2026-09-11 10:08 ص

تلازم الخطاب .. في تكريس : إن لم تستحي فاصنع ما شئت

2015-03-10
بقلم : الدكتور محمد بكر
بعد أربع سنوات , مضت خلالها ولاتزال الأيادي الصهيو- أمريكية في صياغة صور متعددة من سيناريوهات الفوضى وتصنيع مشاهد القتل على امتداد المنطقة , وبعد انهيار المبتغى الذي أفرز جملة من الوقائع غير السارة لجهة بقاء المحور المناوئ لواشنطن في أوج حضوره السياسي والعسكري , يستمر بنجاح في إجهاض كل الولادات الأمريكية الجديدة ولاسيما على الساحتين العراقية والسورية اللتين تشهدان تعاظماً نوعياً للإرادات ومستويات غير مسبوقة من الإصرار على مواجهة تنظيم " داعش " وبقية الفصائل المسلحة الأخرى على الأرض, تواصل خلالها المؤسستين العسكريتين في كلا البلدين وبدعم من القوات والمقاومات الشعبية والوطنية درء مفاعيل المخططات والمشروعات الأمريكية , بعد كل ذلك لم يكن مستغرباً أن يعود الحديث عن إيران وأن تتوحد رؤى واشنطن وحلفائها حيال الدورالإيراني الذي يقف سنداً وظهراً متيناً في مواجهة الرغبات الأمريكية , وعاملاً رئيساً في الحد مما تعول عليه السياسة الأمريكية في رسم جديدها من الاستهداف متعدد المراحل والخطوات, هذه السياسة التي كانت ولاتزال تواصل سعيها في لي الذراع الإيرانية وإغراق جغرافيا حلفائها الإقليميين والدوليين بسيل من الفوضى والضغوط في محاولة لاستعادة الهيبة المسلوبة واسترجاع الحضور الدولي , إذ عد أوباما وفي بيان مدد فيه العقوبات على موسكو لمدة عام إضافي أن الوضع القائم لايزال كما في السابق يشكل تهديداً غير عادي لأمن أمريكا , مضيفاً أن التهديد يأتي ممن سماهم المقوضين للعملية الديمقراطية والمؤسسات في أوكرانيا ومن وصفهم بالمهددين للسلام والأمن والاستقرار والسيادة ووحدة التراب , وهو الذي يعلم ألا تهديد ولا تقويض ولامخرب للأمن والاستقرار في هذه المنطقة من دون الأيادي الأمريكية , بدورها لم تكن المشاهد المؤداة على مسرح الكونغرس الأمريكي بتوقيع " الضيف الكبير " نتنياهو , بأقل استعراضية وتقنية من نظيرتها الأمريكية في صياغة المفردات لا بل زادت عليها في مراتٍ عديدة تواصل معها التصفيق الحار, حتى الاحمرار , من عظيم المُشاهد والمسموع , إذ أكد نتنياهو أن إيران لا تشكل خطراً على مستقبل الشرق الأوسط وحسب بل على العالم كله عاداً أنها تسعى لتدمير " إسرائيل " , وتدعم ما سماهم " الإرهابيين " وأنها ساعدت الحوثيين لجهة السيطرة على اليمن , مضيفاً أن اليهود لن يبقوا مسالمين في وجه " الإبادة " وسيدافعون عن أنفسهم , هذا الكلام الذي سارع وزير الداخلية الإسرائيلي ليضعه في سياقه ومدلولاته السياسية عندما تحدث ومن دون أدنى حرج بمنطق العارف والمدرك تماماً لحيثيات وتفاصيل الاصطفافات الاقليمية الحاصلة وليس بمنطق المتنبئ للأمور إذ أكد أن دولاً عربية ستدعم ماجاء في خطاب أوباما . إن كل محاولات أوباما لجهة تظهير مستويات من عدم الرضا عن خطاب نتنياهو وأدائه السياسي عندما تجاهل سماع الخطاب وعد كلام نتنياهو " انحرافاً " عن المسار الطبيعي للعلاقات بين الجانبين , لم تغير مطلقاً من حالة الارتباط العضوي بين واشنطن وتل أبيب , ولم تفسد لقضية العشق بين الجانبين أي ود, إذ سرعان ما كشف نتنياهو ما أراد أوباما أن يتستر عليه معبراً عن عمق العلاقة التي تربط الجانبين, وعن تقدير بلاده لمواقف أوباما ولكل ماقدمه لها في المجالات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية ولاسيما المساعدة في منظومة القبة الحديدية , بدوره سارع جون كيري وبعد يومين فقط على خطاب نتنياهو ليكرس وحدة الرؤية والاستراتيجيا مع الكيان الصهيوني فيما يتعلق بالموقف من إيران إذ أكد في مؤتمر صحفي مع وزير خارجية آل سعود , سعود الفيصل أن الولايات المتحدة تواصل مراقبة أفعال إيران التي تزعزع الاستقرار بحسب تعبيره مضيفاً : أننا حتى وإن كنا نجري محادثات معها فلن نتغاضى عن أفعالها في سورية والعراق واليمن , وبالطبع إن السياسة الإيرانية التي بات جوهر عملها ومنطق سلوكها هو دعم كل تحرك لمواجهة أدوات واشنطن في المنطقة , وهي من تعتبر أن تطهير العراق من الإرهابيين ضرورة ملحة لإرساء أمن المنطقة كما جاء على لسان نائب وزير خارجيتها إضافة لدعمها المتواصل لحزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية , كل ذلك يشكل مصدر القلق لدى الإسرائيلي والأمريكي , وهو المقصود بعينه من حديث كيري . على المقلب الآخر كان " للرقص " والاهتزاز السعودي على ألحان المايسترو الإسرائيلي والإيقاعات الأمريكية مشاهد خاصة و " حصرية " لجهة الترديد الببغائي للتوصيفات الإسرائيلية والبصم " بالعشرين " بأصابع اليدين والقدمين على خطاب نتنياهو , إذ وجد سعود الفيصل في تكريت مثالاً أساسياً للقلق معتبراً أن إيران تستولي على العراق , وماذا يحصل في تكريت ؟؟ لكي يقلق الوزير العتيد سوى " تقهقر" أدواته المتطرفة أمام تقدم الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي , وهو مالا يسر العيون الأمريكية قبل السعودية , بدوره هو الآخر انضم " صاحب الأحلام الوردية " إلى الجوقة , وعلى ذات الإيقاعات بات يرسم وزميله السعودي ما خطه المعلم الأمريكي واضعين كل خلافاتهم الإيديولوجية والإقليمية خلف الظهر , إذ لطالما توحدت مصادر القلق من تنامي الإنجازات التي يحققها الجيش السوري ولاسيما على الجبهة الشمالية , لذا تغدو عملية " التشويش " على مهمة دي ميستورا وتخريبها أمراً ضرورياً في هذه المرحلة , ولاسيما أن جهات رسمية سعودية ترى في خطط دي ميستورا لجهة تجميد القتال خططاً خيالية وأن جهوده تصب في صالح الدولة السورية وهذا ما أكدته دوائر سياسية مطلعة لصحيفة المنار بتاريخ 7/ 3/ 2015 , هذه التحركات التي تزامنت أيضاً مع إعلان منسق تحالف واشنطن جون آلن أن الولايات المتحدة ستعمل على حماية مسلحي مايسمى بالمعارضة المعتدلة بعد تدريبهم في الأراضي التركية والسعودية , تحضيراً لجولات قتالية يقال أنها لمواجهة داعش , ولا يحتاج الأمر هنا للكثير من البحث والتحليل, وربطا ً مع مصادر القلق " المشتركة " بين السعودية وتركيا وأمريكا آنفة الذكر, لإدراك أن تلك المجاميع إنما هي في سياق تعزيز الثبات وبث عوامل الحياة وترميم التصدعات في بنية المجاميع المسلحة المنهارة في الداخل السوري . من واشنطن إلى تل أبيب مروراً بالرياض وأنقرة , يتعاظم امتهان قول الزور, وتصدير النفاق , وتتوحد الرؤى, ويتلازم الخطاب التآمري في تكريسه لقاعدة " إن لم تستحي فاصنع ما شئت".
 * كاتب وباحث سياسي فلسطيني مقيم في سورية