاولة للضغط على أوروبا في هذا المجال والتي تبدو تابعة طيعة ً للروسي من ناحية الحاجة للغاز , أضف إلى ذلك أيضاً إلى ما تشكله إيران من مشكلة حقيقية بالنسبة للأمريكي وتحالفها الاقتصادي الوثيق مع روسيا إذ احتلت إيران المرتبة الأولى وفق بيانات بريتش بتروليوم لعام 2013 في إنتاج الغاز لدرجة أن عدداً من المراقبين والمحللين عدوا إيران نصف المشكلة الثاني بالنسبة للولايات المتحدة على اعتبار روسيا النصف الأول , ومن هنا يمكن فهم السعي الأمريكي خلال عقود لتهميش منافسيها بما ينعكس إيجاباً على عملية إدارة الطاقة والغاز عالمياً , فمضت في فرض العقوبات الاقتصادية على إيران من خلال العرض والطلب والضغط على الشركات الأجنبية للحد من استثماراتها في أراضي المنافسين , أضف إلى ذلك ما يشكله تقاطع المصالح الإيرانية والروسية مع الصين المتعطش لموارد الطاقة , من وحدة تحالف اقتصادي تشكل تداعياته مصدر إزعاج حقيقي للمصالح الأمريكية , ولا نسى الوقع شديد الأثر الذي أحدثه الرد الروسي القوي على مشروع نابوكو الذي يهدف لإضعاف روسيا كمصدر للغاز من خلال مد أنابيب الغاز عبر طرق بديلة من تركمانستان إلى أذربيجان فجورجيا إلى تركيا وصولاً إلى أوروبا , إذ سارعت روسيا للرد على ذلك عبر ماسمي بمشروع النورث ستريم " خط السيل الشمالي " عبر عرضها وضغطها على أذربيجان لشراء إنتاجها من الغاز , هذا المشروع الذي فرض فيه الروسي هيمنته على إمدادات الغاز عبر نقل الغاز الروسي من روسيا إلى ألمانيا وهولندا .
في مشهدية الكباش السياسي الذي ترتفع وتائره في جبهات النزاع الروسي – الأمريكي , تمضي الاستراتيجيات الأمريكية في صياغة السيناريوهات التصعيدية ومراكمة جملة من الأوراق والأدوات للضغط على الخصم الروسي تنتفي فيها أي جدية لمواجهة المد الإرهابي الداعشي الذي بات يهدد الأمن والسلم الدوليين بحسب نظرة الأمم المتحدة والهيئات الدولية , هذا الوباء الذي لا زال المحور الأمريكي الغربي يتعاطى معه باستراتيجيات وتحالفات هامشية الأثر إذ لطالما يؤدي دوره المرسوم له بدقة وضمن الجغرافية المحددة له , إذ تعمل الولايات المتحدة على تسعير وتأجيج النار المصنوعة على عينها وصولاً ربما إلى ساحات جديدة لا تبعد كثيراً عن جغرافيا خصومها ولاسيما إيران وحتى روسيا نفسها , تلك النار التي استشعر بها مرشد الثورة الإيرانية عندما أكد أن العدو يحاول العودة إلى المربع الأول في هيمنته على إيران ويحضر لحرب بالإنابة باتجاه حدودها وهو ذاته ما استشعر به سيرغي لافروف أيضاً عندما أعلن مؤخراً أن بعض الساسة الغربيين يعملون على إسقاط " النظام " في روسيا , بدورها تستمر السياسة الروسية في تصدير جملة من المشاهد والرسائل السياسية والعسكرية على مسرح كباشها مع الأمريكي وفي كل الساحات , تعزز من عقيدتها العسكرية الدفاعية وتصوغ التحالفات الوازنة لمواجهة واشنطن وحلفائها وأتباعها في مشهدية ٍ تشتعل معها جولات الاشتباك , ويدوم فيها تناطح الرؤوس الحامية .
* كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية
mbkr83@hotmail.com

