بقلم: سمير الفزاع
المصائب لا تأتي فراداً، في هزيمة شخصية وحزبية تاريخية، أردوغان الذي سعى للحصول على أغلبية الثلثين "367" لتعديل الدستور، لم يفز بغير 260 مقعداً، وهو أقل بكثير مما كان يتوقعه؛ بل ما لا يكفي لمجرد تشكيل حكومة بمفرده. أردوغان الذي جاب تركيا طولاً وعرضاً ليمتلك سلطات هائلة تؤهله للتفرد بالحكم، وجد نفسه مجبراً على التعامل مع ألد خصومه في الداخل في لحظة ضعف كبرى، وصار مجبراً على مواجهة أعدائه في الخارج بلا مخالب وأنياب. ما هي أسباب سقوطه داخلياً؟ هل ساهمت سورية في إسقاطه، وكيف؟
* الأسباب الداخلية للهزيمة:
تراجعت حصة حزب العدالة والتنمية والثنائي أردوغان-أوغلو يعود في العمق إلى عدة أمور داخلية هامة منها:
# يعود جزء أساسي من هذه الخسارة إلى السلوك الإنقلابي الغادر لأردوغان وأوغلو على حلفاء الأمس، ليس أولهم نجم الدين أربكان وفتح الله غولن ولن يكون آخرهم الرئيس السابق عبد الله غل.
# حالة فقدان الثقة بعملية السلام بين أردوغان-أوغلو والأكراد دفع الكرد لخوض الإنتخابات النيابية للمرة الأولى عبر حزب سياسي، ومن المهم الإشارة هنا إلى أن هذا الحزب حصل على كمية كبيرة من أصوات العلويين وأنصار فتح الله غولن إنتقاماً من أردوغان وحزبه.
# الاتجار بالقرآن: في بادرة دنيئة تظهر الفكر التكفيري والإقصائي، دأب أردوغان على حمل "القرآن" والتلويح به في جولاته الإنتخابية، ليتاجر "بإيمانه" ويبتز الناس ليمنحوا أصواتهم "للمؤمنين" في مواجهة الأحزاب وبقية الشعب "الملحد"! منتهكاً حياد مقام الرئاسة، ومتاجراً بالدين، وضارباً عرض الحائط بعلمانية الدستور التركي... .
# ضرب المؤسسة العسكرية التركية، وإسقاط بعض قياداتها في مؤامرة الإنقلاب المزعوم... وسعيه المحموم للسيطرة على مؤسسة القضاء، وتنفيذ عمليات تطهير واسعة ضد خصومه بذريعة الإنتماء لجماعة فتح الله غولن.
# كانت الرافعة الحقيقة –داخلياً- لحزب العدالة والتنمية الطبقة الوسطى والبرجوازية التركيتين، وللأمانة لقد حقق العدالة والتنمية الكثير من المكاسب لهذه الطبقات وغيرها خلال السنوات العشر الأولى من حكم العدالة والتنمية بفعل الإنفتاح على المشرق العربي ومنه إلى الجزيرة العربية وعبر البوابة السورية تحديداً التي "دمجت" تركيا في الكثير من ملفات المنطقة (النووي الايراني، مفاوضات التسوية مع كيان العدو...) ومناحي حياتها الإجتماعية والإقتصادية والثقافية... لكن سياسات أردوغان الكارثية، وخصوصاً في سنوات "ربيع الدم العربي" قلصت هذه المكاسب؛ بل وتآكلت إلى أبعد الحدود، وأخذت المؤشرات الإقتصادية والسياسية والحريات تسلك منحى الإنهيار المتسارع... قضايا الفساد التي طالت اردوغان وعائلته وحزبه، قمع الحريات، التفرد، إغلاق الأسواق وكساد التجارة... وأستبدلت الحدود المفتوحة بالحدود المشتعلة، ونسائم الحرية بعواصف السلطنة.
* الأسباب الخارجية للهزيمة:
لعب التحالف السوري-الإيراني-الروسي-الأرمني-اليوناني-القبرصي دور هام في قلب الطاولة على أردوغان وحزبه، وقد ساعدو إلى حدّ بعيد جداً في تنظيم صفوف المعارضة التركية ورص صفوفها على غير صعيد ما أفضى إلى هذه الخسارة الثقيلة. من أوجه العمل العبقري لهذا الحلف:
# فاز حزب تحالف الشعوب الديمقراطي بقرابة عشرين ولاية، وهذه الولايات تشكل سواراً متصلاً تقريباً لحدود تركيا مع أرمينيا وايران والعراق وسورية! أي أن الحدود الرخوة التي كانت المعبر "لتصدير" أدوات الغزو التركي-الوهابي-الصهيوأمريكي نحو الأراضي السورية والعراقية ستتغير إدارتها ووظيفتها إلى حدّ كبير جداً، وحتما لناحية مصلحة سورية والعراق وتركيا ما بعد العدالة والتنمية.
