2026-09-11 11:14 ص

مقاربة لأعماق الصراع مع سورية

2015-03-08
بقلم: سمير الفزاع
يلوم الكثيرون الحركات الإسلاموية على "سعيها" للعودة بنا القهقرى إجتماعيّاً، فكريّاً، إقتصاديّاً، ثقافيّاً، سياسيّا... إلى أكثر من 1400عام، ولكنه لا يجد غضاضة بإرجاعنا أضعاف هذا العدد الهائل من السنوات إلى الخلف، ليعرّف نفسه –هوية وإنتماءاً- بالفرعونية والفينيقية والآرميّة... وكأن العودة إلى الوراء ممكنة من حيث المبدأ، ومتاحة جغرافيّاً وزمانيّاً، وأننا قادرون على إنتقاء النسق الإنساني-الحضاري الذي "نرغب" بالنكوص إلية دون تحمل أعباء التطور التاريخي لهذا النسق... . في العمق، يناكف هؤلاء لغة العصر وآليات الولوج فيه، يستهلكون منتجات الغرب التكنولوجية والعلمية والثقافية والإقتصادية... لكنهم يصرون –عن قصد أو بدونه- على تجاهل آليات التحول الإجتماعي التي شكلت الرافعة التاريخية لتبلغ تلك الدول ما بلغت، والعوامل الفاعلة فيه كالتوحيد الوطني-القومي، والفئة/الفئات الإجتماعية الحاملة لهذا المشروع... والمتطلبات والوسائل اللازمة لجعل هذا المشروع واقعاً معاشاً. من هنا، سيكون مشروعاً أن نطرح أسئلة مثل، في أي مرحلة تاريخيّة-إجتماعيّة نعيش؟ هل نحن قبائل بدويّة أو محميات إقطاعيّة؟ هل نحن دول وطنية أم دول سايكس وبيكو وروزفلت واللنبي...؟ هل نحن سناجق بني عثمان أو ولايات بني أمية وبني العباس؟ أم ممالك تدمر والكنعانينون والآرميون...؟ هل هناك من روابط وطنية-قومية بين شعوب تعيش التفتت والعجز والتفاوت في التعليم والثقافة ومستويات الدخل وأشكال الإنتاج... وتعاني من الهيمنة الغربية الإستعمارية على جلّ تفاصيل حياتها، وإحتلال الكيان الصهيوني لفلسطين، والعلاقة العضوية بين معظم الأنظمة العربية والإستعمار الغربي ومراكزه الرأسمالية؟ بل وكيف يمكن تفكيك الوشائج الحيوية بين هذا الغرب الإستعماري وفئات عربية واسعة تنتج الفكر والأدب والثقافة والدين والإقتصاد وأساليب الحياة... لشرعنة هذا الإرتباط والتنظير له؟. وفق آليات هذه التحليل يمكن أن نفهم عميقاً كيف ولماذا أُنشأت القاعدة والنصرة وداعش... وقبلهم الوهابية والإخوان المسلمين والكيان الصهيوني، وبه يسهل فهم طرق عمل وتحرك وتصرفات هذه الكائنات الهجينة. كما يقدم لنا هذا التحليل سكين الجراح التي تكشف بكل وضوح دور تلك الفئات العربية في نشؤ وترعرع هذه المشاريع الغربية الخالصة، الوهابية والإخوان والصهيونية ثم القاعدة ومشتقاتها. ويفسر لنا إلى حدّ بعيد جداً حالة الخضوع الشعبي شبه التامة والفقدان الجماعي للبصيرة والوعي، والتعصب والإنحدار الأخلاقي، ودور المال النفطي "العربي" كأداة بيد الغرب تُنتج الوعي والثقافة والدين وأنماط الحياة... والسيطرة شبه الكاملة على مؤسسات إنتاج هذه المكونات في البيت والمسجد والشارع والجامعة والكتاب والمثقف والحزب والتلفاز والصحيفة... . يعتقد البعض أن اليهود يسيطرون على قرار واشنطن وخصوصاً في منطقتنا، لكن لنحاول أن نفكر بطريقة مغايرة: أن الإحتلال الصهيوني لفلسطين جاء بقرار مشترك من الغرب الإستعماري و"نخبة يهودية" برجوازية الطابع قليلة العدد واسعة الثراء والنفوذ في آن. تقاطعت مصالحهما على إنشاء قاعدة عسكرية متقدمة لهذا الغرب الرأسمالي الإستعماري في نقطة الوصل بين شقي الأمة والوطن –فلسطين- بعد بحث طويل عن وطن –الأرجنتين،قبرص،السودان...