2026-09-11 07:32 م

الأردن، والإدمان على الإذعان

2015-03-08
بقلم: الدكتور أنور العقرباوي*
تتفاوت النظرة إلى النظام في الأردن من حيث نشأته، واللذي أفرزته وعود وإتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، بين من يراه نظاما "وظيفيا" جاءت به تلك الإتفاقيات، بحكم جغرافيته اللتي تتوسط المشرق العربي، و محاذاته لأطول حدود له مع العدو الصهيوني، وبين فريق يرى فيه نظاما "عمليا" أعوزته "قلة" الموارد والإمكانيات و "تقاعس" الأشقاء، مبررا لتحالفاته وضبابيته في صراعه من أجل البقاء! بالأمس القريب فاجأنا رأس النظام، واللذي بدون أي مناسبة وعلى غير عادة، وإن كانت أيامنا كلها حبلى بالمفاجآت كالعادة، بكلمة أصغينا لها، وكلنا آذان لتفهم المبررات في الأخذ على عاتقه الدور المحوري في قيادة تلك "الحرب العالمية"، كما وصفها وزير خارجيته! فهو البلد الوحيد في محيطه اللذي ينعم بالهدوء، واللذي لا تؤهله إمكانياته من تحمل تلك المسؤولية، ناهيك عن الإرتدادات المحتملة نتيجة تلك المشاركة، بغض النظر عن الغايات والأهداف الغير معلنة! و بأي حال لم يرعى انتباهنا، ما جاء في الكلمة مما وصف بالإنجازات خلال السنوات الماضية، في الوقت اللذي لا يخفى على أحد نسب البطالة المرتفعة بإطراد، والعوز والفقر اللذي يضرب أطنابه نسبا أعلى من الشعب، ناهيك عن تفشي الغلاء والفوارق الإجتماعية، والفساد والمحسوبية في كل مفاصل الدولة! ربما جاءت الكلمة دون المنتظر في تناول القضايا اليومية الملحة للمواطن العادي، ولكنه كذلك لم ينقصها غياب في الشفافية كالعادة، وأهمه إغفالها حيثيات ومبررات إقحام الأردن وجيشه في حرب على الإرهاب، في الوقت اللذي تمتد على حدوده الغربية المؤسسة الحاضنة والمفرخة عمليا للإرهاب، والرابضة على مسرى نبينا (عليه الصلاة والسلام)، وتنشط في عاصمته مختلف أجهزة الإستخبارات الخليجية والصهيونية، وحدودا مشرعة على اتساعها لكل إرهابي جاء من كل صوب وحدب، لضرب وحدة الشعب السوري، وتدمير جيشه، وتفتيت دولته، وكأن للإرهاب مذهبان، قد آمن من حاربه في كوباني، أو كفر من لم يدعمه في الغوطة والرقة! كان لافتا في هذه الكلمة، أنها كانت رسالة تعبأة وتجييش، موجهة إلى أبناء العشائر أكثر من غيرهم، اللذين يشكلون العمود الفقري للجيش الأردني، تستنهض فيهم العصبية والهممهم، من خلال تذكية روح الإنتقام لروح الشهيد الكساسبة، في محاولة للإلتفاف على فطنتهم وإستغلال وطنيتهم، و استثمارها حيث يراد به أن يوظفها! لكنها من الواضح تماما أنها لم تأتي على كيفية الإرتقاء بالمستقبل "اللذي نطمح إليه ونستحقه"، كما جاء في الكلمة! وإذا كنا في غنى عن التذكير بمواقف الشعب الأردني المشرفة في الدفاع والإنتصار لقضايا أمته العربية، فإنه لن يضيره، ونحن لا نتجنى على فطنته، أن نذكره بأن مصيره ومستقبله، يجب أن لا ينطلي على أحد منه، بأنه مرتبط بدور محوري تارة هنا وأخرى هناك، في الوقت اللذي خرجت فيه هذه التنظيمات الإرهابية من رحم التحالفات العثمانية-الخليجية المشبوهة بزعامة سيدهم الأمريكي، واللتي لن تتوانى يوما عندما تدور الدائرة، ليصبح الأردن هدفها القادم، ضمن نشر سياسة الفوضى في كل دول الطوق، لينعم الكيان الصهيوني بالطمأنينة والأمان، وتصفية القضية على كل صعيد، وتزكيته زعيما على المنطقة الغارقة في بحر من الدماء. نعم قد تتفاوت النظرة على طبيعة هذا النظام، كل من موقعه، لكن الشيء المؤكد للعيان، أن الإمعان في الإذعان قد بلغ منه حد الإدمان، حتى أصبح مصير وطن وأمة ليس ذا شأن، طالما رضي عنه صاحب الفرمان، في سبيل البقاء على عرش السلطان، ولو جاء من بعده الطوفان؟! 
* كاتب عربي ـ واشنطن

الملفات