2026-09-13 11:39 م

الديمقراطية الزائفة والتضليل الإعلامي الأمريكي

2014-03-21
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
أشار موقع مؤسسة رون بول للسلام والازدهار (18 مارس 2014) بأن الرئيس أوباما قد وقع في 6 مارس 2014 أمرا تنفيذيا يقضي " بالتحفظ على أملاك الأشخاص اللذين يشاركون في الاحداث في أوكرانيا". وهذا الامر التنفيذي يسمح لواشنطن بمصادرة أو التحفظ على ممتلكات أي "مواطن امريكي" يعارض السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة بخصوص أوكرانيا". ويدعي هذا الامر التنفيذي بأن الوضع القائم في أوكرانيا والاستفتاء في شبه جزيرة القرم يشكلان ما اسماه " حالة طوارئ قومية" للولايات المتحدة. وهذه الحالة تتيح وتجيز مصادرة ممتلكات أي "مواطن أمريكي" متورط بشكل مباشر أو غير مباشر في " اعمال أو سياسات من شأنها ان تهدد السلام أو الامن أو الاستقرار أو السيادة أو وحدة الأراضي الأوكرانية". ويشير كاتب المقال في هذا الموقع بما يعنيه هذا الامر التنفيذي معطيا مثال على أنه إذا ابدى أحد برايه معلقا على انه إذا أفضت نتائج الاستفتاء الى ضم شبه جزيرة القرم الى روسيا، بأن هذه النتيجة ليست بالضرورة سيئة، أو في حالة كتابة رسالة أو مقالة في الجريدة المحلية تعبر عن هذا الرأي، فانه يمكنك القول وداعا لحسابك في البنك. والمصيبة أنه لا يوجد اية طريقة تمكن الشخص الذي صودرت أمواله بالاستئناف ضد هذا القرار. ويذكر الكاتب بأن هذا الامر التنفيذي يشبه الى حد كبير ذلك الذي صدر عن الرئيس السابق جورج بوش الابن في عام 2007 والذي يقضي " بالتحفظ على ممتلكات الأشخاص اللذين يهددون الجهود المبذولة لاستقرار العراق". وإذا ما أخذ هذين الامرين سوية فانهما يدللان الى مدى الانحطاط الذي وصلنا اليه (والكلام للكاتب) لكي نعاقب أي انسان يقف ضد سياسات لم تناقش أو يصوت عليها من قبل الشعب الأمريكي. نعم هذين الحدثين يدللان على مدى الانحطاط التي وصلت اليه الولايات المتحدة بإداراتها المتعاقبة الديمقراطية منها والجمهورية على مدى السنوات، في التعامل مع أسس ومفاهيم الديمقراطية، وهي التي تتدعي وتغرد ليلا ونهارا عن طريق التصريحات التي يطلقها المسؤولون وصحافتها الرسمية التي تطالعنا كل يوم بسوء الأوضاع الإنسانية التي هي نتيجة تدخلهم هنا وهناك أو بخرق القانون الدولي وعدم شرعية الانتخابات والاستفتاءات الحرة النزيهة لأنها أتت بنتائج تعكس إرادة شعبية عارمة لا تصب في مصلحة الدول الغربية وعلى رأسها المصالح الامريكية، كما هو الحال في الاستفتاء العام الذي حصل في شبه جزيرة القرم والذي أفضى الى التصويت بأغلبية ساحقة لصالح الانفصال عن أوكرانيا والانضمام والعودة الى روسيا الوطن الام. الولايات المتحدة بإداراتها واعلامها الرسمي الموجه والمخادع والخبيث تريد أن تؤلب الرأي العام الامريكي وربما الدولي من خلال تضخيم الأمور أو فبركة الاخبار والتحريض العلني وكذلك إخفاء الحقائق والوقائع التي لا يستطيعون مناقضتها او تكذيبها. فلقد عمدت الصحافة ووسائل الاعلام الرسمية على شيطنة الرئيس بوتن وعلى مدى سنوات كما كان الحال مع الرئيس صدام حسين والعقيد معمر القذافي والدكتور بشار الأسد مؤخرا منذ بداية الازمة السورية. ولقد ذهبت السيدة هيللري كلينتون وجوقة المحافظين الجدد بوصف بهتلر أو انه يمشي على خطى هتلر والديكتاتور وحملته للقضاء على الديمقراطية والحريات المدنية. وتذهب صحيفة المحافظين الجدد وييكلي ستاندرد (4 مارس 2014) لتنصح وتؤكد ان على الغرب ان يتعلم من التاريخ. وتذكر في هذا المجال بان هتلر برر غزوه لتشيكوسلوفاكية عام 1939 في كلمته للرايخستاج الألماني (البرلمان) عندئذ بأن "الأقلية الالمانية هناك قد اسيء معاملتهم بشكل كبير". وتقارن الجريدة هذا بالكلام الذي ذكره وزير الخارجية الروسي لافروف لسبب التدخل الروسي في شبه جزيرة القرم بأن المواطنين من الأصل الروسي تعرضوا للخطر. وتحذر الصحيفة بأنه إذا لم يتصرف الغرب بشكل فعال ليعكس قرار ضم شبه جزيرة القرم الى روسيا ويحبطه، فان هذا سيشكل خطرا على الدول المحيطة بأوكرانيا مثل هنغاريا، ومولدافيا، وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا ومعظمها دول أعضاء في حلف الناتو، وفي هذا دعوة صريحة للتدخل العسكري. ما تجنبت الصحيفة ذكره في هذا المجال وعن عمد وإصرار بالطبع لإخفاء الحقائق التاريخية والوقائع على الأرض نستطيع اجمالها بما يلي: أولا بان شبه جزيرة القرم لم تكن جزءا من أوكرانيا، بل كانت جزءا من روسيا لأكثر من مئتي عام ( بالتحديد منذ 1783)، وأنها أصبحت جزءا من أوكرانيا عام 1954عندما قام الزعيم الروسي الاوكراني الأصل الى أوكرانيا بإعطائها الى أوكرانيا دون استشارة أهلها الذين في غالبيتهم العظمى هم من الروس. ثانيا أن الاستفتاء الي شارك فيه ما يقارب من 83% ممن يحق لهم التصويت في شبه الجزيرة، صوت ما يقرب من 96% منهم لصالح الانفصال عن أوكرانيا والانضمام الى الوطن الام روسيا. أما ثالثا أن بذور الصراع والتوتر في تلك المنطقة زرعت عندما انتهكت الولايات المتحدة التفاهمات مع موسكو في عهد الرئيس جورباتشوف بعدم استغلال تفككك الاتحاد السوفياتي عام 1991 في مد نفوذ الناتو الى جمهوريات الاتحاد السوفياتي الثني عشر السابقة أو تواجد اية قوات أمريكية أو قوات من حلف الناتو على أراضيها. ضربت الولايات المتحدة وحلف الناتو هذه الاتفاقيات والتفاهمات عرض الحائط عندما جاء الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون الى البيت الأبيض وقامت بزرع قوات الناتو في قواعد عسكرية في كل الدول التي ذكرت سابقا في محاولة لتطويق روسي وابقاءها ضعيفة والعمل على تفكيكها من الداخل. واضطرت روسيا على ابتلاع هذه الإهانة لضعفها وخاصة الاقتصادي والعسكري آنذاك، بالإضافة الى الضعف السياسي في زمن الرئيس يلتسن الذي كان مهرجا وسكيرا بامتياز وليس رجل دولة يليق بدولة مثل روسيا. وال شك ان الولايات المتحدة استغلت هذا الحال غير ابهة بالاتفاقيات المبرمة سابقا مراهنة أن روسيا قد انتهت ولن يقوم لها قائمة بعد ذلك. ولقد تمكنت الولايات المتحدة ان تصول وتجول لحوالي عقدين من الزمن في كل انحاء العالم وتتصرف برعونة ضاربة بعرض الحائط كل المواثيق والأعراف الدولية فلقد ذهب القطب الذي كان يكبح جماحها. تغير الوضع الان بالطبع ولم تعد الأحوال لما كانت عليه فروسيا أصبحت في وضع يسمح لها بالدفاع عن مصالحها الاستراتيجية وبقوة وبدون تردد وبسرة لحسم الموقف عندما تتعرض مصالحها وامنها القومي للخطر، وما حصل في أوكرانيا يمكن فهمه من هذا الإطار. ولقد حذرت روسيا مرارا وتكرارا بأن أوكرانيا خط أحمر بالنسبة لها وسيتم الدفاع عنه بكل الوسائل المتاحة لها، ولكن الغرب وأمريكا بالتحديد ركبت رأسها واختارت