2026-09-14 12:42 ص

أوكرانيا والولايات المتحدة والرعونة السياسية

2014-03-18
بقلم:الدكتور بهيج سكاكيني
ما زالت تداعيات الساحة الأوكرانية تعصف بالعلاقات الروسية والأمريكية والأوروبية، والمواقف على ما يبدو مرشحة للتصعيد وخاصة بعد البدء بفرض بعض العقوبات على روسيا وشخصيات بارزة في شبه جزيرة القرم بعد أن ظهرت نتيجة الاستفتاء العام حول مصير شبه الجزيرة والتي أكد فيه سكانها على رغبتهم للانضمام الى روسيا الام كام قال بعضهم. ولقد أظهرت نتيجة الاستفتاء العام والتي بلغت نسبة المشاركة به 83% من الذين يحق لهم التصويت، بان ما يقارب من 96% من هؤلاء صوتوا لصالح الانضمام الى روسيا، والانفصال الكامل عن أوكرانيا. وكانت ان أعلنت الولايات المتحدة انها تعتبر هذا الاستفتاء العام بانه غير شرعي ومخالف للقوانين الدولية، وبانها "والمجتمع الدولي" لن يعترفوا بنتائج هذا الاستفتاء. وتعريف المجتمع الدولي بالمفهوم الأمريكي هو ببساطة أمريكا وكل من يوافق أو يساق لرأي ادارتها، أما الذين لا يوافقون سيد البيت الأبيض على رأيه وسياساته الخارجية فهم خارج إطار النادي الأمريكي المدعو "المجتمع الدولي". حق تقرير المصير من خلال ممارسة حق ديمقراطي بالانتخابات والتي تكفله كل الشرائع والقوانين الدولية، هو غير شرعي بتعريف نادي "المجتمع الدولي" اذا كانت "الديمقراطية" لا تخدم الاجندة الامريكية في فرض سيطرتها على العالم. والولايات المتحدة "ومجتمعها الدولي" لا يرضى حتى بالحكومات التي تأتي الى الحكم بانتخابات حرة نزيهة وحتى وان شاركت فيها كل القوى وشهد بنزاهتها مراقبين دوليين مبعوثين من الأمم المتحدة أو حتى من الولايات المتحدة. والولايات المتحدة ومخابراتها المركزية لها تأريخ اسود اجرامي ممتد عبر القرون في محاولات قلب الأنظمة واسقاط الحكومات التي جاءت ليس بحسب المقاييس "الديمقراطية" الامريكية" "ومجتمعها الدولي". ولا تزال ذاكرة البعض حية في هذا المضمار الى جانب أن التاريخ ما زال يحتفظ بالكثير في ثنايا أوراقه احداث وقعت بالماضي البعيد والقريب. فما زال التاريخ يذكر بالانقلاب الذي دبرته المخابرات المركزية الامريكية عام 1953 ضد حكومة مصدق في ايران لان حكومته ارادت ان تحتفظ بثروات ايران النفطية للدولة والشعب الإيراني وعدم تركها للنهب والسرقة من قبل الشركات البريطانية والأمريكية. وماذا عن الانقلاب العسكري الذي دبرته نفس الجهة عام 1965 في أندونيسيا ضد الرئيس سوكارنو لنفس الأسباب ولدوره في دول عدم الانحياز، وماذا عن الانقلاب العسكري الدموي الي جاء بالدكتاتور بينوشيت في تشيلي عام 1974، ضد حكومة سلفادور الليندي الاشتراكية والتي أتت نتيجة انتخابات حرة نزيهة. هذه بعض من الماضي، اما الحاضر فهو ما حصل في الانقلاب على الحكومة المنتخبة الذي دبرته وحضرت له الإدارة الامريكية ومخابراتها المركزية والاستيلاء على السلطة في أوكرانيا، وما تحضر له لفنزويلا وغيرها من دول العالم. اما في منطقتنا فالأمثلة كثيرة ومنها ليبيا الى سوريا الى تمزيق السودان والعمل على فصل جنوبه. تصنيع المعارضات لقلب الأنظمة التي لا تدور في الفلك الأمريكي أصبحت صنعة أمريكية بامتياز. من يظن أن روسيا بوتين