بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
باتت زيارات السيد جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي للقارة الأوروبية شهرية في الآونة الأخيرة، وتأتي كل هذه الزيارات المحمومة والغير مسبوقة في عددها على أعقاب الاحداث الأوكرانية. والاهداف المعلنة والتي تتناولها الصحافة الامريكية على الأخص تتمحور أولا في مناقشة وتنسيق رد فعل "المجتمع الدولي" على ما يعتبره البيت الأبيض " بالتدخل العسكري لروسيا والاعمال التي تقوم بها لزعزعة الاستقرار في أوكرانيا" كما ورد في الموقع الاليكتروني لمجلة مكلاتش الامريكية ( 19 مايو 2014). والمقصود بالمجتمع الدولي هنا طبعا هي أمريكا وزبانيتها من الدول الغربية بمن فيهم الدول الأوروبية التي ما زالت تساق سوق الأغنام الى المواقف والمظلة الامريكية، ويتم توبيخها من قبل الإدارة الامريكية كما حصل في الزيارة الأخيرة للرئيس أوباما الى أوروبا إذا ما تململت أو أبدت نوع من التردد في الانصياع بالكامل للموقف الأمريكي. ليس هذا فحسب بل يذهب بعض أعضاء الإدارة باستخدام الالفاظ البذيئة لوصف المواقف الأوروبية كتلك التي تلفظت بها نائبة وزير الخارجية الأمريكي السيدة فكتوريا نولاند حيال محاولات دول الاتحاد الأوروبي لحل الازمة الأوكرانية سياسيا في بداية الاحداث. أما ما يعتبره البيت الأبيض تدخلا عسكريا في أوكرانيا حاليا هي المناورات التي أجرتها بعض القطع العسكرية الروسية على حدودها مع أوكرانيا كرد فعل على الاستفزازات الامريكية والناتو التي تمثلت بارسال طائرات استطلاع أمريكية الى بولندا بالإضافة الى ارسال ستة طائرات F-16 حربية اليها. زد على ذلك تزويد القطاع الأيمن ( Right Sector) النازيون الجدد، وتدريب عناصره وضمه الى وحدات الجيش الاوكراني لقمع المحافظات والمناطق الشرقية من أوكرانيا ذات الغالبية الروسية. وما تسميه الصحافة الغربية زعزعة الاستقرار هو تحرك المناطق الشرقية الجنوبية من أوكرانيا للدفاع عن أنفسها ضد العناصر الفاشية والنازية المسلحة الى جانب قطاعات من الجيش الاوكراني التي توجهت اليها لقمع الحركات الاحتجاجية هنالك، تلك الحركات التي تصاعدت في حدتها وتصميمها على نيل حقوقها المشروعة في تقرير مصيرها خاصة بعد محرقة أوديسا التي ذهب ضحيتها ما يقرب من 50 انسان قضوا حتفهم حرقا في مبنى النقابات العمالية بعد اضرام النيران فيه من قبل عناصر القطاع الأيمن النازيون الجدد على مسمع ومرأى قوات الامن والجيش الاوكراني الذي آثر عدم التدخل، وتحت شعارات "احرقوا الخونة" و "الصراصير تحترق" وصيحات الفرحة والرقص في الساحة احتفالا بالقتل والحرق، وكأننا أمام مشهد من مشاهد الطقوس الدينية لوثنيين يقدمون القرابين للآلهة، التي شهدنا بعض منها في أفلام هوليود. هذا ما تسميه الإدارة الامريكية تدخل روسي لزعزعة الاستقرار، حيث باتت هذه الادارة حليفة الأحزاب النازية والفاشية لان هذه الأحزاب وعناصرها تخدم المخطط الأمريكي في أوكرانيا، فالإدارة الامريكية لا تريد الاستقرار في أوكرانيا ولا تريد حلا سياسيا يضمن حقوق جميع مكونات النسيج الاجتماعي لهذه الدولة، التي انحدرت تحت التوجيهات، والرعاية الامريكية، ومخابراتها المركزية المتواجدة على الأرض الأوكرانية، بالإضافة الى مرتزقة بلاك ووتر سيئة الصيت التي عملت على الأراضي العراقية، نقول ان أوكرانيا انحدرت الى مرحلة الحرب الاهلية.
