تدمر المدينة المأهولة بالسكان، مدينة تعج بالحياة والثقافة والحضارة، مدينة تسحرك بأهلها الكرام المَحْتَد والكرماء بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وهذه الصفات الحضارية لأهل تدمر عايشتها بنفسي منذ طفولتي حين كانت أمي تحكي لنا عن حياتها وأبي في تدمر(حيث كان أبي موظفاً هناك) تحكي لنا عن جيرانها والمحبة والكرم الذين كانا يملآ العلاقة بين الجوار وتحكي لنا عن بساتين تدمر حيث الزيتون والرمان والنخيل وكنت أقول لأمي وأنا دَهِشة: حقاً يوجد في تدمر بساتين وهي في قلب الصحراء، فكانت أمي تضحك قائلةً: تدمر فيها حياة وناس وهي مدينة عظيمة فكيف تقوم مدينة كهذه لولا وجود الماء الذي يمنح الحياة، ونحن في سورية ليس لدينا صحراء، إنها البادية السورية، والبادية فيها مرعى للماشية من أغنام وإبل وفيها بساتين حيث الماء متوفر وبكرم هذه الأرض، وكانت تستطرد بحديثها عن آثار تدمر وعظمة بنائها وعن قلعة زنوبيا القابعة فوق جبلٍ عالٍ، منيعةً، جميلة، وشامخة، وكنت حينها أحلم بزيارة تدمر.
العالم يتطلع إلى تدمر...!!!
كنت أقرأ عن زنوبية وأذينة وعن قوة المرأة السورية التي بقيت تتحدى الاحتلال الروماني حتى لحظة أسرها، وحين أصبحت طالبة في جامعة حلب، بقي الحلم بزيارة تدمر يعيش في قلبي، وذات يوم كنت في الباص المتجه من حمص إلى حلب، وإذا بسيدة أجنبية تجلس في المقعد المجاور لي، تطلعت إلى الجارة وإذا بملامحها غريبة عما اعتدنا رؤيتهم من السيَّاح الذين يقصدون سورية، وقلت لنفسي: لابد أنها صينية أو يابانية لأن ملامحها تنبئ بذلك، وإذا بالسيدة السائحة تخرجني من حالة التخمين قائلةً باللغة الانجليزية: هل أنت طالبة جامعية؟ أجبتها: نعم أنا أدرس في جامعة حلب وأهلي في حمص. فتابعت السيدة أسئلتها: هل تعرفين تدمر؟ قلت: طبعاً تدمر مدينة عظيمة وجميلة بآثارها وأهلها. قالت: أنا قدمت من اليابان لأجل زيارة تدمر. فسألتها: أتيتِ وحدكِ؟( وكنت أعلم أنم السياح يأتون ضمن مجموعات سياحية وخاصة أنها أتت من بلد كاليابان). أخبرتني حينها أنها تركت طفلها في رعاية أبيه وأنها أتت إلى سورية لأجل أ تتعرف بنفسها على تدمر التي قرأت عنها كثيراً، واستطردت السيدة بالشرح قائلةً أنا صاحبة دارٍ لطباعة ونشر الكتب وأهتم بكل ما يتعلق بالحضارة وهذه الزيارة هامة جداً ليً. وسألتها عن اليابان، فوصفت لي الطبيعة الساحرة و الأشجار الكثيفة التي تجعل منظر الجبال خضراء.وقبل أن ينتهي طريق السفر أخرجت السيدة السائحة من حقيبتها اليدوية قطعة من الورق الملون وأخذت بحركاتٍ سريعة جداً من يديها تصنع شيئاً وقبل أن أستفسر عما تفعله كانت قد أنهت عملها وإذا به طائر جميل جداً أزرق اللون(لون قطعة الورق) وقدمته لي قائلةً: هذا تذكار للقائنا هذا. ووسط دهشتي مما رأيت من حركة يديها تقبلت منها التذكار شاكرة لها زيارتها لسورية ومرحبة بها عاشقة لتدمر.