ستنتظر لكي يطبق عليها قوات حلف الناتو والجيش الامريكي من كل ناحية ويفرض نوع من الطوق العسكري عليها ويضيق الخناق على اقتصادها وخاصة في مجال تصدير الغاز والبترول عبر شبكات الانابيب التي تمر عبر أوكرانيا، بالإضافة الى محاولات الغرب للسيطرة أو مد نفوذه بشكل عام في منطقة أوراسيا، لا بد ان يكون حالما أو يتمتع بغباء سياسي بامتياز. فروسيا لها مصالح اقتصادية وجيوسياسية جمة في المنطقة لأنها تشكل امتدادا جغرافيا لها ولا يعتقد أي من كان أن روسيا ستسمح للقوات الامريكية بالتواجد على حدودها، ولقد حذرت روسيا ان هذا خط أحمر، وجيشها على استعداد للتدخل مباشرة وبسرعة مباغتة ليحبط اية محاولة، كما حصل عام 2008 في جورجيا، عندما قامت القوات الجورجية بالاعتداء على المناطق ذات الأغلبية الروسية وقتلت عددا من الجنود الروس. ولكن الذي يبدو ان استعراض العضلات من قبل امريكا والدول الاوروبية التي لا يستطيع الانسان فهم تبعيتها الميكانيكية والأتوماتيكية للمواقف الامريكية على الرغم من عدم وجود "تهديد" عسكري لها بعد انتهاء الحرب الباردة، وتضرر مصالحها الاقتصادية والسياسية من هذه التبعية، وخاصة ان امريكا تستخدم حلف الناتو لتحقيق مصالحها بالدرجة الاولى، كما حدث في افغانستان. ويكفي الاشارة الى ان ما يقرب من 30% من احتياجات الطاقة الاوروبية وخاصة الغاز الطبيعي يأتي من روسيا الى جانب تبادل تجاري معها يصل حجمه الى ما يقارب 170 مليار دولار سنويا. لقد عمدت الادارة الامريكية على تخريب الاتفاقية التي عقدت تحت رعاية الاتحاد الاوروبي بين الحكومة الاوكرانية السابقة ليانوكوفيتش والمعارضة، التي وقعت من قبل الطرفين وتضمنت خارطة طريق للخروج من الازمة الاوكرانية تكفل مشاركة المعارضة في الحكم والترتيب لإجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية العام. الولايات المتحدة لا تعير اي اهمية للدول الاوروبية ولا لمواقفها. الم تستخدم الالفاظ النابية والبذيئة من قبل المسؤولة الامريكية عن الملف الاوكراني أثناء حديثها مع السفير الامريكي في كييف؟ لم تكن لتصل الامور في اوكرانيا لما هي عليها الان لو وافقت والتزمت الادارة الامريكية بالاتفاق الذي ابرم تحت رعاية الاتحاد الاوروبي ووقع من قبل الحكومة الأوكرانية والمعارضة المعتصمة في الميدان لحل الأزمة الاوكرانية، ولكن هذه الادارة كغيرها من الادارات ما زالت تتصرف وكأنها القدر الذي لا يرد لكل منطقة في العالم، ويجب على الاخريين الخضوع والخنوع لمشيئتها والا فليستعد للتصعيد وللتصادم والصراع المباشر او الغير مباشر. الادارة الامريكية ومن يحرك التوجه العدواني السافر لسياساتها الخارجية من المجمعات الصناعية والعسكرية الضخمة التي تعتاش على خلق بؤر التوتر وتسعى للسيطرة لتحقيق مليارات الدولارات من الارباح، لم تقنع لغاية الان ان العالم تغير ولم تعد الولايات المتحدة القطب الاوحد واللاعب الاوحد على الساحة الدولية، ولذلك ما زالت العنتريات هي الحاكمة لسياستها الخارجية، بدلا من التفاهمات وحل النزاعات بالطرق السلمية. الولايات المتحدة تسعى الى تطويق روسيا واختراقها ومحاولة تفكيكها من الداخل وضرب اقتصادها المتنامي ودورها على الساحة