التصعيد والصدام، فنالت ما تستحق لرفضها الدعوات الروسية لحل الازمة سياسيا، كم اوضحنا في مقال سابق (أوكرانيا والولايات المتحدة والرعونة السياسية: المنار المقدسية 18-03-2014). رابعا لم تأتي الصحيفة عن المؤشرات الواضحة التي تبين ضلوع الإدارات الامريكية ومخابراتها المركزية في العمل على تصنيع المعارضة في أوكرانيا وصرف المبالغ الخيالية وصلت الى 5 مليارات دولار وهذا ما صرحت به السيدة فكتوريا نولاند مسؤولة الخارجية الامريكية عن الملف الاوكراني في ندوة أمريكا الى جانب محادثتها الشهيرة مع السفير الامريكي في كييف والتي ناقشت بها تشكيل الحكومة التي ستخلف الرئيس المنتخب يانوكوفيتش بعد اسقاطه من المعارضة المعتصمة في الميدان. لقد اهتمت الصحف في ابراز الكلمة البذيئة التي استخدمتها للاتحاد الأوروبي ومحاولته لحل الازمة بالحوار والمباحثات وعدم التصادم مع روسيا، وتناست جوهر المكالمة التي يظهر مدى انغماس الولايات المتحدة في التخطيط للازمة في أوكرانيا. وهنالك العديد من الصحف الامريكية التي ذهبت الى التحريض وتشويه الحقائق سواء بشكل مباشر او غير مباشر. نذكر على سبيل المثال لا الحصر مجلة بولوتيكو التي كتب فيها مقال بعنوان " فلاديمير بوتين ودروس 1938" (16 مارس 2014). وهي تذهب أيضا في نفس منحى وييكلي ستاندرد حول هتلر والنازية. وفي معرض المقال يقول الكاتب بانه يبحث عن مقارية تاريخية لما حدث في القرم ويقل بانها " بودابست 1956؟ براغ1968 ؟ والنمسا 1938؟". وبالطبع تناسى ولا يتطرق الى أي مما ذكرناه سابقا للحقائق التاريخية والوقائع على الأرض. وقضية ابراز الارتباط بين ما فعله هتلر والنازية يقودنا الى خامسا التي تجاهلها الاعلام الرسمي الأمريكي. فلم يأتي الاعلام الأمريكي على ذكر هوية القوى السياسية الرئيسية المحركة لحركة الاحتجاجات والاعتصام في الميدان والسبب الرئيسي لذلك هو محاولة بائسة لإخفاء الهوية والطابع القومي المتطرف والشوفيني للبعض منهم والذين كانوا يرتدون اللباس الأسود في الميدان وهم من المليشيات الفاشية المعروفة بالرايت سيكتر ، الى جانب النازيون الجدد وهم حزب سفوبدا والذين حصلوا على ثمانية مقاعد في الحكومة الجديدة. وقد عين أحدهم ليكون مسؤولا عن الملف الأمني وبناء وحدات مقاتلة من الجيش. هؤلاء هم "المقاتلين الاحرار" , "ابطال الثورة" كما تصفهم الصحافة الامريكية الرسمية. والذي يبدو أن الولايات المتحدة والغرب عموما لم يتعظ من دعمه للإرهابيين في ليبيا وسوريا وأفغانستان الخ، وما استتبع ذلك من مصائب وكوارث وانعكاساتها على الساحات الإقليمية والدولية. في الختام نقول لقد آن الأوان لسيد البيت الأبيض ووزير خارجيته كما للاتحاد الأوروبي أني يدركوا جميعا بأن تحدي روسيا السافر والغير مبرر، والدعم السياسي للانقلاب في أوكرانيا ومساعدة القوى الفاشية والنازيون الجدد الى جانب حفنة من كبار رجال الاعمال المسيطرين على الاقتصاد الاوكراني بالكامل(وهذا هو الذي يذكرنا بصعود النازية ورمزها هتلر في المانيا)، والتدخل بشؤون أوكرانيا الداخلية وعدم الاخذ بعين الاعتبار الحقائق التاريخية والوقائع على الأرض، واللجوء الى سياسة التصعيد والمجابهة، لن تجدي نفعا ولن يؤدي الى حل الازمة على الاطلاق. وهنالك أمثلة كثيرة حولكم تدلل على عقم سياساتكم من العراق الى أفغانستان الى سوريا الى ليبيا الى مصر. الا يكفيكم ذلك؟

الملفات