2026-09-11 04:16 م

الكساسبة على مذبح " داعش " .. هل يدرك الأردن منقلبه في سورية ؟

2015-02-05
بقلم : محمد بكر
بأسلوب ٍ جديد لم يخرج في حيثياته وتفاصيل إجرامه عن مئات المشاهد الدموية , وفي حلقة أخرى من حلقات مسلسل الإرهاب الذي بات فيه تنظيم داعش الإرهابي المتصدر الأول بلا منافس لدور البطولة المطلقة في نشر غيه وهمجيته وبث صور الترهيب الطافحة بالدماء , يتم الإعلان عن إعدام الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة حرقاً وهو حي , هذا الحدث الذي أثار حفيظة رأس الإرهاب ومحركه وموجهه ومستثمره ليعلن تصميم " تحالف الشياطين " على المضي قدماً في تدمير " داعش " , وأن حادث الإعدام لن يثني العزائم عن مواصلة قتال التنظيم , تلك العزائم التي خارت قواها منذ اللحظة الأولى ولم تشتد سواعدها و تتعاظم إرادتها لمواجهة حقيقية للتنظيم, فآلاف الغارات والضربات الجوية التي شنتها طائرات التحالف لم تزعج التنظيم إلا بأصوات محركاتها فقط , وجل حصادها من الحقول التي يسيطر عليها " داعش" سواءً في العراق أو سورية لم يتجاوز" الكومة القليلة " التي لم ولن ترتقي لمستوى "البيدر" من خسائر التنظيم على الأرض , بدورها انتفضت الحفيظة الأردنية لتبلغ معدلات قياسية , ازدادت معها وتائر التهديد والوعيد وعلى لسان القوات المسلحة نفسها بأن دماء الطيار لن تذهب هدراً وسيعلم القتلة أي منقلب ينقلبون , وأن رد الأردن سيكون مزلزلاً , في حين قطع الملك زيارته إلى أوباما والتي كانت ربما من أجل إيجاد حل للطيار الأردني لجهة الضغط على تلامذة العم سام في تركيا وقطر " الموّانين " في مثل هكذا مشكلات, وأصحاب الكلمة النافذة على تلك الجماعات, ولاسيما بعد فشل مساعي الموفد الأمني الأردني إلى تركيا مؤخراً إذ لم تحصد أية نتائج سوى خفي حنين . فهل يشكل الحادث منعطفاً هاماً وتحولاً استراتيجياً على طريق السياسة الأردنية تقف فيه المملكة في "جردة حساب" لأخطائها ومواقفها حيال ما يحدث على عينها في سورية ؟؟ أم إن التصميم الأمريكي سينسحب على السلوك السياسي الأردني وتالياً سيدفع الأردن مزيداً من الأثمان نتيجة انخراطه في الاستراتيجيات الأمريكية وتالياً الضلوع في حرق أبناءه إذا ما واصل اللعب بالنار ولاسيما على الحدود مع سورية . لم تكد تعيد الخطوة الأردنية لجهة إعادة السفير إلى تل أبيب بعد ثلاثة أشهر على استدعائه احتجاجاً على ماسماه الأردن " انتهاكات إسرائيلية " في غزة , أواصر المتانة للعلاقة مع الكيان الصهيوني المستفيد والمنسق الأول مع " داعش " وأخواتها , حتى كان سيف "داعش " أسرع , تلك الخطوة التي كانت على قاعدة أن مسرحية استدعاء السفير لا تفسد للعلاقة الحميمية وداً , فما يربط الجانبين هو أكثر وأشد من الود والحب, ولعل اتفاق وادي عربة الذي تم توقيعه في العام 1994 يمثل عنوان الصداقة "العزيزة والعظيمة " /على طريقة محمد مرسي / والرمزية الفريدة للتلاقي السياسي بين الكيان الصهيوني والأردن . إن حادثة إعدام الطيار الكساسبة إنما تشكل في اعتقادنا بداية الحريق الذي حذرت منه الدولة السورية مراراً وتكراراً