2026-09-11 09:00 م

المعلم ورجال الظل في موسكو

2014-12-03
بقلم: سمير الفزاع
تحكم في مجريات القرن الماضي، عدد من الإتفاقيات والأحلاف الكبرى التي جاءت عقب حربين عالميتين راح ضحيتهما عشرات الملايين من القتلى ومثلهم من الجرحى والمعاقين. في الحرب العالمية الثانية وقع كل من ستالين وروزفلت بحضور المنتصر المهزوم، تشرشل إتفاق يالطا الشهير، وتقاسما النفوذ في العالم. حصلت موسكو على أوروبا الشرقية، وواشنطن على أوروبا الغربية، وقاما بإقتسام النفوذ في بعض البلدان وفق نسب مئوية، كيوغسلافيا مثلاً، حيث كان لموسكو 75% من النفوذ و25% لواشنطن، وأما اليونان فكانت مناصفة. وبعدها بعام واحد جرى إقتسام المانيا المهزومة بين شرقية تتبع لموسكو، وغربية تتبع لواشنطن، وأتفق الطرفان على ضرورة منع توحد هذين الشطرين أبداً ، خوفاً من الخطر الإستراتيجي الذي تشكله المانيا الموحدة والقوية. تُرجم هذا الإتفاق بمقولة "إنني أحب ألمانيا الى درجة أنني أريد أن أرى منها إثنتين، وثلاثة إذا كان ذلك ممكناً" للشاعر الفرنسي الشهير "فرانسوا مورياك". وهناك الحلف الأطلسي "النيتو" وحلف وارسو رداً عليه ، وأكتسبت المنافسة والصراع طابعاً أيدولوجيّاً، بين غرب رأسمالي، وشرق إشتراكي. مع ظهور الأسلحة النووية، إكتشف الخصمان أن الحرب بينهما ممنوعة، لأنها لن تفرز منتصراً ومهزوماً؛ بل ستكون نتيجتها الحتمية دمار العالم بأسره. هنا ظهرت الحرب الباردة، أداة للصراع، وتعبيراً سياسياً وإقتصادياً وعسكريا وثقافيّاً وَسم العالم لنصف قرن تقريباً. بقيت القدرة على الردع المتبادل بين موسكو وواشنطن، تمنع حدوث إصطدام مباشر بينهما، وتمنح عدد كبير من الدول هامش واسع للحركة والنمو، حتى العام 1990، عندما إنهار الإتحاد السوفيتي وكامل منظومته الإشتراكية تقريباً، وأعتقدت واشنطن أنها بلغت "نهاية التاريخ". كانت لحظة فارقة في تاريخ العالم، رجل واحد يجلس خلف المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، ويمتلك إمكانيات إمبراطورية كاسحة بكل ما للكلمة من معنى، العالم بأسره مفتوح أمامه بلا أعداء ومنافسين، يحتاجه في كل تفاصيل حياته، يخافه ومستعد للخضوع التام، يتمنى رضاه ومستعد لتقديم أي شيء قد يطلبه بلا أدنى تردد... إنه العالم الذي سوف يديره سيد البيت الأبيض بالهاتف لو شاء. * موسكو تبحث في الأرشيف: حاول بوتين-ميدفيدف أن يجعلا من إنهيار الإتحاد السوفيتي "فرصة" للتخلص من الإرث الثقيل للإتحاد السوفيتي في صراعه الطاحن مع واشنطن، وفتح صفحة جديدة من العلاقات الدولية لا تحكمها قوانين الحرب الباردة وإتفاقياتها. لم يدم إنتظارهما طويلاً ليكتشفا بأن واشنطن هي من بادر إلى طيّ صفحة الحرب الباردة، ولكن على طريقتها، وكما تتطلب مصالحها ومخططاتها. إكتشفت موسكو أنها أمام خصم عنيد يصر على أن يبقى عدواً، ويحاول بكل ما أوتي من قوة ترسيخ "الهزيمة الإستراتيجية" للإتحاد السوفيتي بوقائع ميدانية صارخة، وتمددت واشنطن والنيتو حتى صارت جارة لموسكو في جورجيا، وجارة لبكين في كابل، وجارة لدمشق في بغداد، فأضطرت روسيا لإعادة فتح أرشيفها لتبحث عن حلفائها التقليديين على إمتداد العالم كي تواجه عدواً لم يعد قادراً على التعرف على ذاته وتعريف هويته إلا بالضد معها، ومع مصالح العالم أجمع. * دمشق الحليف الأوثق: لقد داهم "الربيع العربي" الكثيرين، وفاجأت