2026-09-14 01:57 ص

حكاية قائد

2014-06-02
بقلم: الدكتور يحيى محمد ركاج
في شوارع مدينة الياسمين وأزقتها، نشأ وترعرع، وفي مدارسها وجامعاتها نال تحصيله العلمي، وعندما توجه إلى أوروبا لينال درجة الاختصاص في طب العيون، أعاده القدر سريعاً إلى بلده ليتعطر بعبق ترابها الطاهر، ولينخرط مع أخوته ورفاقه في منظمات ومؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية، عبر إدخال المعلوماتية (تعميم علوم الحاسب على الفعاليات الشعبية في سورية) إلى حاضرة الأمويين العريقة، ليسوقه القدر مجدداً –نظراً لما يحمله من مبادرات نحو الانفتاح ضمن الفكر القومي الذي نشأ عليه في زمن كان فيه الشباب العربي يبحث عن هويته المستقبلية في دهاليز النفايات الأوروبية- في الشهر السابع من عام 2000 إلى قيادة الدولة وكرسي الرئاسة في سورية، فافتتح عهده بتحديث البنية التشريعية والتنظيمية، وتشجيع المبادرات الوطنية وتحديث أسلوب العمل الذي تقوم عليه الدولة، وأعلن في الوقت نفسه انفتاح سورية نحو العالم الخارجي مع تمسكها الراسخ بالمبادئ القومية والقضايا المصيرية للأمة العربية والإسلامية، فاستمرت سورية بقيادته بتأييد ومساندة قضايا العرب في كل مكان من هذا العالم، فعارضت شامخة ومنفردة بين العرب الغزو الأنجلوسكسوني للعراق الشقيق، وقدمت الدعم لأهله قبل الاحتلال، وساندت مقاومتهم بعد الاحتلال، واحتضنت حركات المقاومة العربية والإسلامية اللبنانية والفلسطينية، وقدمت لها الدعم المطلوب مادياً ومعنوياً، واحتضنت اللاجئين العرب إليها دون أن تتسول على شرفهم وأعراضهم، وعارضت تقسيم السودان، وساندت شعب الصومال، وقدمت الكثير في مواجهة العدوان الصهيوني على الأراضي العربية. كما شهدت لقيادته المحافل الدولية والعربية مواقف رجولية، وأجمعت شعوب الأرض الشريفة على نزاهتها وقوتها، حتى غدا مضرباً للمثل بين شعوب العرب، خاصة فيما يتعلق بقيادة الشباب وانخراطهم في العمل التنموي للدولة، وأصبحت كلمات خطبه على لسان الصغير والكبير في الشارع العربي، حتى قيل: "أن تقاوم وأنت على حدود سورية غير أن تقاوم وأنت على حدود دولة أخرى تحاصرك، لأن الأولى تعني النصر والثانية تعني الوباء" والذل. الأمر الذي لم يرق لحكام الرجعية العربية الحديثة، من المشرق إلى المغرب، ومن ورائهم من يوظفهم من دول الاستعمار الحديث، فبدأت المكائد والمصائد تحاك لسورية ولقيادتها الشابة حتى لا تصبح هذه القيادة رمزاً قومياً للشباب العربي، وحتى لا يصبح رئيسها زعيماً للعرب، وحتى يتم ثني سورية عن مواقفها القومية، ومن ثمَّ إركاعها أمام سيدهم الصهيوأمريكي، لكن الأسد أبى إلا أن يكون أسداً في مسؤولياته، وفي مواجهة التحديات، مدعوماً من أسود في الصبر والحنكة في التعامل مع الشدائد والحصار، عبر إعلان الدعم المطلق للمقاومة والانخراط فيها حتى وريد الدم العربي الذي فضح أمر الحكام المستعربين. لينتقل القائد الشاب في الوقت نفسه من ترميم البيت الداخلي السوري وتحديثه، إلى التمتين والتشبيك الخارجي، مدعماً التطور الاقتصادي والنجاحات السياسية لسورية عبر تغيير قواعد اللعبة السياسية السائدة، فلم يعد عدو صديقي عدوي بالضرورة، كما لم يعد صديق عدوي بالضرورة عدوي، فإستراتيجية الشباب القومي المعاصر تقتضي أن ننطلق بفكرنا المقاوم، وديننا السمح إلى أقصى بقاع الأرض، انطلاقا من أرض راسخة، وشعب واثق، وإرادة لا تهاب الموت، فكانت حصيلة هذه الإستراتيجية مجموعة من الاتفاقيات الإقليمية التي تشير إلى إنشاء أمة افتراضية تقوم على محددات المصالح المشتركة، والأرض المتكاملة، مركزها الجيواستراتيجي سورية، تقوم على اتفاقيات متعددة تم بموجبها الربط اللوجستي بين البحار الخمسة، لتعلن فيما بعد تشكيل عالمي يحقق التشارك في قيادة العالم وتحقيق العدالة الإنسانية لشعوب المنطقة، من خلال إدراكه الدقيق لأهمية سورية وموقعها المستقبلي في الصراع العالمي على الطاقة والغاز في العالم، فاختار سياسة التحالفات السيادية بما يناقض المشروع الصهيوني في الخارطة المسماة الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع بالغرب المستعمر وذيوله من المستعربين إلى رسم سيناريوهات أخرى لمنطقة شرق المتوسط، نشهد أحداثها الدامية في هذه الأيام تحت تراجيديا الدماء والحرية والدين والجهاد، رافقها الاختراق المجتمعي للشعب السوري، والعمل على التشويه الاجتماعي لشخصية الرئيس الأسد