لجهة امتدادات وارتدادات وتداعيات الدور السلبي الذي طفح به سلوك المملكة الأردنية " العتيدة " منذ بدايات الأزمة في سورية وتدخلها في الشؤون الداخلية السورية , لجهة تشرب المدرسة الأمريكية سلوكاً وتمنطقاً لم يجد فيها اللسان الأردني حرجاً ومنذ البدايات بالتحدث والتعبير عن المنطق الأمريكي وإسقاط نظرياته ومقترحاته ونماذجه على الواقع السوري , إذ دعا الملك عبدالله يومها الرئيس الأسد للتنحي وتطبيق النموذج اليمني الذي بات وفقه اليمن اليوم, أشبه بالدولة الفاشلة ومحطة لتصفية الحسابات الدولية والاقليمية يدفع فيها الشعب اليمني وحده الثمن غالياً من دماء أبنائه , فالملك الذي وصف حادث الإعدام بأنه جبان وإرهابي والذين قاموا به لا تربطهم أية علاقة بالإسلام هو نفسه من يغض الطرف عن المئات إن لم نقل الآلاف من المرتزقة والمجاميع القاعدية التي لاتربطها أيضاً أية علاقة بالإسلام المتواجدة على الحدود مع سورية وقد غدت في ضيافة المعسكرات الأردنية تتلقى التدريبات والأموال ليصار إلى زجها للداخل السوري , وحتى اللحظة لايزال الأردن منخرطاً حتى النخاع في تلافيف الحرب على سورية يرتقي فيه دوره لدرجة التعاون الحثيث مع الاستخبارات الغربية والإسرائيلية لا بل يتسابق مع " الإسرائيلي " للإمساك بمنطقة أمنية لكل منهما، وقيادة الحرب ضد دمشق , إذ استعادت الاستخبارات الأردنية حوالي عشرة آلاف مقاتل عبر جيش اليرموك الأقرب إليها لتأمين منطقة عازلة غير معلنة شرق درعا، وضبط الجماعات السلفية الأردنية، ومنع السيطرة على خط التجارة الاردني- الخليجي البري عبر درعا، من دون قرار أردني وذلك بحسب ما أعلنته قناة الميادين اللبنانية في 2/ 2/ 2015. اليوم يجب أن يدرك الأردن أكثر من أي وقت ٍ مضى أن منقلبه السياسي لجهة الانخراط الأعمى في السياسات والاستراتيجيات التي يرسمها الأمريكي على " قاعدة السمع والطاعة لولي الأمر" والتموضع في دوائر التآمر على دولٍ وأقطار من المفترض أن تكون شقيقة قدمت من مواردها وخيراتها الكثير لسد احتياجات الشعب الأردني الشقيق, والارتضاء بدور " التابع الطيع " لن يعفيه من أن يكون الرقم الهامشي في معادلة " تسمين العجول " المتجذرة في السلوك الأمريكي يضحى به من خلالها ولاسيما عند انتهاء الدور والوظيفة الموكلة . في اعتقادنا أن الرد المزلزل الذي يجب أن يقوم به الأردن هو الوقف الفوري لكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني " الصديق الوفي " لقتلة الطيار الكساسبة والمحرك والناظم لعملهم , والعمل على الخروج السريع من العباءة الأمريكية, فالنشامة لاتليق بهم إلا العباءة العربية و"الشماخ" الأصيل , وعليه يغدو الانضمام إلى المنظومة القومية العربية والتنسيق بعيداً عن العين الأمريكية مع الجهات والدول والمجاميع الشعبية التي أدارت المعركة مع " داعش " بنجاح, وإن استمرار الجري في الملعب الأمريكي والشراكة مع واشنطن بتحقيق الأهداف المبطنة والخبيثة لتحالفها المزعوم , لن يجلب إلا المآلات السيئة لمملكة " النشامة ". 
* كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية