2026-09-14 01:56 ص

قراءة في زيارة أوباما الأخيرة الى أوروبا

2014-03-29
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
زيارة الرئيس الأمريكي لأوروبا تأتي في الوقت التي تسعى فيها الإدارة الامريكية لملمة الدول الغربية وراءها وبقيادتها للاتفاق على موقف موحد تجاه الازمة الأوكرانية وخاصة بعد عملية ضم شبه جزية القرم لروسيا على أثر نتائج الاستفتاء العام التي أجرته سلطات شبه الجزيرة والتي شارك فيه ما يقرب من 83% من الذين يحق لهم التصويت بأغلبية ساحقة بلغت 96% من الأصوات لصالح اعلان الاستقلال عن أوكرانيا والانضمام الى روسيا. زيارة الرئيس كانت بهدف اثارة مخاوف الدول الأوروبية من روسيا الاتحادية ومن "البعبع" الروسي المتمثل بالسياسة التي يتبعها بوتين، ومن بروز التحالف ما بين روسيا والصين الاخذ بالتنامي والصعود على الصعيد السياسي والاقتصادي وربما العسكري، والذي بات يهدد المكانة والهيبة والهيمنة الامريكية بشكل جدي ولأول مرة منذ سقوط وتفسخ الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات من القرن الماضي، والذي كان من احدى نتائجه التفرد والهيمنة الأمريكية على الساحة الدولية بدون منازع. الرئيس الأمريكي عمد في زيارته الى جر بعض الدول الأوروبية والتي بدأت تبدي نوع من الاستقلالية والمرونة في سياساتها الخارجية وخاصة المانيا، جرها الى بيت الطاعة لإبقاء حالة الهيمنة السياسية الامريكية على أوروبا. بالإضافة الى ذلك فقد عمدت الزيارة الى بعث نوع من الحيوية في حلف الناتو بعد أصبح البعض في أوروبا وكندا يطرح التساؤلات حول مستقبله والحاجة اليه أو على الأقل إعادة هيكليته. وكانت العديد من الدول الأوروبية قد قامت بتخفيض مساهمتها المادية للناتو بواقع وصل الى 40%، وخاصة بعد أن تدهورت أوضاعها الاقتصادية نتيجة الكساد الاقتصادي عام 2008، والتي لم تتعافى منه بعد العديد من الدول الأوروبية، مما أصبح يشكل عبئا على الراعي الأمريكي، المستفيد الأول والأخير من إبقاء هذا الحلف بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وإلغاء حلف وارسو. فلقد أبقت الولايات المتحدة على الحلف لتسخيره في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكونية، كما اتضح في كوسوفو وأفغانستان وليبيا، بالإضافة الى تطويق روسيا ونشر قواتها في معظم جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة منتهكة التفاهمات مع الرئيس جورباتشوف، حيث كان هنالك اتفاقا ضمنيا بأن الولايات المتحدة لن تقوم بنشر قوات الناتو في هذه الدول. ولكن الولايات المتحدة نقدت بهذه التعهدات مستغلة الضعف والوهن الاقتصادي والسياسي لروسيا، وقامت بنشر قوات الحلف في معظم جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة باستثناء أوكرانيا وجورجيا على الأقل للان. والذي يبدو على أن الزيارة للرئيس أوباما لم تسفر عن نتائج ملموسة على الأرض، اللهم باستثناء التأكيد على المواقف المعلنة ما قبل الزيارة التي تضمنت اتخاذ مزيد من العقوبات الاقتصادية والسياسية في حالة ما إذا استمرت روسيا بسياستها "العدوانية" تجاه شرق أوكرانيا وهذا ما تدعيه الإدارة الامريكية وتحاول ترويجه لتبرير تدخلها ورفع وتيرة المخاوف الأوروبية كوسيلة للضغط عليها لمواقفها التي اتسمت بالمرونة والواقعية عندما حاول الاتحاد الأوروبي حل الازمة الأوكرانية ونجح في الوصول الى اتفاقية بين الحكومة الأوكرانية السابقة والمعارضة التي كانت متجمعة ومعتصمة في الميدان، والتي تدخلت الولايات المتحدة لنسفه وتصعيد الأمور التي أدت الى ما نحن عليه الان. ولقد نشرت بعض وسائل الاعلام العالمية نص مكالمة بين مسؤولة الخارجية الامريكية عن الملف الاوكراني السيدة فكتوريا نولاند والسفير الأمريكي لأوكرانيا والتي تهجمت فيها على الدول الأوروبية بكلمة بذيئة للغاية ملئت الصحف