2026-09-14 12:42 ص

النهج الاجرامي المدمر للسعودية وقطر

2014-03-12
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
الازمة بين السعودية ودولة قطر ما زالت تتفاعل وهنالك تصعيد واضح من قبل الطرفين مقرونا بحدة التراشق والاتهامات من قبل الطرفين وتسعى السعودية الى حشد أكبر عدد ممكن من الدول العربية الى جانبها بهذا الشأن كما اتضح من خلال الاجتماع الأخير لجامعة الدول العربية لوزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة، وكذلك في الاجتماع الأخير لمجلس التعاون الخليجي. وقد فشلت الواسطة التي قام بها أمير الكويت لرأب الصدع الذي أصبح يهدد بالعصف بهذا المجلس ويمهد الطريق الى مزيد من التصدع والتفتت لدول الخليج الذي كنا قد أشرنا له في مقال سابق على صفحات المنار. والصراع بين المملكة العربية السعودية ودولة قطر ليس بالأمر الجديد، ولكنه بدأ يظهر الى السطح ويتطور منذ ما سمي "بالربيع العربي"، والتي لعبت فيه قطر بأميرها ووزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم دورا محوريا في تقديم الدعم المادي والإعلامي والسياسي لتنظيم الاخوان المسلمين في كل من مصر وتونس وليبيا وبالتعاون والتنسيق مع تركيا أردوغان ضمن منظومة وأطر متكاملة كانت تسعى لتسلم تنظيم الاخوان المسلمين سدة الحكم في هذه الدول وعلى أن تلحق بهم سوريا في مرحلة لاحقة وخاصة وان تقديراتهم بأن الدولة السورية ستسقط بسرعة اسوة بمبارك وزين الدين عابدين والقذافي. وكانت كل الخطوات التي أقدمت عليها قطر وتركيا تتم بالتنسيق الكامل وتحت اشراف الخارجية الامريكية والمخابرات المركزية الامريكية، حيث اتخذت الإدارة الامريكية سياسة خارجية معتمدة على التعامل مع تنظيم الاخوان المسلمين ودعمهم للوصول الى السلطة بعد أخذ التزام وتعهدات منهم بعدم التعرض لإسرائيل ولأمنها في المنطقة، ، وعلى أن تلتزم مصر بمعاهدة كامب ديفيد المشؤومة التي وقعت مع نظام السادات عما 1982، والتي أدت الى تكبيل مصر إقليميا وعربيا وخروجها من دائرة الصراع مع العدو الصهيوني، الى جانب المعاهدات والترتيبات الأمنية، للحفاظ على أمن الكيان العنصري. وكانت تصريحات العريان ومرسي في مصر تصب في هذا الاتجاه، الى جانب زيارة الغنوشي التي تم ترتيبها من قبل منظمة إيباك التي تشكل أكبر منظمة للوبي الصهيوني والاكبر نفوذا في الولايات المتحدة. ولقد تعهد الغنوشي في الخطاب الذي القاه في الاجتماع الذي تم التحضير له والاشراف عليه من قبل الإيباك بان حزبه سيعمل على تغيير الدستور التونسي بحيث لا يتضمن أي نص يشير للعداء للصهيونية ,انه سيعمل جاهدا لعملية التطبيع مع الكيان الصهيوني. ولعبت تركيا اردوغان دورا رئيسيا بإقناع الإدارة الامريكية على التعامل مع تنظيم الاخوان المسلمين وان هذه الدول ستتخذ من تركيا نموذجا للحكم وبالتالي لن يكون هنالك إشكاليات من تسلمهم الحكم. وكان أردوغان يطمح في ان ينصب السلطان العثماني الجديد في المنطقة وان تحقق تركيا مكاسب ومغانم اقتصادية وسياسية من وراء هذا المخطط. وشكلت تركيا وقطر رأس الحربة لهذا المشروع الشرق أوسطي الجديد، ولقد لعب المال القطري دورا مركزيا في هذا المشروع، وكان وزير الخارجية القطري يتصرف وكأنه يملك الشرق الأوسط وما عليه. واعتبرت السعودية ان تصرفات قطر هذه، ما هي الا تعدي على دورها ومكانتها ونفوذها في المنطقة وتأثيرها وعلاقاتها الاقليمية والدولية، وخاصة علاقاتها مع الولايات المتحدة. ولكن الذي يبدو أن الولايات المتحدة أرادت لقطر أن تلعب هذا الدور في المنطقة لأنها كانت تراهن على استلام الاخوان المسلمين الدفة السياسية في المنطقة، وكانت على دراية تامة بموقف السعودية الرافض للتعامل مع تنظيم الاخوان