2026-09-13 11:39 م

من قتل عذراء العراق ..مريم ؟!

2014-04-28
بقلم:  احمد الحاج
رقيقة كالهمس .. وضاءة كالشمس .. خصلات من شعرها الأسود الفاحم كانت تتدلى كعنقود عنب على عينيها الناعستين .. تلك هي مريم ابنة الثلاثة عشر ربيعا .. التي تسكن محلة الفضل من بغداد.. ما أعذبها .. ما أجملها لولا ان شحوبا مقيتا تسلل خلسة الى بشرتها البيضاء البضة فأفقدها نضارتها .. ولولا ان سكونا رهيبا زحف الى أطرافها من دون إرادتها فأحالها الى مومياء فرعونية لاتقوى على شيء .. لسانها كان لا يفتأ يتمتم بكلمات غير مفهومة .. وعيناها كانت ترقب شيئاً ما قادم من بعيد لا ادري ما هو .. لوهلة خلتها تتصنع حياء العذارى بتكلف واضح لا يخفى على متمرس مثلي خبرته الحياة، فعلمت ممن حولها ان وحشا لا يعرف الرحمة هو الذي فعل بها كل هذا .. وحش جعلها حبيسة البيت، بل وقعيدة الفراش ايضا فلم يعد من حقها ان تحلم كما تحلم زميلاتها في المدرسة، ولا ان تلعب كما تلعب شقيقاتها، ولا أن تجلس خلف قضبان الشناشيل البغدادية التي تزين شرفة دارها كما تفعل بنات محلتها لترقب بائع (الشعر بنات) وتناديه على استحياء بصوت متهدج -عمو بيش الشعر بنات، أريد اثنين-. ويحكم ما اسم هذا الوحش .. ما عنوانه .. دعوني اثأر لحسناء محلتنا .. إفسحوا لي المجال لأنتقم من هذا الشيطان المريد .. أجيبوني ماذا دهاكم ،أليس فيكم رجل رشيد ؟! ربت احدهم كتفي وقال لا تتعب نفسك فما وحش محلتنا بإنسان .. وليس لشبح عراقنا عنوان .. انه مرض بات يفتك بالآلاف من أطفالنا وسيظل يفعل ذلك حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .. وحش يسميه الأطباء ضمور العضلات التشنجي الحاد .. ليس له في عراق الحضارات علاج !! جل الذي نتمناه عليك كونك تعمل في العيادة الشعبية القريبة أن تأتي لنا بكرسي متحرك لمرضى الشلل الرباعي تقضي مريم ما تبقى من حياتها عليه .. هرولت مسرعا الى أصحابي، الى جيراني، الى أحبابي، استنجد بهم، بل قل استجديت منهم، فلم نكن نملك ثمن الكرسي (500) دولار وغبار غزو العراق (2003) لم ينجلِ بعد، وكلنا عاطلون عن العمل، فأطلقنا حملة لجمع التبرعات استمرت شهرا كاملا تحت شعار أنقذوا عذراء العراق مريم، وبعد جمع المبلغ المطلوب يممت وجهي شطر شارع (المشجر) واشتريت واحدا حملته على ظهري من شدة الزحام، وانطلقت به اشق محلات بغداد القديمة واحدة تلو أخرى، فمن باب الشيخ الى قهوة شكر، وحمام المالح، وفضوة عرب، وقنبر علي، وصولا الى الفضل، دخلت محلتها وانا في غاية السعادة والسرور، وكان الزقاق مكتظا بالناس، وقفت أمام خيمة منصوبة وصحت بأعلى صوتي يا أم مريم زغردي عرش ابنتك قد وصل، فقالت والحزن يعلو محياها ارجع به من حيث أتيت فلا حاجة لنا به، فعقدت الدهشة لساني، وتسمرت مكاني، ولسان حالي يقول كيف ارجع بالعرش ومريم بأمس الحاجة إليه؟ فهمس أحدهم في اذني قائلا لقد ماتت مريم وهذه خيمة عزائها!! سقط قلبي في جوفي ولم تعد ساقاي تحملني، جلست على الأرض القرفصاء، وتناهى الى سمعي صوت القارئ عبد الباسط وهو يرتل قوله تعالى (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت)، نعم لقد كانت مريم مؤودة اشتركنا جميعا في قتلها، وكل من شارك في اغتيال الأطباء الاختصاص لحملهم على الرحيل خارج البلاد بغية إفراغ العراق من عقوله وكفاءاته قد أسهم في وأد عذراء العراق مريم. سرت خلف النعش .. رافعا العرش لأهديه الى مريم أخرى جديدة وما أكثرهن في العراق الذي أضاع الخيط والعصفور لعلها تجد متسعا من الوقت للجلوس عليه قبل أن تطولها يد القدر. ومضت عشر عجاف ودعت خلالها تسعين مريم لم تجلس واحدة منهن على عرشها قط، ولما يزل مستذئب الفقر، ودراكولا ضمور العضلات التشنجي يفتكان بفلذات أكبادنا ويقولان هل من مزيد. أودعناكم