العالمية. وللأسف تم تركيز هذه الصحافة في اغلبيتها على الكلمات البذيئة الموجهة للاتحاد الأوروبي بدلا من المحتوى لهذه المكالمة والتي بنت بوضوح التدخل السافر للولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لأوكرانيا ولسنوات طويلة وتصنيع المعارضة فيها وتشجيعها ودعمها ماديا واعلاميا وسياسيا لاستغلال الأوضاع الداخلية في اللحظة المناسبة للانقضاض على السلطة الشرعية. لا شك أن الفشل الذي منيت به الزيارة نابع بالأساس من التداخل في المصالح الاقتصادية والأمنية في مجال الطاقة بين الدول الأوروبية والروسية، وخاصة تلك التي مع المانيا وهي الدولة الفاعلة في أوروبا وذلك لاقتصادها القوي الذي أهلها ويؤهلها للدخول على الخط مع الدول الاوربية التي كانت على شفير الإفلاس كما كان الحال مع اليونان. وبالتأكيد ان اليونان ليست الدولة الوحيدة في هذا الإطار فهناك اسبانيا وايطاليا والبرتغال بالإضافة الى دول أوروبا الشرقية. الولايات المتحدة ليس لديها علاقات تجارية قوية كما هو الحال مع المانيا، حيث لا تتجاوز نسبة التجارة الخارجية للولايات المتحدة مع روسيا 1% من تجارتها الخارجية الاجمالية. والولايات المتحدة لا تعتمد على روسيا للتزود بالطاقة سواء البترول الخام او الغاز الطبيعي. وعلى النقيض من ذلك فان حجم التجارة الألمانية مع روسيا قد وصل الى 107 مليار دولار السنة الماضية، والذي يقدر 3% من التجارة الخارجية لألمانيا. وتستورد المانيا ما يقارب من ثلث احتياجاتها من البترول والغاز الطبيعي من روسيا. ولقد نشرت مؤخرا صحيفة ديرشبيغل اون لاين الألمانية ( 17 مارس 2014) تقريرا مفصلا عن العلاقات الاقتصادية بين المانيا وروسيا بعنوان "الحرب الاقتصادية مع روسيا والثمن المرتفع للتجارة الألمانية" ، مدعما بالأرقام الى جانب الرقم 107 مليار دولار وهو حجم التجارة الألمانية مع روسيا. فهنالك 6000 شركة المانية مسجلة في روسيا التي تستثمر فيما بينها ما يقارب 20 مليار يورو. وهنالك العديد من الشركات الألمانية التي تود زيارة استثماراتها في روسيا نظرا لحجم الأرباح التي تجنيها من السوق الروسية، على سبيل المثال شركة السيارات فولسفاجن التي تريد استثمار 1.2مليار يورو إضافية. وفي دراسة لرجال اعمال المان حديثة، تبين ان تلاعب في إمدادات الطاقة من روسيا الى المانيا، قد تهدد ما يقارب من 300000 وظيفة في المانيا. ولقد صرح رئيس "لجنة العلاقات الاقتصادية لشرقي أوروبا" الألماني بان " العديد من الأخطاء قد ارتكبت فيما بين العلاقة بين روسيا والغرب، وان هذه الأخطاء لم ترتكب من الجانب الروسي". هذا فيما صرح الرئيس السابق للجنة نفسها بأنه " سيكون من الخطأ إذا ما قام الغرب بتصعيد جديد على خلفية الاحداث في القرم، وان اتخاذ العقوبات مسار خاطئ". ويمارس رجال الاعمال ضغوطا كبيرة على الحكومة الألمانية لعدم التهور في هذا المسار الذي قد يجلب معه اثار تدميرية للاقتصاد الألماني، والذي قد يكون أكثر تضررا من الاقتصاد الروسي في حالة تصعيد المواقف. ومن الواضح الان للقاصي والداني ان بوتين لم ولن يرضخ للتهديدات الغربية بالعقوبات، وخاصة وأنه يرى في التطورات على الساحة الاوكرانية أنها شكلت وتشكل تهديدا وجوديا لروسيا، وهذا ما عبر عنه خبيرين من مؤسسة بروكنجز في واشنطن في مقابلة أجريت مؤخرا مع صحيفة ديرشبيغل الألمانية اون لاين (15 مارس 2014). ليس هذا فحسب بل ذهب الخبيرين للتصريح بأنه "علينا (أي الغرب) القبول بخسارة القرم الى روسيا، وأن واجب الدبلوماسيين والسياسيين الان هو تقديم هذا الحدث الى الشعوب في الدول الغربية دون الظهور بأننا أذعنا او استسلمنا الى الوقائع على الأرض". والذي يبدو ان الحكومة الألمانية لا تريد نشوب الحرب الاقتصادية، ليس فقط بسبب المردودات السلبية التي قد تسببها مثل هذه الحرب على الاقتصاد الألماني، بل أيضا لأسباب سياسية