2026-09-13 11:40 م

الانتخابات المصرية التحديات والتساؤلات

2014-06-01
بقلم:  الدكتور بهيج سكاكيني
انتهت الانتخابات المصرية بفوز المشير عبد الفتاح السيسي بأغلبية ساحقة كما كان متوقعا على منافسه الوحيد السيد حمدين صباحي. ولا شك انه من المبكر التحدث عن قضية توزيع خارطة الأصوات من حيث المناطق والمحافظات وكذلك التوزيع الاجتماعي والسياسي لها. لكن اللافت للنظر أن السمة التي طبعت هذه الانتخابات هو الاقبال المتدني للمصريين على هذه الانتخابات على الرغم من أهميتها المعنوية والسياسية واعتبار أنها تشكل حدثا مفصليا بامتياز في الساحة المصرية التي من المفترض أن تحدد المسار المستقبلي لمصر. ولقد أدى هذا الاقبال المتدني على تمديد الانتخابات ليوم ثالث كامل من قبل اللجنة المشرفة عليها، على الرغم من اعطاء اليوم الثاني للانتخابات عطلة رسمية من قبل الحكومة بعد أن تبين الحجم المتدني للإقبال على مراكز الاقتراع في اليوم الاول. ولا يسع المرء الا ان يلاحظ ويقارن بين الاقبال المنقطع النظير للانتخابات الرئاسية السورية التي جرت في الخارج للان وبين ما تم في مصر. فالتمديد في الحالة السورية جاء بسبب الاقبال الشديد وعدم تمكن السوريين من الادلاء بأصواتهم في الأوقات التي خصصت لذلك. ولقد عمل الاعلام المصري الرسمي بكل طاقته على حث الناس على الذهاب الى صناديق الاقتراع بالإضافة الى دعوات المشير السيسي انه على المصريين الادلاء بأصواتهم حتى لا تأتي النتائج مخيبة للآمال وهو الذي كان أن وضع سقفا عاليا لمشاركة 40 مليون ناخب من أصل ما يقارب من 55 مليون ممن يحق لهم التصويت في الانتخابات. ومما لا شك فيه ان هنالك أطرافا داخلية وخارجية لم يكن من مصلحتها ان تنجح هذه الانتخابات وارادتها أن تكون متدنية من حيث الاقبال، وهنالك أطراف داخلية دعت الى مقاطعة الانتخابات مثل تنظيم الاخوان المسلمين وبعض الحركات الشبابية التي اعتقل العديد من أعضاءها. الاعداد الأولية اشارت الى أن عدد المقترعين قارب 25 مليونا وشكل هذا العدد نسبة 40% ممن يحق لهم التصويت. هنالك من يجادل بان هذه النسبة ان كانت صحيحة بأنها جيدة بالمقارنة مع الانتخابات الرئاسية السابقة التي تم بها فوز مرشح الاخوان المسلمين الدكتور محمد مرسي، ولكنها في تصور البعض انها متدنية حيث كان من المتوقع ان تكون أعلى من ذلك. وبغض النظر عن هذه التحليلات في المرحلة الحالية، فلقد اثبتت الانتخابات وجود شرخ عمودي وأفقي في المجتمع المصري، والذي قد يهدد الاستقرار والامن الاجتماعي للمجتمع المصري مما قد يصعب من عملية النهوض السياسي والاقتصادي لمصر في المرحلة المقبلة وأخذ دورها الإقليمي والدولي. ولا شك أن هذا سيشكل تحديا هاما ومفصليا في المرحلة المقبلة للرئاسة المصرية. ولعل هذا الادراك هو ما حدا بالرئيس السيسي للقول بانه لن يقصي أحدا وأن يده ستكون ممدودة للجميع لبناء مصر، ويبقى أن ننتظر ماذا يعني هذا الكلام على أرض الواقع العملي قريبا. والتحديات الأخرى الهامة على الساحة المصرية تتمثل في إعادة وضمان الامن والاستقرار، والنهوض بالاقتصاد المصري وتحقيق العدالة الاجتماعية وتلبية حاجات جماهير الفقراء والمحرومين من الشعب المصري والذين يشكلون غالبية الشعب المصري، والذين عانوا بشكل مريع أثناء حكم الطاغية