المسلمين، واعتبارهم تنظيما يهدد أمن المملكة، فما بالك في عملية تأييدهم ودعمهم للاستيلاء على السلطة في بعض الدول العربية الوازنة مثل مصر. السعودية كانت وما زالت تنظر الى تنظيم الاخوان المسلمين على أنه تنظيما يشكل خطرا وجوديا على العائلة الحاكمة في السعودية، ومن هنا اتى المرسوم الملكي السعودي الي اعتبر التنظيم تنظيما إرهابيا الى جانب جبهة النصرة ودولة الإسلام في العراق والشام والحوثيون في اليمن، وأصدرت قرارا يمنع دخول الاخوان المسلمين الى المملكة. والذي يبدو أن هذه رسالة موجهة ليس فقط الى قطر وحدها، بل الى دول الخليج بأسرها، والأكثر من ذلك فإنها موجهة للرئيس أوباما الذي سيقوم بزيارة السعودية قريبا، بعد ان فشلت زيارات وزير الخارجية جون كيري لتلطيف الأجواء بعد الغضب السعودي على الإدارة الامريكية لعدم شن الهجوم على الدولة السورية، بعد ان حشدت اساطيلها أمام السواحل السورية، الى جانب المباحثات السرية مع ايران والتي انتهت بتوقيع الاتفاقية بين الدول الست الكبرى وايران حول برنامجها النووي، الذي أدى الى حالة من الهستيريا والهلع في السياسة الخارجية السعودية والقيام بتبني سياسات متهورة غير محسوبة النتائج والابعاد وخاصة في التعامل مع الملف السوري حيث أفضت السياسات التي اتبعتها السعودية بعد تسلم الملف السوري من قطر الى زيادة حدة وحجم الارهاب على الساحة السورية والتي بات يهدد أمن الدول الأوروبية والخليج والمغرب العربي على وجه الخصوص بعد أن بدأ البعض من العناصر الإرهابية التي قدمت من هذه البلدان بالعودة الى ديارها. كان من الواضح منذ البداية أن قطر لم تأخذ بعين الاعتبار المخاوف السعودية من الاخوان المسلمين، كما انها لم تعير اية انتباه للامتعاض السعودي من تحركاتها في المنطقة التي فاقت كل التصورات والتوقعات. وربما كان هذا نابعا من مرتكزين أساسيين: أولهما هو الرهان على ان الموقف الأمريكي لن يتغير بما يخص التحالف والتعاون مع تنظيم الاخوان المسلمين لما لهذا التيار تأثيرعلى الشارع العربي إذا ما قورن ببقية القوى، ولا شك ان هذه المقولة كانت تجانب الحقيقة قبل افتضاح أمر التنظيم وأهدافه وسياساته سواء على النطاق الاجتماعي أو الاقتصادي والطبيعة الفئوية والاستئثار بالسلطة وسياسة اقصاء الغير، واستعداده لاستخدام العنف لتحقيق مآربه. كما راهنت قطر على إمكانية نجاح مخطط الإسلام السياسي في المنطقة وعلى اسقاط الدولة السورية بفترة زمنية بسيطة واستيلاء الاخوان المسلمين على الحكم فيها. وتراءى لها أن التحالف بينها أي قطر وتركيا ومصر الاخوانية وسوريا وتونس النهضوية سيشكل قوة وازنة في منطقة الشرق الأوسط، وان تحقيقه امرا ممكنا. ولذلك اندفعت قطر بكل ما اوتيت من قوة وقامت بتوظيف وتسخير امكانياتها المالية الضخمة والسياسية والإعلامية وخاصة "قناة الجزيرة" وحفنة منتقاة من الكتاب والمحللين المرتزقة أمثال د.عزمي بشارة والداعية خادم السلطان الشيخ القرضاوي، ومستغلة الشعبية التي اكتسبتها "قناة الجزيرة" والتي على ما يبدو عمل عليها لسنوات بشكل مكار وخبيث، قبل افتضاح أمرها كقناة فضائية مختصة بتزوير الحقائق وتلفيق الاتهامات وفبركة الاخبار، وقناة داعية للفتنة المذهبية. وعملت قطر على اقناع قيادة حماس بترك دمشق وفتح مكاتب لها في الدوحة واغدقت عليها الأموال وقام أميرها بزيارة غزة ووعد بتقديم الدعم المالي للعديد من المشاريع وإعادة اعمار غزة. ولم تلتفت قطر بأميرها أو وزير خارجيتها الى الوراء واندفعا برعونة وثقة، الا ان بدأت الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فسقط حلم مخطط الإسلام السياسي بسقوط حكم الاخوان المسلمين بمصر مهد التنظيم وكنا قد ناقشنا هذا في ثلاثة مقالات سابقة من على صفحات المنار. وصمدت سوريا الشعب والجيش والقيادة، هذا الثالوث المقدس الذي أسقط كل المؤامرات ووقف سدا منيعا ليحبط أهدافها ومخططاتها الكونية. وكان من الطبيعي أن يذهب امير قطر ووزير خارجيته بعملية جراحية أمريكية للحكم في قطر، بعد فشلهم الذريع بالوعود التي قطعوها للراعي الأمريكي. وجيء بالابن الشيخ تميم الذي أطلق بعض التصريحات فهم منها أن قطر قد تكون مقبلة على تغيير في سياساتها الخارجية ولكن هذه الانطباعات سرعان ما تبددت، فدعمها لتنظيم الاخوان المسلمين في مصر واليمن وغيرها من الدول لم يتغير، واتهمتها السعودية بتمويل مجموعات داخل السعودية لزعزعة الامن والاستقرار فيها، كما انها تقوم بدفع أموال للمعارضة السعودية في الخارج، واستخدام "قناة الجزيرة" للتحريض ضد السعودية. وصعدت السعودية من حملاتها الإعلامية والسياسية مؤخرا ضد قطر وجاء سحب سفراء السعودية والامارات والبحرين من قطر ليشكل صفعة قوية لقطر ومحاولة جدية لعزلها خليجيا من خلال "مجلس التعاون الخليجي" وعربيا من خلال "الجامعة العربية" التي أصبحت مطية للدول الخليجية منذ أن شرعنة الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وعدوان قوات الناتو على ليبيا والتآمر على سوريا والتقدم الى مجلس الامن في الأمم المتحدة بطلب تطبيق البند السابع، بمعنى إجازة العدوان العسكري على سوريا. بالإضافة الى ذلك اعتبار الجسم المسخ المسمى بالائتلاف المعارض صنيعة السعودية وأمريكا، الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري، واعطاءه صفة تمثيلية ليشغل تمثيل سوريا في الجامعة وكذلك في مؤتمر القمة العربية القادم والذي سيعقد في الكويت. وتكتسب عملية سحب سفراء الخليجيين من الدوحة دلالة في توقيتها، حيث يراها العديد من المراقبين أنها رسالة واضحة للإدارة الامريكية قبل الزيارة القادمة للرئيس أوباما، مفادها ان السعودية هي البوابة الوحيدة للخليج ويجدر على الإدارة الامريكية ان تتفهم ذلك وتتصرف من هذا المنطلق. وهذا طبعا مزيدا من عزلة قطر. ولقد ذهبت السعودية الى التهديد بإغلاق المجالات البرية والجوية والبحرية لدولة قطر، هذا الى جانب إطلاق حملة إعلامية مكثفة ومبرمجة سعودية ضد قطر. وربما المساعي القطرية مؤخرا التي ساهمة في إطلاق سراح الراهبات اللواتي اختطفن من معلولا السورية هو محاولة لإثبات ان قطر ما زالت فاعلة في الساحة السورية، وربما أن هذا قد يشكل استدارة قطرية تحاول قطر من خلالها كسب ود الدولة السورية ومحور المقاومة بشكل عام. ولا يفوتنا التنويه هنا ان مخطوفي اعزاز الذين أطلق سراحهم قبل فترة وكذلك الراهبات قد تم اختطافهم ربما بأوامر قطرية وأطلق سراحهم بوساطة قطرية، بمعنى ان إطلاق سراحهم يجب أن لا يعفي قطر من مسؤوليتها عن الخطف. وقطر تحاول ان تكسب ود إيران في المرحلة الحالية للإقلال من عزلتها الخليجية. يبقى السؤال المطروح هل ستؤدي الصراعات بين السعودية وقطر الى مزيد من زعزعة الأوضاع في الخليج العربي؟ هل ستشهد بعض الدول الخليجية تفجيرات إرهابية وخاصة وان كلا البلدين السعودية وقطر قد عملوا على بناء مجموعات إرهابية تأتمر بأمرهم في الداخل السوري؟ هل ما يدور على الساحة المصرية من صراع بين قطر والسعودية سيؤدي الى مزيد من تأجيج الوضع الداخلي المصري، ليصبح شبيها بالوضع العراقي؟ وماذا ستكون ارتدادات هذا الصراع عما يدور في اليمن وغيرها؟ المصيبة ان كل منهما يمتلك من المقومات والامكانيات التي من خلالها يستطيع الحاق الأذى بالآخر سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي، ويبقى الانسان العادي هو الذي يدفع ثمن النهج المدمر والاجرامي الذي تنتهجه كلا الدولتين.

الملفات