المقاومة، عبر محاولة إقحامه بشخصه الطبيعي والسيادي والاعتباري في جزئيات الاختراق الممنهج، من أجل التشويش على أسس الفكر المقاوم لدى الشباب العربي. لقد أدرك القائد المقاوم منذ توليه الحكم في سورية هذه اللحظات الحرجة من العدوان المبيت لوطننا العربي، وأفصح عنه في مناسبات عدة كان أبرزها ما قاله في افتتاح القمة العربية العشرين في دمشق بقوله" إننا لم نعد على حافة الخطر بل في قلبه، ونلمس أخطاره المباشرة على أقطارنا وشعوبنا"، فاستطاع في العدوان العالمي الأخير الذي تتعرض له بلده والذي استهدف رمزه المقاوم أن يحافظ على سيادة بلده وتماسك جيشها، واستطاع أن يعزز ثقافة المواطنة والسيادة الشعبية والمقاومة في الشارع السوري، فكان مثالاً يحتذى في الثقافة والصبر والصمود والحلم والقوة ونفاذ البصيرة معاً، فتبنى سياسة الإصلاح الشعبي، وألغى العمل بمجموعة من القوانين والمراسيم التي كان يُعمل بها في سورية لفترة طويلة خلت، وأصدر عدة مراسيم جمهورية للعفو عن مرتكبي الشغب وحاضني الأعمال الإرهابية من السوريين، رافقها قيام مصالحات وطنية مبنية على حوار موسع مع كل أطياف الشعب السوري، في خطوة تعد الأكثر جرأة في تاريخ القادة الذين تواجه بلدهم الحروب مجسداً بذلك الرحمة فوق العدل، ومظهراً حنكة تاريخية فريدة في التواصل والتكامل بين القائد وشعبه. كما أظهر الأسد المقاوم شجاعة قلّ نظيرها بين القادة الذين سطر أخبارهم التاريخ الحديث، من خلال تواجده في أرض الميدان في حلب وريف دمشق مع الجيش العربي السوري من جهة، وتواجده مع أفراد أسرته في ساحة الأمويين، أو زيارته لبابا عمر أو معلولا أو مراكز احتضان اللاجئين في أماكن متفرقة من البلد من جهة أخرى. لقد استطاعت القيادة السورية بالاعتماد على وعي شعبها وحنكة ربانها وتحالفاتها الإستراتيجية أن ترسم توازنات جديدة للعالم، تنهي التفرد الأمريكي في المحافل الدولية، وتحول العالم من القطبية المتسلطة إلى التشارك المبني على المصالح السيادية رغم تعثر الخطا التي رسمتها من أجل تحقيق الوحدة العربية، قيل: أن الزعيم الذي حُورب لئلاً يكون زعيماً للعرب، أضحى سيد الدبلوماسية في العالم المتحضر. فإذا كانت الإطلالات المتنوعة لرئيس سورية في مناطق متعددة من سورية التي تشهد أقوى حرب تآمرية ضدها على مستوى العالم الاستعماري، قد أرسلت رسالة عالمية مفادها أن التاريخ لن يكتب أبداً أن الشعب السوري دمر وطنه بيده، وأن القائد السوري المقاوم لن يتخلى عن مسؤولياته نحو شعبه ويهرب كما فعل غيره من القادة، وأن الجمهورية العربية السورية لم تركع ولن تركع إلا لله سبحانه وتعالى، وأنها تدرك عمق الترابط بين العروبة والإسلام باعتبار العلاقة بينهما كالروح والجسد، وأنها ترى فلسطين وبيت المقدس البوصلة الرئيسة للنضال، فإن رسالة أخرى أكثر عمقاً كانت في تعاطي الإعلام المعادي مع أحداث سورية مفادها أن الإمبريالية العربية أفلست في صراع الفكر، وفي صناعة الدم وتصديره إلى سورية، ولم يبق أمامها إلا مجازر الوحوش الآدمية، وشعوذات بعض الضلاليين، في سبيل سلب عقول البشر وألبابهم، لأن من يخرج عن فكرهم، أو يحاول التأمل في خلق الكون وفي ملكوت رب العالمين، وبعيداً عن هرطقاتهم، يكفّر ويفتى بقتله. وإذا كان الدرس المعياري الذي قدمه الجيش العربي السوري لشعوب العالم أجمع في العقيدة والالتزام بالدفاع عن سورية والشعب السوري وبوصلته فلسطين غير كافٍ لأمة المستعربين والمستعمرين ليروا هزيمتهم في سورية، وإذا كان زحف جموع السوريين المغتربين والمهجرين عن وطنهم سورية نتيجة الأحداث من أجل المشاركة في الاستحقاق الرئاسي التعددي الذي تشهده سورية في الثالث من حزيران لعام 2014 لا يمثل النصر الساحق لسورية في مواجهة العدوان البربري عليها. وإذا كانت الإجراءات المهووسة التي تقوم بها بعض الدول المشاركة بالعدوان على سورية من قطع مياه واستبعاد سفراء ومنع الانتخابات في السفارات السورية المتواجدة على أراضيها لا تشير إلى النصر الذي حققته سورية في مواجهة العدوان عليها، فإن أسطورة قائدٍ مُؤَيَّدٍ بأكثر من نصف سكان العالم في مواجهة النصف الطاغي من دول العالم، قد غيرت توازنات العالم وأنهت التفرد الظالم للقطب المستبد بمصير الشعوب، وحققت نصراً عالمياً كونياً في الحرب ضد الإرهاب العالمي الموجه إلى شعوب الإنسانية جمعاء. إنه ... القائد ... العربي السوري ... المقاوم ... الدكتور بشار الأسد.