2026-09-10 10:59 م

هل هُزمنا؟

2015-06-02
بقلم: سمير الفزاع
واجهنا منذ خسارة معبر نصيب مطلع نيسان الفائت عدد من الخسائر والإنسحابات وإعادة التموضع، كيف نفسرها؟ هل بتنا أضعف؟ هل أصبح عدونا أقوى؟ هل هناك تفسير ثالث؟. يعلم الجميع تقريباً بأن القوات المسلحة السورية لم تزج بكامل قدراتها البشرية والنارية في المعركة؛ بل ويرجح البعض أن المستخدم منها لم يتجاوز الـ30% حتى الآن، وأن ما رأيناه في الميدان كان كافياً في وقته لإسقاط مراحل الحرب على سورية، وإجبار محركي دمى الإرهاب في الخارج على إظهار وجوههم وأهدافهم... أي أن المقدار الأكبر من القوة السورية بقي كامناً لمواجهة أي عدوان صهيوني من جهة، والتصدي لأي تحول في مجريات الحرب على سورية ودخولها منعطف العدوان المباشر، وتحديداً من تركيا من جهة ثانية. من هنا يمكن القول بأننا منذ شهرين تقريباً، بدأنا نعاني من بعض الضعف على مستوى القوات العاملة في الميدان وإن كنّا أقوياء جداً على مستوى الميزان الكلي للقدرة في الصراع الإقليمي. وقد قال الرئيس بشار حافظ الأسد لصحيفة "إكسبرسن" بهذا الخصوص:"هذا أمر طبيعي.. فهذه تداعيات أي حرب. أي حرب تضعف أي جيش بصرف النظر عن مدى قوته وحداثته". ومن المنطقي أن نعترف بأن أعدائنا على مستوى أدوات الغزو الإرهابية باتوا أقوى في الميدان، تدريباً وتسليحاً وتنظيماً وتعداداً... أولاً، وثانياً بدأنا نلمس أثر توحيد غرف عمليات إدارة الحرب على سورية في الإقليم والعالم ما نقل الحرب إلى مستوى نوعي جديد أكثر قوة وخطورة. وكما تؤشر هذه المعطيات إلى تطور في مناسيب الحرب على سورية، تؤشر أيضاً إلى مستوى الفشل شبه الكامل لخطط الغزو منذ خمسة أعوام، ما أجبرهم على دخول مرحلة أشد خطورة وتورطاً في المجريات اليومية للحرب، فالأحداث تؤشر إلى أزمة في حلف الحرب على سورية بقدر ما تؤشر إلى نجاحه بإحداث نقلة نوعية فيها. قال الرئيس الأسد في ذات المقابلة بهذا الصدد، وخصوصاً بعد التدخل التركي المباشر في الحرب وخسارة إدلب:"هذه معلومات. لقد كانوا يتلقون كل شيء ويتصرفون كجيش واحد.. أعني الإرهابيين.. جبهة النصرة التي هي جزء من القاعدة.. والحكومة أو المؤسسات أو المخابرات التركية.. كانوا كلهم يتصرفون وكأنهم جيش واحد في تلك المعركة". * الطريق الثالث: تصرفت القيادة السورية في معظم زمن الحرب على سورية وفق مبدأ إسقاط مشاريع الغزو بمراحله المختلفة وليس السعي لتحقيق النصر المباشر والفوري، لأسباب داخلية وأخرى خارجية. (مثال على داخلياً، إسقاط وهم الثورة لدى المواطن السوري. خارجياً، إستكشاف خطط الأعداء والتحسب لها...) إضافة لمسعى إستنزاف قدرات وأعصاب وإرادة جبهة العدوان من جهة، وتهيئة للمواطن العربي السوري للقيام بدور ما لاحقاً، وإنجاز مشاريع سياسية ثورية-تاريخية تفرضها وقائع الميدان وقوى مواجهة العدوان، ستبدل وجه المنطقة وتتجاوز هدف الانتصار على جبهة العدوان إلى إعادة تشكيل ورسم خرائط المنطقة... من جهة ثانية. أي مواجهة مشروع الغزو والتفتيت بإنجاز صيغة توحد خرائط بلدان محور المقاومة، ومواجهة مشروع الاستفراد بقوى المقاومة من خلال الإرتقاء بمستوى أدائها وصولاً لتوحيد جسدها في عمل ميداني مشترك يسحق أدوات مشروع التفتيت والغزو الداخلية بكل تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والميدانية-الارهابية... وصولاً