المواكب للأحداث الأوكرانية يعي جيدا ان الولايات المتحدة لا تسعى لاستقرار أوكرانيا وللدلالة على ذلك نود الإشارة هنا الى ان الولايات المتحدة هي التي اسقطت الاتفاق الذي ابرم في بداية الازمة تحت رعاية أوروبية بين حكومة يانكوفيتش والمحتجين من المعارضة في الميدان وذلك بعد ساعات معدودة من توقيع الاتفاقية التي تم التوصل اليها والتي نصت على تغيير الدستور وطرحه على الشعب الاوكراني واجراء انتخابات مبكرة بالإضافة الى مشاركة المعارضة في الحكومة لحين اجراء الانتخابات. كما وقامت الولايات المتحدة ومن خلال سفارتها في كييف ونائبة وزير الخارجية الأمريكي السيدة فكتوريا نولاند بالتحريض على حكومة يانكوفيتش واستمرار حركة الاحتجاج ودعمها على جميع الأصعدة سياسيا واعلاميا وماديا الى ان أسقطت حكومة يانكوفيتش التي جاءت بانتخابات عامة شملت جميع مناطق اوكرانيا، واستولت على السلطة وشكلت حكومة ضمت ولأول مرة عناصر فاشية ونازية متنفذة في التركيبة الحكومية. والولايات المتحدة هي التي اسقطت أيضا ما اتفق عليه في جنيف في الاجتماع الذي ضم الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة وحكومة كييف الانقلابية، والذي تم فيه الاتفاق على توقف الجيش الاوكراني من مهاجمة المناطق الشرقية، ونزع السلاح من كل المليشيات، واجراء انتخابات حرة تشمل جميع المناطق والمحافظات، ووقف حملات التحريض والتمييز ضد المناطق ذات الغالبية الروسية. الولايات المتحدة هي التي نقضت ما وقعت عليه، واوعزت للجيش الاوكراني بقصف المناطق الشرقية وقمع الحركات الاحتجاجية فيها. ليس هذا فقط بل أرسلت سرا رئيس المخابرات المركزية الامريكية للتنسيق مع الحكومة الانقلابية فيما يجب عمله في المناطق الشرقية الجنوبية لقمع الحركات الاحتجاجية ومنع سكانها من اجراء أي عملية استفتاء على غرار ما كان قد حصل في شبه جزيرة القرم.
من المؤكد أن الولايات المتحدة لا تقيم أي أهمية للديمقراطية ولا للاستقرار في أوكرانيا وهي تستخدم أوكرانيا والاحداث الجارية بها كحصان طروادة لأحياء الناتو، الحلف الذي بدأ بالترهل في السنوات الأخيرة الماضية وخاصة مع الهزيمة التي منيت بها قواته في أفغانستان، بالإضافة الى الجدل القائم في أوروبا حول ضرورة وجوده وهو الحلف الذي بني بالأساس لمجابهة ما سمي بالخطر الشيوعي أيام الحرب الباردة، وتردد العديد من الدول الأوروبية في دفع الاموال لإعادة هيكلته وتطوير قدرات قواته الهجومية وتحديث تسليحها في ظل أزمة مالية خانقة، وركود اقتصادي يعصف بالعديد من دولها.
الولايات المتحدة تستغل الاحداث في أوكرانيا لتبعث الحياة في الحلف لتأمين التبعية الأوروبية اليها، وإبقاء تأثيرها المباشر في أوروبا، والعمل بشكل مستمر على منع التقارب الكبير بين أوروبا وروسيا الذي من شأنه ان يقلل من تأثيرها على الساحة الأوروبية، والتي يمكن ان ينعكس على وزنها وثقلها على الساحة الدولية، وخاصة مع تنامي العلاقات الاستراتيجية بين روسيا والصين وتنامي دورهما الفاعل والوازن على الساحة الدولية وخاصة في مجلس الامن في الأمم المتحدة كما اتضح باستخدام حق النقض الفيتو المزدوج فيما يتعلق بالأزمة السورية التي كان اخرها المشروع التي تقدمت به فرنسا لتحويل سوريا الى محكمة الجنايات الدولية.