الدولية الاخذ بالتبلور والنمو والذي أصبح يشكل خطرا للهيمنة الامريكية وتصرفاتها المتهورة التي تهدد السلم العالمي والاستقرار في العديد من المناطق من ضمنها الشرق الأوسط. والولايات المتحدة تهدف الى وضع قوات من الناتو في أوكرانيا وتهديد الامن القومي الروسي والسيطرة على انابيب وشبكات نقل الغاز، فمن يسيطر على خطوط إمدادات الطاقة يسيطر على أمن هذه المادة الاستراتيجية والتحكم بها وبالعالم المتعطش لهذه المادة. الى جانب ذلك فان مد النفوذ الى أوراسيا يعني التحكم بمنطقة ذات أهمية جيوسياسية فائقة. الولايات المتحدة لديها هذه الاجندة الخفية في المنطقة والقضية بالنسبة لها ليست قضية تحقيق ديمقراطية او حرية لأوكرانيا. فمن يريد الديمقراطية لأوكرانيا لا يدعم قوى النازيون الجدد والقوى القومية المتطرفة والشوفينية ويأتي بهم الى الحكم في أوكرانيا.. روسيا لم تتدخل ولم تفرض رأيها على الاتفاق الذي وقع للخروج من الازمة الاوكرانية ولم تكن طرفا فيه اساسا. امريكا وعن طريق اعضاء من الكونغرس الامريكي المعروفين بتطرفهم كجون مكين وغيره شاركوا وحرضوا المحتجين والمعتصمين في الميدان في كييف على اسقاط حكومة منتخبة وقدمت امريكا الدعم المادي والاعلامي حتى للنازيين والفاشيين منهم والذين كانوا القوى الفاعلة والمحركة لحركة الاحتجاجات. لقد صنعت امريكا ومخابراتها المركزية المعارضة الاوكرانية كما صنعتها في فنزويلا وغيرها من الدول عبر سنوات طويلة للتحضير لمثل ما حدث في اوكرانيا. وهذا باعتراف السيدة نولاند الامريكية صاحبة الالفاظ البذيئة والنابية، حيث ذكرت ان الولايات المتحدة قد صرفت ما يقارب من 5 مليارات دولار في سبيل ذلك لدعم قوى سياسية ومنظمات المجتمع المدني الخ في اوكرانيا لإبقائها في الفلك الاوروبي. وفي هذه المناسبة نود ان نذكر ان العديد من وسائل الاعلام ومنها جلوبل ريسيرتش أن الولايات المتحدة قد قامت بشحن كل احتياطي الذهب الحكومي التي تمتلكه اوكرانيا من البنك المركزي الاوكراني الى خارج أوكرانيا والاحتفاظ به في الخزينة الامريكية، في عملية قرصنة تمت في وضح النهار يوم 7 مارس حيث حمل ما يقارب من 40 صندوق في طائرة خاصة في مطار بورسبول في كييف ( 14 مارس 2014). لقد اقترحت روسيا حل سياسيا للازمة الأوكرانية يتضمن اعتبار أوكرانيا دولة فيدرالية تتمتع فيه المناطق بحكم ذاتي موسع، وعلى إعادة اللغة الروسية واعتبارها لغة رسمية الى جانب اللغة الأوكرانية، الى جانب ضمان الحياد السياسي والعسكري لأوكرانيا على غرار النمط الفنلندي، وأن يتم تعديل الدستور والتصويت عليه من قبل المكونات الاجتماعية في أوكرانيا، وعلى ان تشكل مجموعة الدول الداعمة لأوكرانيا لمساعدتها للخروج من أزمتها تتشكل من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كأعضاء في هذه المجموعة. ولكن على ما يبدو لغاية الان على الاقل ما زالت الإدارة الامريكية تتبنى سياسة صدامية وتصعيدية ، محملة الجانب الروسي مسؤولية تدهور الأمور في أوكرانيا. فهل بعد كل هذا يعتقد الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة ان روسيا بوتين ستسكت وتتغاضى عن كل هذا؟ هذا بحد ذاته غباء سياسي بامتياز.  

الملفات