إلى نقل الهوية المشرقية-العربية من قوى شعبية معطلة خاضعة لسكين التطييف والتمذهب والغرق في هويات رجعية تقع في خانة ما قبل الدولة الوطنية... إلى حامل شعبي عريض مؤمن بالمقاومة ومستعد للتضحية وجاهز لحمل تبعاتها الثقال... ما يؤسس لفعل ثوري تاريخي وطني وقومي، ينجح محليّاً بإنجاز تحرر وطني حقيقي بعد سقوطنا في فخ قيود الحقبة النفطية –كالدردرية في سورية- ووهم التفرد الامريكي في إدارة العالم... ويوفر قوميّا،ً الحامل التاريخي-الاجتماعي لظهور قوة شعبية ثورية مسلحة قادرة على إنجاز تحرر قومي حقيقي جامع تمّ تعطيله لعقود، قد يتوجه غرباً لتحرير فلسطين أو جنوباً لتحرير جزيرة العرب؛ حيث المقابل الموضوعي للكيان الصهيوني... ثم يعود إلى فلسطين. * كيف؟ إنه الردّ الأعقد على الحرب، أن لا تكتفي بصد العدوان أو الإنتصار عليه... وإنما التأسيس لمرحلة نهضة كبرى، وطنية وقومية، تعمل على إرساء دعائمها وبناء قواعدها المحلية والخارجية تحت النار... وكأنك تجعل من معموديّة النار فرصة لإطلاق مشروع وهوية تتجاوز فيها ذاتك، وتنتصر فيها على عدوك، وتجعل منها منصتك لتغيير ما وراء الحدود. 1- منع التقسيم عبر مادة التقسيم: إنقسام الناس فعليّاً هو من يقسم البلد واقعيّاً، أي أن مصير مخططات التقسيم سيكون الفشل ما لم تنقسم الناس وطنيّاً ووجدانيّاً، وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر إرباكاً لأعدائنا –وللأسف لا يحظى منا بالإهتمام الكافي- من هم سكان المناطق التي تسيطر عليها "المعارضة المسلحة"؟ الكل يعرف وشاهد النزوح الكبير من أي منطقة تقع تحت سيطرة أدوات الغزو الإرهابي إلى مناطق سيطرة الدولة، كان وما زال هذا العنصر –إنزياح الناس لمشروعنا-مصدر للفشل العميق لكل محاولات التقسيم. 2- البدء بأولاً: إغلاق المنفذ اللبناني الذي شكل المعبر الأول للمقاتلين والسلاح والذخائر والجواسيس وفرق الكوماندس الغربية والعربية وحتى الصهيونية... وتأمين خاصرة دمشق وسورية ككل، وإنجاز توحيد جبهة الجنوب اللبناني بجبهة الجولان على جثث أدوات الغزو الإرهابية، وتحرير قوة عسكرية كبيرة من جبهة المقاومة على طرفي الحدود في القلمون ليصار إلى توجيهها إلى جبهات ومواقع أخرى... . 3- الحفاظ على العامود الفقري: وأقصد هنا تمتين الخط الواصل بين دمشق وحلب مروراً بحمص وحماه، ومنفذ سورية على العالم عبر الساحل السوري، بسبب أهمية هذا العامود في تسيير حملات إعادة السيطرة على المناطق المحيطة به من أيد الأدوات الإرهابية لحظة إتخاذ القرار، وتواتر الحديث عن تقسيم الخرائط وتفتيتها مؤخراً، وتحديداً في العراق وسورية، وهذا الأمر لن يتم إلا بغزو خارجي مباشر. في رؤية إستراتيجية، من الضروري اعادة تجميع القوات المنتشرة بشكل يسمح بالدفاع عنها بشكل افضل عبر منظومات الدفاع الجوي بوجه اي غارات خارجية محتملة... . 4- المطرقة الشرقية: وأقصد هنا محافظتي دير الزور والحسكه، ودورهما في منع مشاريع مسعود برزاني-اردوغان من التحقق، ومنع داعش من إقامة "دولة" على جنبي الحدود في العراق وسورية وتتصل بتركيا مباشرة، ودور المطرقة الذي تلعبانه وستلعبانه عندما تحين ساعة داعش في شمال وشرق سورية. يفسر هذا بعض مما يحصل في الشدادي والهول من انسحابات داعشية جماعية وبالتدريج نحو مدينة تدمر، خصوصاً بعد هزيمته في جبل عبد العزيز وفي أرياف الحسكة، وتقدم الأكراد باتجاه الرقة. وما حصل بعد الثلث الأول من شهر أيار من جهد داعشي كبير لإعادة الانتشار والتموضع عبر هجوم متزامن تقريباً في سورية والعراق بالإنتقال خطوة نحو الغرب إلى تدمر والرمادي. 