2026-09-11 02:31 ص

عن الثورة الإسلامية .. في ذكرى رحيل قائدها

2015-06-04
بقلم: الدكتور محمد بكر
قبل ستة ٍ وعشرين عاماً وتحديداً في الثالث من حزيران خسرت الساحة الإيرانية وكذلك حركات التحرر العالمية والقوى اليسارية والليبرالية والقومية شخصية سياسية كان لها الباع الطويل والتاريخ الحافل في مقاومة قوى الاستكبار, ورفض التبعية للسياسات الأمريكية, والانتصار للمستضعفين والشعوب صاحبة القضايا العادلة , إنه الإمام الخميني قائد الثورة الإسلامية في إيران . عند الحديث عن قامة سياسية ومرجع ديني بحجم ومستوى الإمام الخميني تتوارد إلى الذهن جملة من مشاهد الثورة الحقيقية في هذه المنطقة التي أطاحت بالنظام الملكي المتمثل بالشاه محمد رضا بهلوي , إذ وعلى الرغم مما تبعها من أخطاء وممارسات عنفية بحق المعارضين والمختلفين معها , لكن ما يثبت ويؤكد قيمها الثورية الحقيقية هو الانتقال بالبلاد إلى مراحل تنويرية متقدمة من البناء والتنظيم وإعادة هيكلة النهج السياسي , إذ عملت على التغيير الجذري للسياسات الموالية للغرب وحدّت كثيراً من الفساد المتنامي خلال حكم الشاه ,ومضت قدماً في تعزيز القدرات الذاتية والاعتماد على الخبرات الوطنية فاستطاعت الوصول وبجدارة إلى المستوى المتقدم الذي باتت عليه اليوم الجمهورية الإسلامية الإيرانية في كافة المجالات ولاسيما المتعلق منها بالجانب العسكري . لا نذيع سراً عند الحديث عن السياسة التي كان ينتهجها الشاه لجهة الرضوخ الأعمى للسياسة الأمريكية , والانخراط في الأحلاف والمحاور التي كانت تديرها الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة في محاولة للضغط على الخصم اللدود الاتحاد السوفييتي في فترة الحرب الباردة في خمسينيات القرن الماضي , إذ كانت الولايات المتحدة تدرك الثقل الجيوسياسي الذي تتمتع به إيران والأهمية الوازنة على مستوى الإقليم , أضف إلى ذ لك العلاقات المتينة التي بناها الشاه مع الكيان الصهيوني , هذه السياسة والتوافق مع المصالح الصهيو – أمريكية هي التي دفعت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لرعاية ودعم الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة محمد مصدق بعد الخلاف الذي نشب بين الأخير وبين الشاه في عام 1953 , إذ قاد رئيس الوزراء محمد مصدق حينها حملة لتأميم حقول النفط في البلاد واستطاع أن يهيمن على المفاصل الرئيسة في القوات المسلحة الإيرانية , فر على إثرها الشاه خارج البلاد لفترة قصيرة قبل أن يرجع إلى سدة الحكم وبدعم أمريكي واضح , ولا ننسى جملة الممارسات والسياسات أثناء حكم الشاه التي كانت طافحة بالفساد وتشتيت الثروة الوطنية وزيادة معدلات التضخم والهدر واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء , والمنعكسات السلبية التي رافقت استقدام الآلاف من العمال الأجانب لتشغيل وإدارة المعدات العسكرية الأمريكية التي لم تحظى على الإطلاق بدعم أو قبول شعبي أنفق خلالها الشاه ملايين الدولارات , كل ذلك, أي الفساد المتنامي داخل البلاد والعلاقة مع الكيان الصهيوني والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية كانت العوامل الرئيسة والمحرضة لاستيلاد ثورة شعبية في العام 1977 بقيادة الإمام الخميني الذي واجه العديد من الاعتقالات والضغوطات وما تبعها من نفي إلى خارج البلاد قضاها في تركيا والعراق وباريس , إلا أن إصراره على المضي في الثورة والتمسك بحقوق الشعب الإيراني كان كفيلاً بتحقيق الانتصار في العام 1979. مآثر عديدة وبصمات قومية تمثل خير شاهد على الفكر والمخزون