- لهذا الشتات اليهودي، و"فيلق يهودي" يُرضي شغف هذه البرجوازية الغربية في التوسع ومضاعفة النهب... . ويكون في ذات الوقت فرصة لهذه "النخبة اليهودية" الثرية والنافذة للتخلص من "غيتوهات يهودية" لإستحالت إندماجها في بيئاتها، وصارت تشكل إستفزازاً بنشاطها المالي الطفيلي لبرجوازية أوروبية ناهضة تريد أن تحتكر أسواقها الوطنية وتنجز هويتها الوطنية/القومية من جهة ثانية، ولتضمن البقاء والحماية والشراكة في حكم البلدان التي أصبحت جزءاً من برجوازيتها الوطنية، وتغتنم فرصاً واسعة لجناية الفوائد من هذه الثكنة المتقدمة -الكيان الصهيوني- التي قدمتها للغرب من "بني جلدتها". ويمكن النظر إلى عائلة "روتشلد" كنموذج صارخ على هذا التحالف، حيث مولت قسماً كبيراً من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وساعدت لندن في "إغتصاب" قناة السويس من خديوي مصر، ولكنها آثرت التنعم "بمكتسباتها" في عاصمة الضباب –لندن- ولم تهاجر أبداً إلى "أرض الميعاد". عقب هذه الصفقة التاريخية بين الغرب الإستعماري ممثلاً بلندن وباريس ولاحقاً واشنطن مع البرجوازية اليهودية الغربية تحديداً، بدأت الجيوش الغربية بمغادرة مستعمراتها القريبة من هذا الكيان لأسباب عديدة منها، الإستعاضة عن وجودها المباشر بآخر غير مباشر لا وجود فيه للجنود والبنادق والمدافع الغربية؛ بل هناك "إنسان أوروبي" من الدرجة الثالثة يحمل هذه البندقية ويستعمل هذا المدفع لصالحهم وتلبية لمخططاتهم. وقد حقق هذا الكيان المُختلق الأهداف الغربية بأقل الكلف الممكنه، ويكفي أن نتذكر هنا حرب العام 1967 عندما تضاعفت مساحة هذا الكيان عدة مرات على حساب عدد من الجيوش العربية في ساعات معدودة. مثلت حرب تشرين 1973 نقطة التحول الكبرى في تاريخ هذا الكيان، عندما تعرض لأول مرة في تاريخه للهجوم، حيث بادرت القيادتان السورية والمصرية بمساعدة تشكيلات مقاتلة من عدد كبير من الأقطار العربية إلى الحرب، وبدعم من الدول النفطية العربية. لقد كانت الصدمة الأعمق والأخطر في تاريخ هذا الكيان، وعلى صاحبي هذا المشروع في الغرب. بدأ أصحاب المشروع بسلسلة إجراءات لمنع تكرار هذه الحرب، فأحكموا السيطرة على النفط وحولوه لأداة تفكيك وتخريب، وحاصروا سورية، وأخرجوا مصر من معادلة الصراع... وباشروا بتنفيذ عدة مشاريع للسيطرة على فكر وهوية ووعي المواطن العربي، بالإستفادة من أدوات كان لهم اليد الطولى في نشأتها، الوهابية والإخوان المسلمين والكيان الصهيوني. أعوام قليلة ويبدأ "الجهاد المقدس" في أفغانستان وسورية، وتندلع الحرب العراقية الإيرانية، وحرب ليبيا مع تشاد، وغزو لبنان... لقد إتخذوا قراراً مركزيّاً بإستنزاف عواصم الفعل التاريخي العربي "دمشق،بغداد،القاهرة" بصراعات داخلية وإقليمية، لإجبارها على عقد صلح مع هذا الكيان-المشروع، أو منعها من مهجمته في الحدّ الأدنى. ما رأيناه خلال الأعوام الخمسة الماضية تحت عنوان "الربيع العربي" لم يكن سوى مرحلة جديدة في هذا المسعى القديم-الجديد، الإنهاك والتركيع، بذات الأدوات، الوهابية