2026-09-11 09:54 م

المصطلحات الغائبة والحاضرة في الأزمة..

2014-12-06
بقلم: محمد عياش*
في الأزمة الراهنة التي تضرب منطقتنا العربية، وتحرق بنيرانها بعض الدول العربية تحت عناوين “الربيع العربي” المزعوم، غابت، أوعلى نحو أكثر دقة غيبت، عن التداول، الإعلامي بصورة خاصة، كثير من المصطلحات مثل، الأمة، والوطن العربي، والأمن القومي العربي، و”العروبة”؛ ليحل محلها، ومن خلال وسائل إعلام مسيطر عليها تماماً، مصطلحات أخرى، مثل الشرق الأوسط، الإرهاب الإسلامي، ثم “الربيع العربي”، والاقتتال الأهلي، والصراع السني الشيعي.. الخ، مصطلحات لا يخفى أن الغاية منها تقسيم الجسد العربي، وتعميق جروحه، لكي يمكن للقوى التي تروج لهذه المصطلحات البديلة أن تضع يدها على المنطقة، بعد أن تتدخل في الشؤون الداخلية العربية، مذكية نار الفتنة في هذا البلد العربي أوذاك. و”الشرق الأوسط”، المصطلح الذي اصطنع مع بدء التخطيط للحملات الاستعمارية الغربية في القرن التاسع عشر، هو أكثر المصطلحات تداولاً في العقلية الغربية، وعليه ارتكزت تلك الحملات، كما تتكئ عليه الآن الاستراتيجية الصهيو–أمريكية، في سعيها لتغييب الهوية العربية، وإظهار العرب كمجموعة من الطوائف والمذاهب المتصارعة، الأمر الذي بلور فيما بعد في “الفوضى الخلاقة”، التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس كمدخل لصنع “شرق أوسط جديد”، مكون من كانتونات هشة، لا تملك إلا أن تتبع للكيان الصهيوني، الذي سيدير صراعات هذه الكانتونات. وحال الوطن العربي الآن، بما تنطوي عليه من تراجع وضعف، وبحسب ما يرسمه منظّرو هذه المشاريع في العواصم الغربية، مهيأة لتحول هذه الخطط إلى واقع، سمته التقسيم والتفتيت للدول العربية القائمة، وإلغاء كثير من المفاهيم والمصطلحات التي تشغل جزءاً من الوعي العربي، والتي طالما تغنى بها الشعب العربي، لتحل محل ولاءات مذهبية وطائفية جديدة تكون بمثابة المعالم الجديدة التي سترسم خريطة المنطقة فيما بعد. لقد أكدت حرب الخليج الثانية وما تلاها أن القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تتورع عن التدخل في الشؤون الداخلية لبلدان المنطقة في أي لحظة تشعر بالخطر على مصالحها، وهذا التهديد تحدده تلك العواصم، بصرف النظر إن كان حقيقياً أو مصطنعاً، مسخّرة لذلك آلتها الإعلامية، لتهيئة الساحة لآلتها العسكرية، كي تقوم بإسقاط الأنظمة الوطنية في إطار عملية تغيير قسري للسيطرة على المنطقة، عبر أنظمة تابعة للإرادة الغربية، تتصالح، تحت مسميات السلام المزعوم، مع الكيان الصهيوني، في حين إن الهدف النهائي للاستراتيجية هذه يقضي بتمدد الكيان الصهيوني، اقتصادياً وسياسياً، على كامل الأراضي الممتدة بين الفرات والنيل. ولا تخرج مسرحية “داعش”، التي تسعى لتمزيق سورية والعراق عن هذا السياق.. أما القضية الفلسطينية محور الصراع، فتغيب ويدفع بها بعيداً عن قائمة الأولويات، لطمس حقوق الشعب الفلسطيني؛ على العكس تماماً رفعت “إسرائيل” الاعتراف بـ “يهودية إسرائيل”شرطاً لقبولها تسوية، ليس لها من السلام إلا الاسم، محاولة تكريس هذا المصطلح ليحضر بقوة على الساحة، معتبرة أن في الضعف والوهن العربي فرصة يمكن استغلالها. هناك من يعمل جاهداً للدفع بالعروبة، لتدخل غياهب النسيان، وللأسف فإنه يجد من بعض العرب من يتبعه في ذلك، مستغلاً ما سمي بـ “الربيع العربي”، والفتن التي جاء بها، ونشير هنا إلى أنه سبق لجون كيري، وقبل أن يصبح وزيراً للخارجية الأمريكية، أن أعلن في عام 1991 “نهاية العروبة” ونصح الذين يتغنون بهذا المصطلح «أن يتبرؤوا من العروبة وينقذوا رقبتهم». والآن تطفو إلى السطح، وبفعل فاعل لا يخفى، ظاهرة ما يسمى تنظيم “داعش” الإرهابي، الذي يحظى بدعم القوى الغربية، لا يغيّر من ذلك صخب الإعلام حول الحرب التي تقودها واشنطن ضد هذا التنظيم، والتي نعتقد أن لها أهدافاً وأولويات ليس من بينها القضاء على “داعش”، أهدافاً قد تجد في المفاهيم والمصطلحات التي تروّج، إعلامياً وسياسياً ما يشير إليها، والتي تبدأ بـ “الدولة اليهودية” ولا تنتهي بـ “الدولة الكردية”، في إطار مشروع يهدف إلى إلغاء العروبة، فهل يعي العرب مايحاك لهم؟!.
*كاتب وإعلامي خريج كلية الإعلام / جامعة دمشق 

الملفات