التحولات التي عرفها العالم منذ أواسط الثمانينات خاصة الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية التي كان لها الدور الأكبر في إنهاء المواجهة بينهما وبين الولايات المتحدة الأمريكية أدت إلى بروز نظام عالمي جديد الذي تميز بهيمنة الأخيرة كقطب وحيد على العالم، لست بصدد ذكر أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية ولا بكتابة تلك المرحلة حيث يعرفها القاصي والداني.
عندما بدأت العولمة ترسم طريقها باتجاه الإيديولوجية الليبرالية الجديدة لم يتنبه لها أحد !!! حتى استطاعت أن تهيمن على الرساميل والسوق وإلغاء الحدود بالنسبة للسلع والرساميل وإخضاع السياسة للاقتصاد.
هل كانت العولمة هي الظاهرة المميزة للنظام العالمي الجديد ؟؟؟
عندما بدأت الشعوب والدول تفقد الإطار الخاص بمجتمعها سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي لمجرد الأخذ بما تحمله العولمة الغربية بطريقة عمياء لم تحسب حساب تاريخها وهويتها مما ستخلفه تلك العولمة من ويلات باهظة الثمن، ما جعلنا نحفر قبرنا بأيدينا !!؟؟
هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها ساهمت في نجاح تلك العولمة ألا وهي ارتفاع معدلات الفقر لدى شعوب دول العالم الثالث مما ادى إلى استمرار التوترات الإقليمية من جهة وإلى تفاقم ارتفاع معدل البطالة والتقسيم غير العادل للشرعية الدولية من جهة أخرى.
ما ذكرته آنفاً ما هو إلا وسائل بسيطة أمام وسائل ومظاهر هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية كقطب وحيد على العالم التي تمثلت في بادئ الأمر بالهيمنة العسكرية من خلال التوغلات في مناطق جديدة من العالم كالشرق الأوسط ودول البلقان وآسيا الوسطى ناهيك عن إقامة قواعد عسكرية في مناطق أخرى بهدف الاستعداد لحروب مستقبلية من جهة ومراقبة التسلح النووي بدول أخرى ككوريا الشمالية وإيران من جهة ثانية.
ثم الهيمنة الاقتصادية من خلال التحكم بأهم مناطق النفط في العالم وتزايد حجم الاستثمارات الخارجية إلى الهيمنة الإعلامية التي أخذت تبتكر تقنيات جديدة (التكنولوجيا وأذرعها) هذا يعني أنها استطاعت أن تفرض قيمها على باقي دول العالم من خلال الانتشار الواسع للبرامج الأمريكية من اجل خلق مجتمع مستعمر إعلامياً وثقافياً.
لقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من السيطرة على العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في التسعينيات إلى إن دخلنا عتبة القرن الحادي والعشرين خاصة بعد أن بدأ الصراع بين روسيا وأمريكا على الطاقة وعلى إدخال الصواريخ الدفاعية الأمريكية إلى أوروبا وعلى الدعم لجورجيا خوفاً من الغزو وتدخل الروسي إليها، فما كان من الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن تستحضر كافة الجهود للتخطيط لإفشال روسيا والصين ومحاولاتهما سحب القرار الأوحد منها: ابتداءً من أحداث 11 إيلول 2001 إلى غزو افغانستان والعراق وأحداث ما يسمى الربيع العربي تحت حجج واهية كأسلحة الدمار الشامل.
الأحداث التي افتعلتها أمريكا للغاية التي تحدثت عنها (أتت الرياح بعكس ما تشتهي السفن) باستثناء الفوضى الخلاقة التي نجحت في إحداثها.
لذلك خرج علينا هنري كسينجر في عام 2012 ليقول: بأننا تبوأنا موقعاً مرموقاً بعد تضافر الجهود الكبيرة لتشكيل نظام عالمي جديد من الصعب التنازل عنه حتى ولو خضنا حرباً عالمية ثالثة.
غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق قال: "بأن النظام العالمي الجديد لدول مثل دولنا والتي تسعى إلى النجاح يجب عليها إعادة النظر في توحد القوى من أجل المرونة (التجارة الحرة) والأسواق المفتوحة لكن صعود الصين اقتصادياً ساهم في تغيير قواعد اللعبة".
أوباما جند الاعلام للتسويق بأن هناك خطراً أعظم قادم بجدران جديدة قد تفصلنا عن حلفائنا الغربيين والعرب في إشارة إلى روسيا والصين.
كما وجه اوباما المراكز والمكاتب الحربية في أمريكا لدراسة احتمال نشوء حرب عالمية ثالثة كما جاء على لسان آليكس جونز (صحفي ومذيع يعمل في مدينة أوستن في ولاية تكساس الأمريكية ) بالتزامن مع جعل السفن الحربية تتجه إلى سورية وتأهب أعضاء مجلس الشيوخ لقرار شن الحرب، لكن قيام الروس بالتهديد رداً على القرار جعلها تغير رأيها لتكتفي بإرسال القاعدة المدربة والمعززة من قبلها ومن قبل بريطانيا لخلق فوضى في الشرق الأوسط باستثناء إسرائيل علها تساهم في فشل ما تنوي القيام به كل من روسيا والصين في تبوء دور سياسي وإقليمي في العالم.
