2026-09-14 01:58 ص

عولمة الإرهاب الدولي المنظم

2014-06-19
بقلم: الدكتور عوني الحمصي
من يتابع ويراقب مجريات التطورات الاخيرة التي تعصف بالعالم مع بداية العقد االثاني من القرن الواحد والعشرين عصر العلم و التقدم التكنولوجي والمعرفي يدرك حقيقة وواقع جديد في جملة العلاقات الدولية التي تحكم المجتمع الدولي، وهنا لن ادخل في جدليات المفاهيم " العولمة" أو "الإرهاب" بقدر ما هو التركيز على الانحرافات وعمليات التحول السلوكي الكبير للسياسات الدولية عن المبادئ والقيمللشرعية الدولية والقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة خاصة فيما يتعلقحفظ السلم والامن الدوليينأو عدم التخل في الشؤون الداخلية للدول وحق تقرير المصير للشعوب وعدم التهديد أو استخدام القوة العسكرية والابتعاد عن الحلول السلمية في فض النزاعات الدولية، أوحتى الداخلية من خلال الدعم اللوجستي بالمال والسلاح طرف على حساب طرف. من غير الوارد هنا التنظير لجدلية العلاقة بين الإرهاب والعولمة لكننا نواجه جملة من الاشكاليات التي تطرح نفسها تستحق منا التوقف والتفكير فيها، ولعل من أهمهاما الذي يجمع الإرهاب بالعولمة وهل العالم الغربي الرأسمالي يتجه من عولمة الاقتصاد الى عولمة الارهاب بمعنى هل يسعى لشرعنة ظاهرة الارهاب أي اعطاءها الصفة الشرعية لتحقيق الاهداف الامبريالية الاستعمارية الجديدة بعد عجزت عنه العولمة الاقتصادية والثقافية والفكرية والاعلامية، وهذا ما عبر عنه كلاً من الفيلسوف الألمانى ريورجن هابرماس،والفيلسوفان الفرنسيان جاك دريدا،وجانبودريار، فإن " الإرهاب ظاهرة ارتبطت بالعولمة،واستئصال الاختلافات التى تميزالثقافات وتجعلها فريدة." الثابت تاريخياً أن العقدين الأخيرين من القرن العشرين تزامنت ظاهرة الارهاب الدولي المنظم وبشكل شديد مع انتشار ظاهرة العولمة الاقتصادية والثقافيةالمتطرفة بانتشار الفكر الليبيرالي والسياسات المتبنية له في الخطاب والممارسة. ومن الثابت أن تلك الفترة إياها إنما تؤرخ وبما لا يدع مجالاً للشك لبداية هيمنة قوة واحدة تجمعت بين يديها كل عناصر الأمبراطورية وتمركزت لديها كل أدوات التحكم في موارد العالم المادية منها واللامادية أيضا، القريب منها و البعيد عن حدودها سواء بسواء. وعلى هذا الأساس فلو أردنا فهم علاقة الإرهاب بالعولمة كظاهرتين "كونيتين" واللتان يشكلان مساران متوازيين لتحقيق أهداف الامبريالية الصهيونية المتوحشة سياسياً واقتصاديا واجتماعياً وثقافياً وايديولوجياً وعرقياً واثنياً، والقائمة فيما بينها على خارطة جديدة مرسومة بالدماء النازفة انطلاقاً من مبدأ غياب السلام ليحل محله الصراع الدائم والمستمر وبأدوات علم وفن صناعة الفوضى وافتعال الازمات المعقدة والمستحيلة الحل لتصبح حالةصيروريةللتنظيمات والوحدات الدولية كسلوك عام في بنية المجتمع الدولي ما بعد الجديد ، ولعل وعسى النواة الاولى لمثل هذه الحالة المحدثة "ارهاصات " لتلك الظاهرتين برزت في أقوى صورهما أي يوم تهاوت إحدى قلاع القوة العسكرية والمالية بالولايات المتحدة في عمليات ارهابية منظمةفي 11 أيلول/سبتمبر عام 2001. التي يسبق لوسائل الإعلام المختلفة أن صورت مثيلاً لها في التاريخ. وهنا اعتقد كانت نقطة التحول في السياسات الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية تجاه ظاهرة الارهاب الدولي المنظم، من خلال الدعوات على مكافحة الارهاب إينما وجدنا، للتحول اليوم الى حالة من نوع جديد في التوجه والسلوك الدولي لأن الحقيقة في هذه الدعوات والشعارات الكبيرةيثبت لنا الواقع الحالي وما يجري في المنطقة من ممارسات أرهابية ممنهجة ومنظمة من قبل دول وحكومات كانت تدعي نفسها ديمقراطية وتحافظ على حقوق الانسان والشرعية الدولية وميثاق الامم المتحدة مجرد وهم سياسي ،و لم يكن تلك الشعارات سوى مجرد فقاعات اعلامية وذرائع للتدخل في الشؤون الداخلية للدول من جهة ،ووسيلة شرعية لنهب خيرات وثروات الشعوب والسيطرة على مقدراتها الاقتصادية والتحكم بها كما حدث في افغانستان والعراق وغيرها، والدليل على ذلك أين هي القرارات الدولية التي تدعو لمكافحة الارهاب الصادرة عن مجلس الامن الدولي اين هي الشرعية الدولية...؟ والتي نذكر من على سبيل المثال لا الحصر القرار رقم 1267 لعام 1999، والقرار الدولي 1373لعام 2001، والقرار 1450 لعام 2004، والقرار1624 لعام2005، وغيرها. لكن الجديد في الامر ومع بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين بانت الصورة الحقيقية لتلك السياسات عندما انكشفت حقيقة الترابط العميق بين التكفيريين والارهاب وسياسات الولايات المتحدة الامريكية ومن لف لفيفها في المنطقة عبر الانتقال من مرحلة السرية التامة في التآمر عبر مراحل طويلة من الزمن من التخطيط والتنفيذ الى مرحلة العلنية في السلوك والممارسة وعلى مرآه العالم في الدعم السياسي والقانوني والتغطية الاعلاميةفي المحافل الدولية وفي مقدمتها مجلس الامن الدولي فتلك العلاقة الحميمة بينهما من خلال جملةالصيغ التحالفية مع هذة القوى التكفيرية الارهابية الظلامية في المنطقة العربية، والدليل على ذلك يكفينا طرح التساؤل المشروع ما هو سر الصمت الاعلامي العالمي فيما يجري من ممارسات ارهابية تخريبية وتدميرية للبنى التحتية والدينية والعلمية في دول ما يسمى بالربيع العربي دون وجدود أي ادانة واحدة صريحة وواضحة، ومن خلال تحليل جملة العلاقات الدولية ة البينية ومتابعة كيفية تطورها وتحولها وانحرافاتها عن طبيعة السياق العام للنسق الدولي الذي ساد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية الحرب الباردة فلم يعد العالم ينقسم كما عهدناه على مدى العقود الماضية وعلى سبيل المثال لا الحصر ما بين راسمالي /اشتراكي، شمال/جنوب ، متقدم/ متخلف، ليبرالي / شيوعي / المجتمع المغلق/ المجتمع المنفتح، عالم أول/عالم ثالث، إنما العالم يتجه الى نوع جديد من التقسيم ما بين دول داعمة وراعية وممولة للارهاب الدولي المنظم بل تعمل ليل نهار على تغيير المفاهيم وتغيير الحقائق باعطاء الصفة الشرعية للسلوك الارهابي بل تؤمن بمشروعية الممارسات الارهابية بما يخدم مصالحها الامبريالية في الزمان والمكان الذي تريده بمعنى تريد "شرعنته رسمياً" في كثير في المناطق في العالم ، وتعتبر من أهم هذه الدول التي تمارس هذه المنهجية الجديدة في المجتمع الدولي وعلى راسها الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية والكيان الصهيوني والسعودية وقطر وتركيا من خلال عملية النكاح بين البترو دولار وبين دول تريد الحفاظ على الشرعية الدولية ومبادئ ميثاق الامم المتحدة وحفظ السلم والامن الدوليين وتريد مكافحة الارهاب اينما وجد، وعلى رأسها روسيا الاتحادية ودول البريكس.كذلك تغير مفهوم الصراع الدولي الايديولوجي عبر الانتقال من الصراع الحريات الى الصراع الوصول الى الحوريات، وكذالك صراع ما بين التفكير والتكفير وكذلك ما بين "أنا أو لا أحد" وحرب الاقصاء ورفض الآخر، والانتقال من عالم ومفهوم الدولة والسيادة الوطنية للدول واركا الدولة في المجتمع الدولي الى عالم الفوضى الخلاقة وصراع القيم والاخلاق ما بين الخير والشر من خلال اعطاء المشروعية والشرعية الاممية للتنظيمات الارهابية القائمة على حدود الدم والسيف والقتل والتخريب والاقصاء حتى فيما بيينها، حتى غدا التعصف الشوفيني لتلك المجموعات هو النهج والسلوك العام وأكل الكبود وقطع الرؤوس وبقر البطون هي لغة الحوار هي السائدة في بدايات القرن الواحد والعشرين خلاصة القول: تعتبرالعولمة بكافة اشكالها شريكاً للإرهاب، تنمي عناصره وتقوي أدواته وتدفع به إلى أتون العنف لدرجة يمكننا المبالغة في القول بأن الإرهاب وليد العولمة أو ابنها الشرعي وهي اليوم تفتح له ابواب سبل الانتشار والتوسع في ظل الصمت الدولي وغياب الشرعية الدولية وجلس الأمن الدولي ليصبح السلم والامن الدوليين تحت خط التهديد الارهاب الدولي المنظم. الذي يعتبر بحد ذاته هو نفي مطلق لكل أشكال التطور والتفكير العلمي والبشري المستقل. ومنه نجد جملة من الحقائق لابد من ذكرهها: 1. ان العولمة والإرهاب الجارف، يشكلان معاً نتاج لسياسات واحدة، ولمرجعية واحدة في التفكير والسلوك الامبريالي الصهيوني. 2. العولمة والإرهاب وجهان لعملة في المخططات الصهيونية امريكية اللتان تشرعان له المرجعية ويوفران الغطاء السياسي والاعلامي ويضمنان له بقوة السلطة والجاه والمال مسلكية السريان والتموطن. 3. كلاهما مكملان لبعضهما في الصيغة والدور فالعولمة بسلوكياتها وممارساتها وبفلسفاتها هي تدويل للإرهاب وتعدد لجنسيته،ووصلت به إلى أمثل صوره العدوانية والدموية للممارسات الارهابية وتاركة العنان للجماعات التكفيرية تائهة في الدرك الأسود من الغباء والتأمرك والتصهين من أجل شيطنة العالم وتحقيق مبدأ صهينة الأنظمة وأمركة الثقافة وعولمة الإرهاب.