أمريكا تدرك حجم اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي، مصدر الطاقة الرئيسي لدوران عجلة الاقتصاد الأوروبي، بالإضافة الى حجم التبادل التجاري بينهما الذي يتخطى 200 مليار دولار سنويا، الى جانب الاستثمارات الأوروبية الضخمة في الداخل الروسي في العديد من القطاعات الإنتاجية. كل ذلك يجعل الدول الأوروبية تنحى منحى الحذر في التعامل مع روسيا واتخاذ مواقف متشددة منها، كما أثبتت الوقائع على الأرض فيما يخص إنزال العقوبات على روسيا بعد قبولها بطلب انضمام شبه جزيرة القرم اليها. ولذلك تعمد الولايات المتحدة جاهدة لإبعاد أوروبا وخاصة المانيا عن روسيا، والعمل على فك الارتباط بينهما وخاصة في مجال التبعية فيما يختص بصادرات الغاز الروسي اليها. ولكن المحاولات الامريكية باءت بالفشل لغاية الان، على الرغم من التعهدات الشفهية الامريكية بإمكانية تأمين كميات كبيرة من الغاز الصخري الأمريكي. ولعل توقيع الاتفاقية بين روسيا والصين مؤخرا التي تتضمن إمداد الصين بكمية من الغاز الروسي تبلغ 38 مليار متر مكعب سنويا على مدى 30 عاما وبقيمة 400 مليار دولار، سيعزز الموقف الروسي ويقلل من اعتماد روسيا على أوروبا لتصدير غازها، ويخرجها من دائرة إبتزاز أمريكية او أوروبية مستقبلية وخاصة ان تصدير الغاز يشكل حجما كبيرا من الإيرادات الروسية. ولا شك أن هذه الاتفاقية ستعزز الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا، والذي لن يكون في الصالح الأمريكي، ويشكل ورقة ضاغطة على الدول الاوربية وبالتحديد المانيا لمراجعة حساباتها. ومما يدلل على الفزع الأوروبي من توقيع الاتفاقية، هو التصريحات التي أدلى بها مسؤول بالاتحاد الأوروبي التي طالب فيها روسيا بالوفاء بالتزاماتها فيما يخص بإمدادات الغاز الروسي الى أوروبا. والضربة التي قد تكون أكثر ايلاما لأمريكا هي، من أن الدفع قد يتم باستخدام العملات المحلية للدولتين أي اعتماد الروبل والين الصيني، وبالتالي توجيه ضربة للدولار الأمريكي في التعاملات التجارية الدولية، وهذه سابقة قد يترتب عليها اخطار مستقبلية جدية وخاصة في حالة تبني بعض الدول هذا المنحى.
الصحف الامريكية وخاصة صحف المحافظون الجدد الذين ينتعشون مع كل أزمة، وحرب، أو إمكانية نشوء واحدة أو الدفع في هذا المجال، على أية بقعة في العالم التي من شأنها أن تحقق أرباحا الى المجمع الصناعي العسكري الأمريكي والشركات الكبرى، واستعراض القوة والهيمنة العسكرية الامريكية، تنبح ليلا نهارا بان على الإدارة الامريكية طمأنة الحلفاء من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة التي انضمت الى حلف الناتو أو المرشحة للانضمام اليه. وهذا جزء من اهداف الزيارات المكوكية لنائب الرئيس بايدن الى هذه الجمهوريات التي زارها الواحدة تلو الأخرى. , طمأنة الحلفاء تتضمن إرسال مزيد من الأسلحة والمعدات الحربية وطائرات F-16 والمناورات العسكرية المشتركة وارسال قوات من حلف الناتو للتواجد على الأراضي المتاخمة لروسيا. كل هذا لإقحامها في المخطط الأمريكي واستفزاز روسيا للتدخل العسكري في المناطق الحدودية المتاخمة لأوكرانيا، للحصول على المبررات لإيجاد مزيد من القواعد العسكرية للناتو في تلك المنطقة، وبالتالي مزيد من الوجود الأمريكي في المنطقة، فحلف الناتو قد أصبح مطية أمريكية بامتياز منذ التدخل في أفغانستان.
في النهاية نود ان نؤكد من ان أمريكا أرادت استخدام أوكرانيا كحصان طروادة لجلب الدول الأوروبية الى بيت الطاعة الأمريكي وإعادة بناء حلف الناتو وذلك لتحقيق مآرب واهداف جيوسياسية منها محاصرة روسيا والتمدد في أوراسيا حيث مصادر الطاقة وخطوط امدادها، وإخضاع أوكرانيا بالكامل للثالوث الغير مقدس المتمثل بالولايات المتحدة والبنك الدولي والناتو. هذه الأماني على ما يبدو لن تتحقق، وكما خسرت الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان ستخسر هنا فالشعب الأوكراني في غالبيته لن يقبل بحكم النازيون الجدد ولا بشروط صندوق النقد الدولي القاسية التي ستزيد من الأعباء الاقتصادية من بطالة وانخفاض في المعاشات وتردي في المستوى المعيشي للأغلبية الساحقة منه، بالإضافة الى انه لن يقبل بأن تتناوب فئات الطبقة الغنية وكبار رجال الاعمال ( الأوليغاركية) الحكم وهم الذين نهبوا أوكرانيا والتي كانت لغاية 1991 أي قبل تفكك الاتحاد السوفياتي أغنى من روسيا، والتي تحولت الان الى دولة قاربت على الإفلاس نتيجة السرقات وعمليات النهب والفساد المالي وسوء الإدارة.قراءة في زيارات بايدن المكوكية الى أوروبا
2014-05-23