النضالي الذي تجسد في شخصية الإمام الخميني في فترة ما قبل الثورة وتحديداً في ستينيات القرن الماضي، فكان الداعم للثورة الفلسطينية في العام 1965 , وصاحب الفتوى المسخرة لفلسطين لجهة وجوب صرف قسم من الحقوق الشرعية (مثل الزكاة وغيرها) لمساندة الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الكيان الصهيوني إضافة لموقفه المناهض لاتفاقية «كامب ديفيد» في العام 1977 التي وقعها أنور السادات مع الكيان الصهيوني واصفاً إياها بالمؤامرة التي تهدف لإضفاء الشرعية على الاعتداءات الإسرائيلية، كما أن الإمام الخميني هو الذي أطلق يوماً عالمياً للقدس بعد انتصار الثورة ، وطرد السفير الإسرائيلي وأقام مكان السفارة الإسرائيلية سفارة لفلسطين لتكون إيران أول دولة تقوم بمثل هذا الإجراء على أراضيها. إن السياسة التي انتهجها الإمام الخميني في رفضه للانخراط في الاستراتيجيات الأمريكية ودعمه للقضية الفلسطينية وعلى قاعدة " اليوم إيران وغداً فلسطين " وهي العبارة الأشهر التي أطلقها الإمام وتحديداً عندما هبطت طائرته في مطار طهران عائداً من منفاه في باريس, تشكل ذات السياسة وذات النهج الذي تسير عليه الجمهورية الإسلامية اليوم لجهة دعمها المطلق للفصائل الفلسطينية في معركتها ضد الكيان الصهيوني , هذا الدعم الذي كان العامل الحاسم في إعلاء صوت الحق الفلسطيني وتعزيز قدرة مقاومته على الأرض التي حققت تطوراً نوعياًَ هاماً في طريقة إدارتها للمعركة إذ باتت تملك زمام المبادرة في تهديد المصالح الإسرائيلية وقصف مواقع متقدمة في عمق الكيان الصهيوني , إضافة للدعم الإيراني للحكومتين السورية والعراقية في مواجهة الإرهاب ومشروعه التكفيري , هذا الموقف الذي لم يكن على الإطلاق في إطار " الانتصار لتيارات بعينها " بل على العكس تماما ً فإن هذا الدعم كان ولم يزل من منطلق الحرص على وحدة الأراضي المستهدفة اليوم وإيماناً بوحدة المصير ولم يبنى على أسس طائفية كما يحاول أن يروج له المحور الأمريكي , إذ وفي ذروة الخلاف الذي عصف بالعلاقة بين حركة حماس والدولة السورية نتيجة المقاربة والقراءة الخاطئة للحركة لما جرى تصنيعه أمريكياً في المنطقة والمسمى ربيعاً , وانتصار الحركة لجماعة بعينها والتعويل عليها كبديل ومرتكز في الصراع مع الكيان الصهيوني والذي سرعان ما تبخر بفعل الحراك المصري في الثلاثين من حزيران في العام 2013 وما تبعه من سقوط للمشروع الإخواني في المنطقة , واستمرار الحركة في تعاطيها السياسي الخاطئ , كل ذلك لم يثن الجمهورية الإسلامية عن استمرار دعم الحركة, إذ أطل مرشد الثورة الإسلامية غير مرة متجاوزاً أي بعد مذهبي ليعلن دعمه لحماس بموازاة دعمه لحزب الله في مواجهة الكيان الصهيوني , لا بل ذاهباً لأبعد من ذلك عندما دعا إلى تسليح الضفة الغربية . إن ما أبدته الجمهورية الإسلامية من ثبات على النهج ووحدة ٍفي المواقف من الإمام الخميني إلى الخامنئي هو ما يجعلها في عين العاصفة الصهيو- الأمريكية بشكل دائم على الرغم من كل ما يقال ويبث عبر وسائل الإعلام من احتمال تقارب إيراني – غرابي قد يفضي إلى اتفاق نهائي فيما يتعلق بالمفاوضات النووية , ومن هنا يمكن فهم ما أعلنه المرشد مؤخراً أن الأعداء يحضرون لحرب ٍ بالإنابة باتجاه الحدود الإيرانية في محاولة أمريكية للنيل من إيران وبالطبع على طريقة هنري كسينجر في الإحراق والتفجير من الداخل بالأدوات والمجاميع القاعدية المتطرفة تماماً كما الحاصل اليوم في الجغرافية السورية والعراقية.
* كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية 
mbkr83@hotmail.com