*العالم يتطلع...فماذا هو فاعل؟!!!
أهل تدمر الكرام تعرضوا لمجازر وقتلوا على المدرج الأثري الذي هو رمز للحضارة وجزء ملموس من حضارة ما قبل الميلاد، فماذا فعل العالم المتحضر لأجل أهل تدمر بل لأجل آثار تدمر، وهل الآثار أغلى من أهل تدمر على قلوبنا وأرواحنا؟!! طبعاً لا، فأهلها الكرام أحبتنا وأهلنا وأخوتنا، وأنا عشت مع طلاب وطالبات من تدر في جامعة حلب فكانوا إخوة لي وأصدقاء لا يمكن أن أنساهم أبداً أصدقاء رائعين محبين مثقفين وعاشقين للحياة وللعلم ولمدينتهم تدمر، حزنت لأجل من أصابهم مكروه منهم وتألمت على فرقتهم عن مدينتهم الحبيبة والرحمة للشهداء منهم تمنيت من رب العالمين والعودة للحياة لكل المدينة المنكوبة تدمر الحبيبة التي زرتها مع مجموعة كبيرة من طلاب جامعة حلب بدعوة من أصدقائنا الطلبة أبناء مدينة تدمر فكانت زيارة لا تُنسى حيث استقبلنا وقتها أهالي تدمر بالمحبة والضيافة والابتسامة الحلوة وشرحوا لنا كل شيء عن هذه الأوابد التاريخية المسرح الروماني ومعبد بل ومتحف تدمر حيث تعرفنا إلى الحضارة بتفاصيل دقيقة عن حياة الناس في تدمر عبر العصور.
فليس من إنسان زار تدمر إلا وتبقى في قلبه مدى الحياة.
*الحياة ستعود إلى تدمر
العالم الحضاري بمنظماته التي تعنى بالآثار والمؤسسات التي ترسل عادة البعثات الأثرية إلى سورية للتنقيب عن الآثار كلها وهي تُعَدُّ بالمئات تفاعلت مع المناشدات والرسائل والاتصالات التي أقامها مدير الآثار والمتاحف في سورية، واستجابت عبر ردودها مع المُصَاب الذي أصاب سورية بدخول الإرهاب(داعش) إلى تدمر وقيام داعش بتدمير ونهب الآثار منها. ولكن لم يتفاعل أحد من العالم الحضاري مع مُصَاب تدمر بالمجازر التي ارتكبتها داعش بحق التدمريين النبلاء أبناء زنوبيا الذين رفضوا الخضوع لداعش. فهل الحضارة هي الحجارة مهما كانت عظيمة البناء؟؟؟!!! أين العالم المتحضر من الإنسان؟؟؟!!!
*الجيش العربي السوري...أملنا القادم
لكن يبقى الأمل معقود على بواسل جيشنا العربي السوري، هذا الجيش الذي لابد سيحرر تدمر الأسيرة ويحرر أهلها الكرام ويعيدهم للحياة في تدمر بعد أن هجروا منها قسراً وتحت وطأة الإرهاب، لابد سيعيد الجيش العربي السوري كل التدمريين ليعيدوا الحياة لتدمر المدينة ولبساتينها لتعود الروح لآثارها وليرفع الأهالي التدمريون الكرام مع أبطال الجيش العربي السوري علم سورية بألوانه الأحمر والأبيض والأسود ونجمتيه الخضراوين على الجبل العظيم حيث قلعة زنوبية الشامخة ليرفرف هذا العلم معلناً للعالم أجمع أن ها هنا تدمر جوهرة العالم وروح سورية الخالدة، أن ها هنا سورية منبع الشمس والعلم والسلام.
تدمر ...يا جوهرة العالم...يا روح سورية الخالدة ...سيعود أبناؤك
2015-06-02
بقلم: إبتسام نصر الصالح
*