مجرياته في كثير من الأحيان حتى أصحاب المشروع. لم يكن في وارد واشنطن سقوط حكم الإخوان في مصر، ولا تراجعهم في تونس، ولا تناحرهم في ليبيا، ولا هزيمتهم في سورية... جوهر مشروعها، قاعدة شعبية إسلاموية منظمة، تفرز قيادات تحكم الدول التي "تداعت" فيها السلطات الحاكمة، لتنتج بتمويل من البترودولار الخليجي "حلف بغداد الجديد" الذي يتيح لواشنطن القبض على المنطقة، ومحاصرة روسيا مجدداً خلف جبال "الأورال"، وتخلص أمريكا من الإعباء المالية والعسكرية والقانونية... لإنتشارها في المنطقة بالإعتماد على حلفها الجديد. صمدت سورية، وبدأ المشروع الأمريكي بالتداعي، وتأكدت روسيا بأن حليفها الموثوق والعنيد، سورية، كما أخبرها الأرشيف، ما زالت ذلك الندّ الصلب لأمريكا حتى في ظل هذا الخلل الإستراتيجي في موازين القوى. لم تجد موسكو ما يبرر تخاذلها عن تقديم الدعم اللازم لصمود سورية في وجه المشروع الأمريكي، فأستخدمت والصين الفيتو لثلاث مرات في مجلس الأمن، وأعادة الدفء لشرايين الدعم العسكري والمالي والإستخباري... لسورية، وكانت النتائج مذهلة حقاً، صمدت سورية، وبدأت ضوابط المشهد الإقليمي والدولي تتسرب من أيد أمريكا وحلفائها. من هنا، ما داعش إلا تعبيراً صارخاً عن الفشل الأمريكي في المنطقة، ودلالة قوية على العجز الأمريكي عن الفعل. * صورة بدلائل ومؤشرات خطيرة: الخميس 25/2/2010 يستقبل الرئيس بشار حافظ الاسد، الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الذي تواجه بلاده تهديدات بعقوبات "دولية" جديدة بسبب برنامجها النووي. في مؤتمرهما الصحفي المشترك ، ورداً –حينها- على دعوة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون لسورية، بان "تبدأ بالابتعاد في علاقتها عن ايران التي تتسبب في اضطرابات للمنطقة وللولايات المتحدة". قال الأسد: "التقينا اليوم لنوقع اتفاقية ابتعاد بين سورية وإيران... ولكن بصورة خاطئة، ربما بسبب الترجمة أو محدودية الفهم فوقعنا اتفاقية إلغاء التأشيرات. لا نعرف أكان هذا يتوافق مع ذاك...". في اليوم التالي، وبعد إجتماع ضمّ الرئيسين بشار حافظ الاسد والايراني احمدي نجاد والامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، طلب الرئيس الأسد من السيد نصر الله البقاء على العشاء التكريمي لنجاد، وعندما جلسوا إلى الطاولة، لاحظ السيد حسن ــوقد أقبَلَ المصوّرون ليلتقطوا الصورـ أنه إلى يسار الأسد ونجاد إلى يمينه. وأقتربت المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس الأسد الوزيرة بثينة شعبان منه، وقد وقفت بين الرئيس الأسد والسيد نصر الله، وسألته هل توزّع الصورة على وسائل الإعلام، وكيف تفعل؟. ردّ بتأكيد توزيعها، وأضاف أن يلتقط المصوّرون صورة ثانية للزعماء الثلاثة وهم يغادرون العشاء، ويسيرون جنباً إلى جنب كي توزّع بدورها، وحضّها على تركيز انتباه الإعلام على هاتين الصورتين". بعد انصراف شعبان، همس السيد حسن في أذن الرئيس الأسد: هل يسعك تحمّل صورة كهذه؟ أجاب: حملت قبلاً أثقل منها. حِملُ هذه سهل". وتابع العالم بأسره هذه الصور بإهتمام بالغ، ودقق في التصريحات التي رافقت الحدث، وتدفقت التكهنات والتفسيرات بلا نهاية؛ دلالات المكان والتوقيت، علاقة الصورة بالحاضر والماضي، وعلاقتها المحتملة بالحاضر والمستقبل، الإيحاءات والرسائل... . ما أردت قوله، أن الصور في هذه المناسبات، وفي مثل هذه الظروف تتجاوز قيمتها التوثيق ومتطلبات البرتوكول، إلى توجيه الرسائل والإيحاءات التي قد تكون أفصح من الكلام المباشر. الأربعاء 26/11/2014 يستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزير الخارجية السوري وليد المعلم في المقر الرئاسي في سوتشي، وتوزع صورة وحيدة للّقاء تجمع بين الرئيس بوتين والوزير المعلم وقد ظُلّلت أطرافها بالأسود، ثم يَلحق بها ثلاثة صور كاملة بدون تضليل. كلنا يعرف الظروف الخاصة التي يمر بها كلّ من سورية وروسيا، وجوارهما الإقليمي، والعالم بأسره... فأي رسائل يمكن أن نقرأ في تلك الصورة؟ 1- ظهرت عدة صور لبوتين والمعلم بعد صورة مظللة الجانبين، لكن ما يميز هذه الصور أن لا أحد بجانبهما، بعكس الصورة المظللة الأطراف! السؤال، من كان يقف إلى جانبهما غير الوفدين الرسميين الذين ظهروا في قاعة الإجتماعات، ولا يريدون لأحد أن يعرفه، ولكن الطرفان مهتمان جداً، بأن يشغلا بال المراقبين بالتفكير بهما أو بهم!؟. 2- لو تقدمنا خطوة إلى الأمام، لوجدنا صورة أو أكثر لكلا الوفدين الذين سيناقشان جدول الأعمال الذي أعلنه "المعلم" في جريدة الأخبار قبل توجهه لموسكو، وتحدث عنه لاحقاً لافروف في موسكو، لكن بنداً أساسيّاً في جدول الأعمال لم يظهر المختصون بالحديث حوله في الصور، صواريخ s300 والأسلحة النوعية الأخرى، هل هما أو هم، من أخفتهم الظلال؟!. 3- حمل الرئيس الروسي في يده دُفيتر ملاحظات "كراسة" من النوع الذي يسمح بكتابة ملاحظات مكثفة وبنود محددة، وكأن الصورة تقول أن موسكو مهتمة بالإستماع إلى طلبات دمشق وتلبيتها، أكثر من التباحث والتفاوض معها. وهو ما أكدته صورة "المعلم" في قاعة الإجتماعات، حيث كان يحملاً ملفاً بعكس الجانب الروسي الذي وضعت أمامه أوراق بيضاء. 4- نقلت وكالة أنباء "تاس" الروسية الرسمية عن المتحدث باسم الرئيس الروسي دميتري بسكوف، قوله إن "بوتين والمعلم عقدا اجتماعًا مغلقًا لم يسمح لوسائل الإعلام الروسية أو الأجنبية بتصويره"، مضيفا أن المباحثات "تناولت العلاقات الروسية السورية"، دون مزيد من التفاصيل، ونقلت الوكالة عن المعلم قوله إن "اللقاء كان بناءً جدا". في مثل هذه اللقاءات لن يكون معاذ الخطيب أو ميشيل كيلو محور النقاش، في هذا الإجتماع سيكون الكلام من مستوى أسلحة وسياسات كاسرة للتوازن، وقادرة على تقديم إستجابات سياسية وميدانية محددة بدقة، تناسب المرحلة القادمة من الصراع في المنطقة. 5- تمّ تمديد زيارة الوفد السوري إلى روسيا لأربع وعشرين ساعة، وهذه المدة – 24 ساعة- كافية لوحدها لإتمام زيارة، فأي شيء طرأ على الزيارة ليتم تمديدها هذا الوقت؟ هذا المؤشر يؤكد بأن هناك مسائل "مستجدة" تم مناقشتها بأدق التفاصيل، وملفات تم الحوار حولها حتى الخواتيم، ولا شيء متروك للإعتقاد والتخمين والظن!. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، من هي الجهة في الوفد السوري التي إحتاجت لهذا الوقت؟ هل هو الفريق السياسي الذي رأيناه يجتمع مع بوتين ولافروف، أم رجال الظل؟ ألم يكن بوتين نفسه أحدهم؟ ألم يعلن بأنه يحن إلى تلك الأيام؟ ألم يكن الشهيد العميد محمد سلمان أحدهم؟. وهل يفسر تصريح وزير الخارجية الروسي أن "موسكو ستواصل العمل على تعزيز القدرات الدفاعية لسوريا" هذا التمديد، وهذه القراءة؟ من يعش طويلاً سيرى كثيراً.

الملفات