هل نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تثبيت القطب الأوحد الذي تبوأته منذ التسعينيات ؟؟؟
لقد خططت أمريكا لإحداث صراعات متعددة تؤدي إلى إسقاط وزعزعة أنظمة العالم من شمال أفريقيا والشرق الأوسط إلى وسط آسيا ( روسيا والصين) عن طريق الثورات الملونة التي افتعلتها مؤخراً. فقامت بتطبيق برنامج خطة جورج سوروس القائمة على أساس نظام "من رحم الفوضى".
لم تكتفِ بهذا بل لجأت إلى شن حرب دينية بامتياز كما كتب غارودي في كتابه "نحو حرب دينية" حرب تصادمية حضارية بمعنى أن وحدانية السوق ستضطر أن تحطم كل أولئك الذين يريدون الاحتفاظ بنظام آخر من القيم غير القيم التجارية، والذين يدافعون عن هويتهم.
الحرب الذي أرادها أوباما ليكمل ما قام به بوش الأبن قبله من حروب كما جاء على لسان الجنرال ويسلي كلارك (القائد العام السابق للقوات الأمريكية والقائد العام لحلف الناتو( 1997-2001) حرب احتلال 7 دول في خمس سنوات بدءاً من العراق ثم سورية ولبنان وليبيا والصومال والسودان و الانتهاء بإيران، لكن الترتيب قد تغير حيث يوجد النفط أولاً وحماية أمن إسرائيل ثانياً... مضيفاً إذا لم يكن هناك نفط فسيكون الحال مثل أفريقيا. ً
الحفاظ على القطب الأوحد ولى مع تصاعد دور روسيا والصين في أروقة السياسة الدولية والإقليمية كما شاهدنا ذلك أثناء محاولة استهداف أمريكا لسورية من خلال حرب طاحنة تخوضها على الأرض السورية بغية إسقاطها بحجة إسقاط الرئيس بشار الأسد.
ما نراه اليوم ما هو إلا حرب باردة بامتياز بين روسيا وحلفائها وأمريكا وحلفائها وبالتالي النظام العالمي القائم على القطب الأوحد انتقل إلى نظام عالمي جديد يقوم على عدة أقطاب (أمريكا وروسيا والصين ودول البريكس وو إلخ) لتصديق ما أقول:
هل حققت أمريكا أي نجاح من الملف النووي الإيراني والقضية الفلسطينية وما يسمونه ملف الإرهاب إلى المشروع الإسلامي الحضاري إلى المؤسسات الدولية ومنظومة العلاقات الدولية التي كانت مخطوفة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ؟؟؟؟
صحيح أن الملف النووي الإيراني قد قطع شوطاً كبيراً من المفاوضات... لكن لا نستطيع أن نقول بأنه قد انتهى خاصة امام ما تتصف به أمريكا من عدم المصداقية مع الآخر بشهادة التاريخ... القضية الفلسطينية مكانها تراوح لا بل هناك تآمر صهيو أمريكي على طمس القضية نهائياً من خلال ما يحدث في مصر والسعودية وقطر بمشاركة حركة حماس تحت الطاولة، أما ملف الإرهاب لا يمكن لصناّعه أن يحطموه طالما جلب لهم أوراقاً تفاوضية على الساحة الدولية والإقليمية والوجودية وسيبقى إلى ان يقرر الميدان تاريخ انتهاءئه، إذاً لم تحقق أياً منها سوى الدمار والقتل والتشريد بمعنى عنصر واحد حققته ألا وهو حماية وإسعاد الكيان الصهيوني بما يجري في دول الجوار.
سورية لها الفضل الأكبر في إسقاط المشروع الغربي الأمريكي عن بكرة أبيه (التقسيم والحفاظ على القطب الأوحد) حتى وإن دمروا ابنيتها وشردوا العديد من شعبها نتيجة الحرب الإرهابية الطاحنة التي شنت عليها وقد تحتاج إلى سنين كي تنجح في بناء ما دمر من جديد، لكن المهم أنها لم تسقط كدولة.
إن تقلب الأحداث الجارية على الساحة الدولية بدءاً من السعودية إلى تركيا (حرب اليمن وانتخابات تركيا) سيساهم في إضعاف الحلف الأمريكي عاجلاً أم آجلاً لذلك يتطلب من مصر والعراق في المرحلة المقبلة أن يفكرا جدياً في إنشاء قوة مع سورية بهدف حماية أمنهم القومي العربي وإلاّ يصعب عليهم الاستنهاض من جديد.
* إعلامية سورية