داخلية، حيث أشارت احدى استطلاعات الرأي الحديثة التي أجرتها شركة فورسا الألمانية بأن ثلثي الالمان الذين شملتهم الدراسة يرفضون استخدام العقوبات من قبل الحكومة على خلفية الاحداث في شبه جزيرة القرم. ألمانيا بالتأكيد ليست الوحيدة من ابداء الحيطة والحذر من العقوبات التي تحاول الإدارة الامريكية جر الدول الأوروبية اليها فهناك العديد من الدول تقف ضد هذا التوجه لما قد ينعكس هذا على اقتصادها المنهار أصلا، بالإضافة الى اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية بدرجة كبيرة، مثل اليونان واسبانيا وإيطاليا وغيرها. وبولندا التي هي اشد عداء من غيرها لروسيا والتي كانت من المشجعين للتدخل الغربي في أوكرانيا تشتري حوال 91% من احتياجاتها من الطاقة من روسيا، اما هنغاريا فتصل النسبة الى 86% ( اسيا تايمز 27 مارس 2014). وحتى رئيس الوزراء الحكومة المؤقتة في أوكرانيا، يدرك المصائب والمصاعب الاقتصادية التي ستكون وبالا على بلاده إذا ما وقع اتفاق الشراكة الاقتصادية لأوكرانيا مع دول الاتحاد الأوروبي والرضوخ الى الشروط التقشفية والصارمة لصندوق النقد الدولي مما قد يتسبب الى تدمير الصناعة في منطقة شرقي أوكرانيا وافقار أهلها وغالبيتهم من الروس، مما سيؤدي الي احتجاجات واسعة ومشكلة رئيسية للحكومة المؤقتة الغير شرعية في كييف، وخاصة مع تصاعد أصوات في هذه المنطقة تدعو الى اجراء استفتاء على غرار ما حصل في شبه جزيرة القرم. ويجدر الاشارة هنا الى أن دول البلطيق ليس بأفضل حالا من تأثير العقوبات على روسيا، فدول مثل استونيا ولاتفيا وليثوانيا تشتري معظم احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا. وبالتالي فان دول البلطيق ربما ستعاني وضعا أكثر سوء من المانيا في حالة فرض مزيد من العقوبات التي ستؤدي بالضرورة الى ردود فعل روسية مماثلة وهكذا دواليك. الولايات المتحدة تدرك جيدا مدى ارتباط الدول الأوروبية واعتمادها على مصادر الطاقة الروسية وخاصة الغاز الطبيعي التي يصل معظمها عبر خطوط امدادات من روسيا. ولقد حاولت الولايات المتحدة أن تتدخل لتقنع الدول الأوروبية بتبني مشروع خط نابكو الذي كان من المفترض أن يحمل الغاز من أذربيجان لتغذية بعض الدول الأوروبية. والهدف الغير معلن كان سياسيا بامتياز حيث لو تم تبني هذا الخط لشكل منافسا للغاز الروسي في أوروبا (اوراسيانت 23 يوليو 2013). لم تفلح المحاولات الامريكية لان الشركات المستثمرة ارتأءت ان الخط البديل والذي لم يشكل منافسة مع الخطوط الروسية اقل تكلفة ويحقق أرباحا أكثر من خط نابكو. أما الان وقد تمكنت الشركات الامريكية استخراج الغاز والبترول الصخري بكميات كبيرة للتصدير فان الإدارة الامريكية وشركات النفط الامريكية ترى في هذا سلاحا استراتيجيا لتحارب فيه روسيا وخاصة على الساحة الأوروبية بإمدادها بالغاز والبترول. ويبقى هذا حلما ليس من السهل تحقيقه لأسباب عديدة فنية وبيئة وسياسية أيضا، وربما سيكون هذا موضوعا لمقال تفصيلي لاحقا، نظرا لأهميته وانعكاساته على السياسة الخارجية الامريكية في العديد من المناطق في العالم. في النهاية نود أن نؤكد على ان المصالح الأوروبية ليست بالضرورة متطابقة مع المصالح الامريكية وخاصة في المجالات الاقتصادية وضمان أمن الطاقة. وعلى الدول الأوروبية أن تحدد ما هي مصالحها الفعلية وتتصرف على هذا الأساس وان كان هذا يعني التحرر ولو بشكل نسبي عن السياسية الامريكية التي تنحى نحو التصعيد لضمان سيطرتها وتحقيق مصالحها الاستراتيجية. ولا شك أن المسار الذي ستتخذه ألمانيا بالتحديد سيكون له تأثير على المنحى الذي ستسلكه دول الاتحاد الأوروبي. ويرى أحد المحللين (صحيفة ديرشبيغل الألمانية اون لاين (15 مارس 2014)، بأن المانيا يمكنها ان تلعب دورا إيجابيا وذلك لان رئيسة الوزراء ميركل ما زالت تتمتع بسلطة ومصداقية مع روسيا.

الملفات