2026-09-13 11:42 م

غزة ...... وتبييض الأرصدة السياسية

2014-07-10
بقلم: الدكتور يحيى محمد ركاج*
يتكرر العدوان الصهيوني على قطاع غزة العزة مع كل تحول أو تبدل يصيب السيطرة الصهيوأمريكية على المنطقة، أو كل توجه جديد تسعى إليه القوى الصهيوأمريكية في سياسة الاحتواء التي تتبعها ضد أعدائها في المنطقة ومحيطها، أو لتمرير قرار أو تسوية أو تبييض مواقف سياسية لبعض الزعماء والدول المتحالفة معهم بالخفاء، لترسخ أيضاً يوماً تلو الأخر فكرة مفادها أن قوة الولايات المتحدة وحلفاؤها في التحكم والسيطرة على المنطقة مرهونة بأمن الكيان الصهيوني الذي زرعته ولا تزال تحاول ترسيخ بنيانه فيها. ولعل التاريخ العربي حافل بالمخازي العربية تجاه الدم العربي الفلسطيني الشريف الذي يقدمه أخوتنا في فلسطين المحتلة، وحافل أيضاً بتجاهل العرب للأحداث التي ترافق نزيف هذا الدم الطاهر، ويكفينا فقط الإشارة إلى ما تم في عام 1956 من مجازر خان يونس ومخيم جنين إبان فشل العدوان الثلاثي على العربية مصر، ومحاولة الكيان الصهيوني الالتفاف على هذا النصر العربي الذي تحقق من خلال إهانة الدول العربية المنتصرة مع مصر من جراء هذا العدوان، وإشعارها بالعجز أمام قدراتها وإمكانياتها المتواضعة في تلك الفترة، وزيادة سيطرته على مساحات جغرافية أكبر من فلسطين المحتلة نتيجة التهجير والقتل والتدمير. وفي حوادث قريبة وليست ببعيدة نجد عدوان الكيان على قطاع غزة في نهاية عام 2008 وبداية عام 2009، والذي يشير صراحة إلى محاولة الكيان الصهيوني الالتفاف على النصر الذي حققته المقاومة في تموز 2006، والذي أفقدها هيبتها خارجياً بين الدول والشعوب، وداخلياً على مستوى مهجريها ولقطائها المستوطنين، والذي هدفت من خلاله أيضاً إلى إحداث شرخ بالعلاقات العربية بين الشعب الفلسطيني وجمهورية مصر العربية التي حققت قيادتها للكيان الصهيوني –للأسف- جزءاً من مبتغاه بتضييق الخناق على الفلسطينيين وتشديد القيود على طرق تسليحهم. وتشير الأحداث التي تشهدها المنطقة في هذه الأيام صراحة إلى أسباب العدوان البربري الصهيوالأمريكي على قطاع غزة، انطلاقاً من الانتصارات المتلاحقة التي حققتها سورية في مراحل وجبهات المعارك التي شنتها القوى الصهيوأمريكية عليها، سواء أكانت انتصارات عسكرية حققها الجيش العربي السوري، أم سياسية حققتها القيادة السورية بصمود أبنائها ومشهدهم التاريخي الذين قدموه للعالم يوم الانتخابات الرئاسية في الثالث من حزيران لهذا العام، أم تفاوضية فيما يتعلق بملف الأسلحة الكيماوية وجنيف بترقيماته المزركشة، وانطلاقا أيضاً من حكمة القيادة السورية بالتعامل مع الشعب الفلسطيني بغض النظر عن خيانات بعض قادته الذين احتضنتهم الجمهورية العربية السورية في أوقات الأزمات والحصار، ومن فشل السياسات الصهيوأمريكية المعدة لتدمير أماكن إقامة الفلسطينيين في سورية في الإرهاب الذي يهاجمها ويهدف إلى القضاء كلياً على حق العودة، ويجبر ما تبقى من وطنيين فلسطينيين على القبول بوطن بديل، ومن عدم مقدرة الكيان الصهيوني على حرف بوصلة الشعب العربي السوري عن فلسطين والقدس العربية، ومن احتواء التغييرات التي حدثت في الدول المجاورة للكيان خاصة مع انتفاضة الشعور القومي مجدداً لدى الشعب العربي في كل من الأردن ومصر، والأهم من ذلك كله محاولة احتواء تبدلات الوضع الراهن بالمنطقة في حال فشل التنظيمات الإرهابية التي دعمها الكيان بغية تدمير سورية وإقامة دولة دينية أو دولة كردية تبرران يهودية الكيان الصهيوني أو تقبلان به كأمر واقع في المنطقة، ليكون البديل القادم هو تصفية بعض القادة الفلسطينيين حتى تخلو الساحة لقادة معينين تكون نظرتهم نحو مقاومة الكيان الصهيوني مختلفة، ومحاولة تبييض مواقف سياسية لبعض القادة في المنطقة من الفلسطينيين الذين أفلتت زمام قيادة الشارع العربي والفلسطيني من أيديهم، أو لبعض القادة الجدد الذين يحتاجون إلى مفتاح زعامة في المنطقة حتى يتمكنوا من ضبط الأمور بجوار الكيان كما حدث في اتفاقية الاستسلام المصرية بعد اعتبار السادات رجل معركة التحرير في تشرين (أكتوبر) 1973، أو كما حدث أيضاً قبل اتفاق أوسلو. إن الدماء العربية الزكية التي روت أرض فلسطين مذ تسلم مفاتيحها سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه إلى يومنا هذا، تأبى التسوية المبنية على الذل، وتأبى أن تركن إلى الخيانة التي يبررها لهم قادتهم بأنها مرجعيات دينية أو مواقف بطولية، فالقوة التي تكتسبها هذه الدماء نابعة من إرادة شعب صامد لا ينسى الإساءة والعدوان ولا يفرط بحقوقه مهما طال الزمن، ونابعة أيضاً من جوار الشعب السوري الصامد الذي يأبى أن تضل بوصلته عن فلسطين والقدس، والذي لا يزال شعباً وقيادة يدافع عن حق العودة للفلسطينيين بكل ما للقوة من معنى.
* باحث ومحلل في الاقتصاد والسياسة 

الملفات