مبارك على أيدي مصاصي الدماء من كبار رجال الاعمال وأصحاب رؤوس الأموال الذين استولوا على خيرات البلد بأكملها، في زمن فجور سياسي لم تشهده مصر في كل تأريخها المعاصر. ولا بد لنا أن نتساءل عن الدور المصري وخاصة الإقليمي منه في المرحلة القادمة، وخاصة مع وجود بعض التصريحات هنا وهناك التي لا تبعث كثيرا على الطمأنينة ونأمل ان نكون مخطئين في النظر اليها من هذا المنظور، لأننا نريد مصر دولة فاعلة قوية ووازنة في المنطقة، كما نريد لها ان تتبوأ دورها القومي العربي بكل أبعاده تلك التي كانت عليه زمن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لا بل نطمح بأن تكون أفضل من ذلك وخاصة في مرحلة التحديات والاخطار والتآمر على المنطقة وشعوبها ومقدراتها من قبل العديد من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بالإضافة الى الكيان الصهيوني الغاصب، والانخراط العملي والعلني الفاضح والمخزي والمدان لعدد من الدول العربية في هذا المخطط. عودة الأمن والاستقرار يشكل المفصل الأساسي للتحديات التي ستواجه الرئاسة الجديدة والدولة المصرية بكافة مؤسساتها وخاصة قوى الامن والجيش المصري الذي يتعرض الكثير من عناصره الى عمليات اغتيالات والهجوم على مراكزه، وصلت الى حد تفجير دوائر أمنية بسيارات مفخخة، كما يتعرض أمن الانسان المصري هنا وهناك بتفجيرات إرهابية منتشرة على مساحة واسعة من الجغرافية المصرية. ومن المرشح لهذه المجموعات الإرهابية ونشاطاتها وبغض النظر عن هويتها السياسية وايدولوجيتها التكفيرية أن تتنامى في الفترة القادمة وخاصة مع هجرة بعض العناصر الإرهابية العاملة على الأراضي السورية الى مناطق المغرب العربي، بالإضافة الى الأوضاع الأمنية المتردية على الساحة الليبية التي لعبت دورا محوريا في ارسال "المجاهدين" والمرتزقة للقتال في سوريا كما لعبت الساحة الليبية المخزن الذي أمد بالسلاح بكافة أنواعه ومنها الكيماوية للعناصر الإرهابية، التي وصلت حتى الى القارة الافريقية وبيع السلاح الى مثلا للمجموعة الإرهابية بوكو حرام التي قامت بارتكاب الكثير من المجازر على الأراضي النيجيرية والتي كان اخرها اختطاف 200 طالبة والتهديد ببيعهم بسوق نخاسة. ان هنالك العديد من الأطراف الداخلية والخارجية التي تتقاطع مصلحتها في زعزعة الاستقرار في مصر وإبقاء حالة الفوضى الأمنية واشغال الجيش المصري وإنهاك قواه وقدراته، كما هو الحال في العراق وسوريا حاليا والجزائر على ما يبدو في المستقبل القريب. الارهاب هو الارهاب لا دين له ولا يعترف بالحدود الجغرافية وبالتالي فهو عابر للبلاد والقارات كما أوضحت الحرب الكونية على سوريا، والتي جمع وسلح ودرب وأرسل اليها ارهابيون مما يقارب من 80 دولة بحسب تقديرات الاستخبارات الغربية ومراكز الأبحاث العالمية المختصة. ويحق لنا أن نتساءل عن ماهية الموقف المصري من الحرب الدائرة ضد الارهاب في سوريا فلا يجوز التفريق بين إرهاب وإرهاب، اللهم الا إذا ما ارادت الرئاسة المصرية الجديدة تبني الموقف السعودي والإماراتي والغربي في هذا الشأن، حيث تدعم هذه الدول مصر في محاربة الارهاب بينما تقوم بتقديم كل أنواع الدعم له في الساحة السورية المتضمن الغطاء السياسي والإعلامي والمادي. نحن لا نفرق بين الارهاب الذي يدور على الساحة