5- إستدراج النصر إلى مصائد الهزيمة: في معركة ادلب تمكن الجيش واللجان الشعبية والدفاع الوطني من إستيعاب الهجمة الشرسة على المدينة في الـ48 ساعة الأولى... فصدوا الهجوم في ذروته وزخمه الأكبر، وبدأو بإستنزاف العدو وتشتيت قواه، إلا أن الجيش التركي تدخل وبقوة في المعركة، تقنياً وناريّاً ولوجستيّاً... فانقلب الموقف، وبتنا أمام احتمال وقوع مجزرة حقيقية في المدينة خصوصاً بعد تحرك الكثير من الخلايا النائمة فيها... فكان القرار بالإنسحاب. وهنا يجب أن نعترف بخسارة المدينة والتي كانت المقدمة الحقيقة لكل الخسائر التي تلتها، لكن أردوغان وأدواته الإرهابية بدأوا بتلمس حراجة الموقف الذي وضعوا أنفسهم فيه. لقد أصبحت الأدوات الإرهابية بعيدة عن الحدود التركية، فخسرت مظلة دفاع جوي يشرف عليها النيتو، وفقدت إسناد المدفعية ومنظومات التشويش الإلكتروني التركية، وأصبحت خطوط إمدادها طويلة ومكشوفة لسلاح الجو السوري، وأنتشرت في مساحات واسعة أصبح عبء الحفاظ عليها يجبرها على التموضع والثبات ما أفقدها اندفاعتها وحركيتها العالية... وجعل منها هدفاً سهلاً للإستهداف والمناوشة والمناورة... فأعلن وزير خارجية تركيا توصله مع واشنطن لإتفاق حول منطقة حظر للطيران، سارعت واشنطن لنفيه. هذا مثال على نصر تحول مع الصبر والثبات إلى هزيمة، وقوة فاعلة حولتها البصيرة السياسية والعسكرية إلى فريسة تنتظر بذعر لحظة -لن تطول- بالإنقضاض عليها، ولا خيار أمامها إلا الانتحار بالتقدم أكثر أو الموت في خنادقها وحفرها. 6- "الانهيار المفاجئ" للجيش العراقي والقوى الأمنية في مدينة الرمادي، أسقط معادلة كان يريد الأميركيون حياكتها حول تثبيت الخطوط الطائفية القابلة للتحول إلى حدود سياسية، وقدرة "قوات نظامية" مضبوطة طائفياً على الإنجاز بمعزل عن الحشد الشعبي المعادي لواشنطن بالمطلق... لكن هذه الخطوط والخطط سقطت مع سقوط الرمادي. هذه الوقائع الميدانية التي تفرضها إرادة شعبية حرّة هو أقصى ما يخيف واشنطن من غد باتت تراه قريباً، خصوصاً بعد الإجتماعات المتكررة لوزراء خارجية سورية والعراق وايران، وتصرحات لقادة الحشد الشعبي حول نيتهم ملاحقة داعش داخل سورية بالتعاون مع جيشها وحلفائه وقواه الرديفة، وعقد إجتماعات بهذا الخصوص مع الجانب السوري... إنها الوحدة المعمدة بالدم من القلمون حتى ديالى، والصاعدة من طين الأرض إلى القرار السياسي وليس العكس، والتي قد تأخذ الحرب إلى خارج اسوار بلاد الشام قريبًا. * كلمة أخيرة: في لقاءه مع صحيفة إكسبرسن السويدية، ورداً على سؤال: "بعض منتقديكم يقولون إنك بعت بلدك لإيران... هل هذا صحيح؟ قال الرئيس بشار حافظ الأسد: لو أردت أن أتبنى هذا المبدأ.. أن أكون مستعداً لبيع بلدي.. لكنت بعته للولايات المتحدة.. ربما.. أو لـ"إسرائيل".. أو للسعودية.. لأن العديد من البلدان ومنذ استقلال سورية سعت للسيطرة على سورية لأسباب جيوسياسية". مخطيء من يظن بأنه قادر على إعادة سورية الى داخل سورية، ومخطيء من يعتقد أن القضايا الكبرى والقادة الكبار ينفع معهم منطق البيع والشراء... بدأوا الحرب على طريقتهم ولن تنتهي إلا على طريقتنا.

الملفات