2026-09-11 07:59 ص

عاصمة الشتات .. الواقع والخيارات

2015-04-14
بقلم: الدكتور محمد بكر*
لقد بات واضحاً للمراقب والمتابع والمحلل للأحداث الدامية التي انتشر فيها الإرهاب بمختلف مسمياته وانتمائاته وألويته من المجموعات المسلحة , وما تراكم من ممارساتٍ وموبقاتٍ استهدفت عن قصد مخيمات اللجوء الفلسطيني في سورية خلال العامين الماضيين ولاسيما مخيم اليرموك جنوب دمشق ( عاصمة الشتات ) كما يحلو للفلسطينيين تسميته وهو أكبر تجمع سكاني للاجئين الفلسطينيين في سورية , يدرك يقيناً مدى الاستهداف الممنهج والمخطط لتقويض الوجود الفلسطيني داخل المخيمات, وتالياً العمل على تهجير العنصر الفلسطيني في محاولة لا يختلف عليها اثنان لتصفية الحق الفلسطيني في العودة ومحو ملف اللاجئين من سجلات التفاوض مع الكيان الصهيوني المستفيد الرئيس من كل ما يجري في المنطقة عموما ً وفي المخيمات الفلسطينية خصوصاً . إن تغلغل تنظيم " داعش " داخل مخيم اليرموك خلال الفترة الماضية وسيطرته على أجزاء واسعة منه وبتسهيل من شقيقته " جبهة النصرة " , لم يأت فقط كنتيجة طبيعية للإرهاب الذي يضرب الجغرافية السورية كون المخيم جزء من هذه الجغرافية , ولم يصب فقط في خندق السيطرة على موقع مهم على المستوى الاستراتيجي كونه يبعد كيلومتراتٍ قليلة عن العاصمة دمشق الهدف الرئيس لمشغلي المجاميع المسلحة , إنما يهدف بشكل أساسي أيضاً إلى ضرب الهوية الفلسطينية والرمزية الفلسطينية في مخيم ٍ يجسد حالة الوطن الفلسطيني لجهة تواجد فصائل المقاومة الممثلة للشعب الفلسطيني في الشتات , إضافة إلى ما تحتضنه أرض المخيم من رفاتٍ للشهداء القادة والرموز الفلسطينية ذات الحضور الوطني , والتاريخ الحافل بالبطولات والمواجهات مع الكيان الصهيوني , أمثال الدكتور فتحي الشقاقي والقائد خليل الوزير أبو جهاد وغيرهم . ما يحز في النفس وما يبعث على الأسى هو ذلك الارتباك السياسي والتنصل غير المبرر من تحمل المسؤولية الوطنية والأخلاقية من بعض القيادات والجهات السياسية التي من المفترض أن تكون ممثلاً للشعب الفلسطيني والمدافع عنه جراء ما يتعرض له من قتل وتجويع ٍ وتشريد , تغض الطرف عن الآلاف ممن يركبون البحار الهائجة وتبتلعهم المياه من دون إيجاد الحلول التي تليق بكرامة المواطن الفلسطيني ,هذه الجهات التي أصبحت مرتهنة على ما يبدو للإرادات الخارجية , ولم تجسد سياسة الحياد التي لطالما رفعت الأصوات منذ بدايات الحرب على سورية لتطبيقها وتكريسها في سلوك الفرد الفلسطيني المقيم في سورية , وهي بهذه السياسة وبهذا الأداء إنما تزيد الطين بلة , وتعقد المشهد الحاصل في مخيم اليرموك كونها تساهم بهذا النهج المسمى " نأياً بالنفس " في إيصال المخططات الصهيو – أمريكية التي تنفذها الأدوات الإسلاموية المدعومة من جهات إقليمية ودولية باتت معروفة للقاصي والداني , إلى مبتغاها في تصفية الوجود الفلسطيني والإجهاز على حقه المشروع في العودة إلى وطنه المحتل . إن الانعطافة الحاصلة في سلوك منظمة التحرير الفلسطينية التي أرسلت مبعوثها إلى سورية لجهة إيجاد تصور واتفاق تصوغه الأيادي الفلسطينية لمعالجة الوضع الكارثي المتأزم في مخيم اليرموك , والمتمثلة بالتنصل مما اتفقت عليه الفصائل الفلسطينية لجهة القيام بعملية عسكرية لقتال "داعش" وطرده من المخيم , إضافة للموقف الذي اتخذته حركة حماس لجهة النأي بالنفس عما اتفق عليه وتقديم صكوك البراءة " المضحكة " من تبعية ما يسمى بأكناف بيت المقدس للحركة , إنما يصوغ من هذه القيادات والجهات " مدافعين فاشلين " عن قضية الشعب الفلسطيني وإن إدارة الظهر للهموم التي تعصف بأبناء هذا الشعب , وبيع حقه في الحياة والوجود الآمن , إنما يشكل طعنة في قلب القضية الفلسطينية وخدمة ً للكيان الصهيوني الذي يطرب بسماع ألحان القتل وتسره مشاهد الدماء المؤداة على مسرح مخيم اليرموك . هي دعوة ٌ لجميع الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتهم حركة حماس والقائمين على منظمة التحرير الفلسطينية إلى توحيد الإرادات وتكريس الجهود في بوتقة وطنية واحدة , لتخليص مخيم اليرموك من مصابه الجلل ترحل خلالها الخلافات , وينتفى فيها أي ارتهان ٍ للمخططات المشبوهة , فالدفاع عن مخيم اليرموك برمزيته الفلسطينية ومواجهة المجاميع المسلحة التي عاثت فيه فساداً لا يشكل في مدلولاته السياسية ولا يبعث بأية رسائل على الإطلاق من شأنها أن تظهر هذا الواجب الإنساني والوطني بأنه تموضعٌ في خانة الانحياز لطرف بعينه من أطراف الحرب في سورية , فالمستهدف اليوم والمكتوي بنار الإرهاب الحاصل في اليرموك , هو الشعب الفلسطيني والدماء التي تراق هي دماء ٌ فلسطينية يجب الدفاع عنها والحفاظ عليها , وإن ما تقدم به عضو اللجنة المركزية لحركة فتح السيد توفيق الطيراوي لجهة الطلب من شباب الفصائل الفلسطينية في لبنان للتوجه إلى مخيم اليرموك لتحريره من " داعش " ومساندة رفاقهم في الفصائل الأخرى التي تقاتل في المخيم يشكل خطوة ً في الاتجاه الصحيح من الضرورة والأهمية بمكان تفعيلها بصورة أكبر وبقرار وطني فلسطيني موحد. من مخيم اليرموك يستمر نزيف الجسد الفلسطيني الذي بات مطعوناً مرتين , واحدة في النكبة واليوم بسكين الإرهاب والمتآمرين على قضيته العادلة , ولسان حاله يستحضر ماخطه قلم غسان كنفاني بأن لا تكونوا مدافعين فاشلين عن القضية , ويردد ما قاله ناجي العلي ( هناك من يمر في مرحلة النضال مرور ترانزيت ويطالب بعدها أن يصير نجماً أبدياً ) , فلا تمروا على أزمة مخيم اليرموك مرور الكرام ومن ثم تدّعوا تمثيلكم للشعب , ولا تشكلوا بفرقتكم وخلافاتكم الطعنة الثالثة في قلب الجسد الفلسطيني الطاهر, هذا الجسد الذي تصدح حناجره من عاصمة الشتات ورمز الحق الفلسطيني : كفاكم شتاتاً. 
* كاتب فلسطيني مقيم في سورية .