# الإمتناع عن فتح معركة مفتوحة مع الشعب التركي، وحصر الصراع مع أردوغان وحزبه، ما أفقده الكثير من الحلفاء وعرى الكثير من سياساته العدوانية، وأجبره على إرتكاب المزيد من الأخطاء... ودائما كانت المعارضة التركية الرابح الأكبر من هذه الأخطاء حتى حانت لحظة القطاف.
# إستقبلت القيادة السورية وفود حزبية وإجتماعية وسياسية من أهم هذه الأحزاب المعارضة خلال العام الأخير على الأقل، وكان على رأسهم حزب الشعب الجمهوري الذي أصبح في المرتبة الثانية في مجلس النواب التركي، الذي أعلن نيته إحداث تغيير جذري لسياسات اردوغان العدوانية تجاه سورية.
# إستثمرت القيادتان الروسية والإيرانية في الشعب التركي عبر تنفيذ مشاريع كبرى وحياكة شبكة علاقات تجارية بعشرات مليارات الدولارات يلمس ويدرك أهميتها المواطن والسياسي التركي على حدّ سواء، في حين كان أردوغان وحلفائه يستثمرون بالدم والخراب في تركيا والمنطقة بأكملها.
# رئيس الحكومة اليونانية الجديد "أليكسيس تسيبراس" الذي تدعمه روسيا بقوة، يتمتع بعلاقات متينة جداً مع "صلاح الدين ديميرطاش" زعيم حزب الشعوب الديمقراطية الكردي، وقد شارك شخصياً في الإحتجاجات التي أقامها الأكراد إبان تآمر أردوغان ومسعود برزاني على عين عرب.
# منذ أن أمر أوباما بإسقاط الأسلحة والذخائر للمقاتلين في عين عرب بالمظلات عقب رفض أردوغان ومسعود برزاني تقديم الدعم لهم...وصولاً لتصريح أوباما الأخير:"إننا ندعو تركيا إلى التعاون أكثر في منع تدفق المقاتلين الأجانب الذين ينضمون إلى الجماعات المقاتلة في سوريا والعراق، لاسيما إلى تنظيم داعش"، بدا وأن الغطاء الأمريكي رفع عن أردوغان، أو أن هناك رغبة أمريكية "بتحجيمة" وإعادة ضبط تصرفاته وفق الأجندة الأمريكية.
* كلمة أخيرة:
في 27/5/2015 وخلال إستقباله لوزير الخارجية الأرميني، تعقيباً على تصريحاتٌ لنائب رئيس الحكومة التركية، بأن سورية باتت مقسمة إلى عشر دويلات وأن حدود سايكس بيكو لا تستند إلى معطياتٍ تاريخية... هل بات التقسيم أمراً واقعاً في سورية؟ ردّ سيادة الوزير وليد المعلم: "أنا لم اسمع تصريح نائب رئيس الوزراء التركي، ولكن في حال كان قد أدلى بهذا التصريح أود أن أقول له: هذه سورية وليست ملكاً لأحد، إنها ملك الشعب السوري الذي سيدافع عن وحدة سورية، وليهتم هو بوحدة تركيا". أقل من أسبوعين وأكتشف اردوغان وحزبه ووزرائه معنى كلمات "المعلم" وليد. وبمناسبة الحديث الإكتشاف، أعطيت الكثير من التفسيرات والمبررات لإنصراف الجيش العربي السوري وحزب الله إلى معركة القلمون بإصرار غريب، مثل منع إقامة منطقة عازلة في الجولان، وحماية خاصرة دمشق وإتصالها مع بقية سورية... في حين تحقق النصرة وداعش "إنتصارات" متتالية في شمال وجنوب سورية...! لنكتشف مدى العبقرية والدهاء السياسي-العسكري في قراءة الخرائط والمتغيرات السياسية على الساحتين الإقليمية والدولية؛ حيث أُسقط بالنار مشروع النصرة على كتف قاسيون والجولان، وأُسقط بصناديق الإقتراع مشروع التقسيم والمنطقة الآمنة ودولة النصرة في إدلب... وأقتربت لحظة الحساب مع الأدوات الإرهابية بالرغم من كل ضوضاء وفقاعات المشهد.
الحسابات الخاطئة، وجنون العظمة، ومرارة الفشل... دفعت اردوغان ليقفز في الهواء "سلطاناً"، حتى أنه قام ببناء "القصر الأبيض" ذي الألف غرفة بحجة الهروب من "قصر الصراصير"... لكنه إكتشف فجأة كم هي هشة أحبال ألعابه البهلوانية، إلى درجة أنه سقط والعدالة والتنمية، وقد يُسقط معه تركيا إذا لم يلجأ إلى صفقة النجاة الوحيدة، أنابيب "ساوث ستريم" ومفاتيحها المحفوظة في قصر الشعب الدمشقي.
من أسقط أردوغان؟
2015-06-11