والإخوان المسلمين والكيان الصهيوني... وتجلياتها المجتمعية الموبوءة على شكل، أنظمة عميلة ومحميات نفطيّة، مثقفون، رجال دين، محطات تلفزه، إعلاميون، رعاع مغيبون... وكان آخر إختراعات هذه المنظومة "داعش". هناك تشابه يكاد يلامس حدود التطابق بين الكيان الصهيوني وداعش في النشأة وأسبابها، وآليات الحفاظ عليها... حتى في بصمات الصانع-المحرك-المستفيد. صحيح أن القيمة الإستراتيجية للكيان الصهيوني أكبر بكثير من قيمة داعش، لكن اللافت أن ظهور داعش وأفولها سيكون سريعاً بعكس الكيان الصهيوني، ويمكن إرجاع الصعود والأفول السريعين لداعش بالمقارنة مع كيان العدو لعدة عوامل، منها: 1- أن المشروع الغربي، والأمريكي بشكل خاص، مشروع مأزوم بحد ذاته، وكذلك كلّ قواعده في المنطقة، من الكيان الصهيوني وصولاً للأنظمة والحركات الإسلاموية والفئات الإجتماعية... المرتبطة بوشنطن، عكس الرعاية القوية للمشروع الصهيوني والوهابي والإخواني وبقية القوى الرجعية في بدايات القرن الماضي. مثال، الإنزال الأمريكي لدعم عصابات الكيان الصهيوني إبان حرب 1973، وعجزه التام اليوم عن تكرار ذلك. 2- الصورة والصوت والمعلومة والسرعات القياسية لإنتقالهم، ومحاولة حلف العدوان إستخدامها كسلاح في فرض الوقائع على مستوى الإرادة والوعي والحركة... عملت بشكل عكسي في أحيان كثرة، خصوصاً مع إطالت فترة الحرب، وأضطرارهم لتغيير الخطط، وتبديل آليات الهجوم... . مثال، تفجير مكتب الأمن القومي الذي أعد ليسقط دمشق، ولكن مبادرة الجيش العربي السوري، وثبات وسرعة تصرف القيادة، وبث القنوات السورية من الشارع وتوثيقها كل ذلك أسقط المخطط. 3- وجود مقاومة حقيقيّة فاعلة ومنتصرة مناهضة لمشروع داعش، وقد تحمل الأعباء الكبرى لهذا الفعل التاريخي، سورية والعراق وحزب الله وايران وبعض قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية... . بكل صدق وموضوعية، إن نهاية داعش وأخواتها سيكون محطة مهمة جداً لإنهاء الكيان الصهيوني و"شبكة أمانه العربيّة" التي تحدثت عن مكوناتها سابقاً، وهذا يفسر بعض من إستماتة هذا الكيان وهذه الشبكة في إدامة الحرب على سورية أولاً والعراق وبقية القوى المقاومة ثانياً. سيكون المنتصرون على المشروع الداعشي هم رأس الحربة في كنس المشروع الصهيوني، لكن لكنس المشروع الصهيوني، نحتاج إلى"رؤيا" تحقق هذا الهدف، وهذه محاولة لطرح بعض عناوينها: 1- بما أن الحرية خارج الوعي فوضى وإنتحار جماعي، نحن بحاجة إلى "العادل المستبد" حسب تعريف محمد عبده لكن بدون بعده الثيوقراطي. 2- بما أن البلاء عام والتراجع جماعي، لا بديل لنا عن الدولة المركز-وفق بسمارك. 3- تحتاج الدولة المركز إلى مشروع سياسي إجتماعي إقتصادي... صارم لتقوم بدورها التاريخي، ومن هذه العناصر: * "القطع" مع عواصم الإستعمار القديم والحديث. * بناء إقتصاد متمركز حول الذات بعيداً عن الدوائر الرأسمالية وأشراكها، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. * التأطير السياسي والثقافي... لأكبر عدد ممكن من الشعب في مؤسسات المجتمع المدني مثل، النقابات والأحزاب... لتساهم في صنع القادة والسياسات والقرارات... وتسويقها والدفاع عنها شعبيّاً.

الملفات