المصرية وذلك الذي يدور على الساحة السورية أو غيرها. ومن هنا فان تحديد موقف واضح لا لبس فيه بهذا الشأن بات ملحا وضروريا حتى نعي التوجهات المصرية تحت الرئاسة الجديدة، فالاختباء وراء كلمات منمقة وملتبسة ومغلفة وضبابية لم تعد تجدي نفعا فلقد أكل الزمان وشرب على هكذا مواقف. لقد سبق وان صرح وزير الخارجية المصري، بالإضافة الى المشير السيسي سابقا أثناء الزيارة التي قام بها الى منطقة الخليج العربي فترة المناورات العسكرية المشتركة مع دولة الامارات العربية، بأن امن دول الخليج العربي هو جزء من الامن القومي المصري. نحن لا نختلف في هذا الامر لأننا نؤمن ان الامن القومي العربي لا يكمن تجزئته وأن الامن القومي لأية دولة عربية هو جزء من هذه المنظومة الأمنية المتكاملة. ولكن السؤال هنا يطرح أيضا ماذا عن أمن الدولة السورية، الا يدخل هذا ضمن منظومة الأمن القومي العربي، أم ان الامن القومي العربي يتأتى بدعم ودعوة المعارضة السورية الى القاهرة، والسماح للائتلاف بحضور اجتماعات الجامعة العربية والإبقاء على سيطرة اشباه الرجال على الجامعة "العربية" وتحويلها الى مطية للإرادة الامريكية وحلف الناتو لتدمير ما تبقى من المقدرات العربية. التصريحات التي أدلى بها المشير عبد الفتاح السيسي مؤخرا عن أن علاقات مصر بإيران تمر عبر الخليج، بحاجة الى التوقف عندها لمعرفة دلالتها. من المعروف أن علاقة المشير السيسي بالسعودية علاقة متينة، وهذا ما تؤكده التصريحات التي ادلى بها من ان أول زيارة خارجية له في حالة فوزه بالرئاسة ستكون للسعودية. الكل يعلم أن السعودية دفعت عشرات المليارات مع دولة الامارات والكويت بعد الإطاحة بحكم الاخوان المسلمين في مصر وذلك بعزل الرئيس السابق محمد مرسي وتقديمه بالإضافة الى بعض قيادات الاخوان المسلمين الى المحاكمة. وهنالك وعود بمزيد من الدعم القادم وذلك من خلال مشاريع اقتصادية في مصر. وما زالت السعودية تدفع للخزينة المصرية مئات الملايين شهريا لمنع انهيار الدولة المصرية اقتصاديا. وستقوم السعودية بتزويد مصر بالطاقة الكهربائية من خلال ربطها بشبكة الكهرباء السعودية وهو مشروع سيتكلف ما يقرب من 1.6 مليار دولار ستقوم السعودية بدفع نفقاته. ولا يقتصر الدعم السعودي على الدعم الاقتصادي لمصر وكذلك دعم تسليح الجيش المصري، بل يتعداه الى الدعم السياسي والإعلامي الواضح بعد الإطاحة بحكم الاخوان المسلمين وملاحقة قياداتهم واعتبار التنظيم تنظيما إرهابيا. ولقد بذلت الخارجية السعودية جهودا جبارة لدى العواصم الغربية لحثها على عدم اعتبار عزل الرئيس مرسي بانقلاب على السلطة، وضرورة التعامل مع الحكومة المصرية الجديدة التي تكونت بعد عزل الرئيس مرسي. ومؤخرا قام وزير الخارجية سعود الفيصل بزيارة الى فرنسا الذي أصبحت على ما يبدو البيت الابيض الجديد للسعودية، وصرح بأن الدول الغربية ستتعامل مع الرئاسة والحكومة الجديدة في مصر. والسؤال هنا هل أصبحت السعودية هي الاب الروحي لمصر أم الحضارات والعراقة والتاريخ والمكانة؟ نتساءل ربما كغيرنا ماذا ستكون الماهية السياسية المصرية المستقبلية والى أي مدى سيكون دورها مرتهنا ومكبلا بالمعونات الغير مسبوقة التي تغدقها السعودية على مصر، وهي أي السعودية التي بنت احدى ركائز سياستها الخارجية على شراء المواقف واستغلال الحاجة لدى الطرف الاخر. وها هو الكاتب السعودي جمال خاشقجي القريب من القصر الملكي ومركز القرار السعودي يذكر في مقال له في جريدة الحياة اللندنية السعودية ( 31 مايو 2014) حول الدور المناط بالسعودية في المنطقة العربية وخاصة بعد التراجع الأمريكي، ان السعودية هي المؤهلة أكثر من غيرها أن تكون "الأخ الأكبر" " بحكم أنها تتمتع باحترام واسع والأفضل تأهيلا عسكريا والأكثر استقرارا، ولديها رؤية استراتيجية لا تخصها فقط وانما تشمل كل المنطقة" . لسنا بصدد التعليق هنا على ما ورد في المقال ولكننا نقطف ما ذكر عن مصر حيث جاء ان السعودية " الوحيدة التي سيسمع منها لو دعت الفرقاء في مصر الى مصالحة وطنية بات من الواضح أن مصر بحاجة اليها، خصوصا بعد الداء الهش للدولة هناك خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة وضعف المشاركة الشعبية بشكل أثار الهلع". ولا يحتاج المرء المتابع الى البحث والتمحيص ليدرك أن المقصود هنا هو المصالحة مع نظام مبارك وهو النظام الذي دافعت عنه السعودية بكل ما أوتيت من قوة لمنع سقوطه بعد الاحتجاجات الشعبية العارمة، واتهمت الإدارة الامريكية بأنها تخلت عن حليف وصديق لها في المنطقة. ولا شك أن مصر بحاجة ماسة الى الدعم المالي والاستثمارات للوقوف والعودة الى دورها الفاعل والوازن وحل المشكلات الاقتصادية ونسبة البطالة المرتفعة في أوساط الشباب خاصة وحل مشكلة الفقر وخاصة وأن ما يقارب من 27% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر. ان الاعتماد على المعونات المادية والاستثمارات الخارجية الخليجية منها او غيرها ستجعل مصر عرضة للضغوطات والتنازلات السياسية ووضع العراقيل أمام بناء قاعدة اقتصادية إنتاجية وصناعات تحويلية داخلية مستقلة، التي قد تفتح الباب على مصراعيه لعودة فلول مبارك وإعادة توليد وصياغة نظام مبارك البائد. وهذا ما تسعى له السعودية. السعودية تريد من مصر الجديدة أن تتصالح مع نظام مبارك، وان تأخذ جانبها في صراعها مع إيران وتبني الصبغة المذهبية والطائفية للصراع في المنطقة، والاخذ بموقفها من الدولة السورية والبعد عن روسيا لما قد ينعكس سلبا على الدور السعودي في المنطقة والإبقاء على سياسة العداء لحركة الاخوان المسلمين في مصر. السعودية صرحت مؤخرا أنها ستقف الى جانب مصر الى النهاية والسؤال هنا ما الذي تريده في المقابل فالسعودية عودتنا انها ليست جمعية خيرية. في النهاية نقول أن الرئاسة والحكومة المصرية الجديدة تقف على مفترق طرق وتقابلها تحديات جمة على المستوى الداخلي، وفي نفس الوقت هنالك العديد من التساؤلات المطروحة على الساحة بما يختص بالدور والموقف المصري بما يدور على الساحة العربية من تآمر وهجمة كونية مترابطة مع حركات إرهابية تكفيرية كما هو واضح على الساحة السورية. الا ان الهجمة لا تستهدف سوريا فقط وانما تستهدف المنطقة برمتها دون تمييز تسعى الى تمزيق الجسد العربي ونسيجه الاجتماعي وتحويل المنطقة الى كانتونات طائفية ومذهبية متصارعة فيما بينها وتمكين الكيان الصهيوني الغاصب للسيطرة عليه وابتلاع كل فلسطين التاريخية، وان على مصر رئاسة وحكومة أن تحدد موقعها بوضوح لا لبس فيه من هذا الصراع. ولا شك أن الزمن القريب سيجيب على العديد من الأسئلة في هذا الصدد.