2026-09-14 01:55 ص

العربدة والتهديدات الامريكية

2014-03-06
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
تتصاعد لغة التهديد والوعيد من قبل الإدارة الامريكية لروسيا مع تصاعد الاحداث في اوكرانيا وتزايد احتمالات تقسيمها في حالة عدم ايجاد مخرج للازمة التي أوجدتها وصعدتها بالأساس الادارة الامريكية، وذلك بتحريض المعارضة التي صنعتها على مدى السنوات السايقة، على رفض الاتفاقية التي وقعتها هذه المعارضة مع حكومة يانوكوفيتش والتي رعاها الاتحاد الاوربي الذي أرسل ثلاثة من وزراء خارجيته لهذا الغرض، وسيطرة المعارضة التي تشكل القوى الفاشية والنازيون الجدد على جزء كبير منها على السلطة، والذي ادى الى التدخل الروسي لحماية السكان وقاعدتها البحرية في شبه جزيرة القرم، وهي بالأساس كانت جزءا من روسيا وقد اقتطعت منه عام 1952 وضمت الى اوكرانيا في عهد الرئيس السوفياتي خروتشوف كما هو الحال ايضا للمنطقة الشرقية لأوكرانيا. وما زالت روسيا تعترف بيانوكوفيتش رئيسا للبلاد الذي طلب رسميا من روسيا للتدخل لحماية الاوكرانيون من القوى الفاشية والنازيين الجدد وخاصة بعد عمليات الاعتداءات التي حصلت في عدة مناطق في اوكرانيا الغربية حيث تتواجد المعارضة بكثافة. ولا شك ان روسيا لها مصالح جيو-سياسية واستراتيجية في اوكرانيا ولا يمكنها ان تتخلى عن ذلك وخاصة القواعد البحرية المتواجدة في شبه جزيرة قرم والتي بحسب المعاهدات الموقعة مع أوكرانيا يحق لها بالتواجد فيها لعام 2042. كما وأن ما يقرب من ثلث صادرات الغاز الروسي الى دول الاتحاد الأوروبي تمر عبر الأراضي الأوكرانية. وكلا البلدين لهما مصالح مشتركة وخاصة الاقتصادية منها فروسيا تزود أوكرانيا بالغاز الطبيعي بأسعار منخفضة تصل الى أقل من 33% من الاسعار التي تزود بها بقية الدول الأوروبية. كما ان 40% من صادرات أوكرانيا تذهب الى روسيا. وهنالك ما يقرب من 2 مليون اوكراني يعملون في روسيا ويقومون بتحويل قسم كبير من الاجور التي يتقاضونها الى اوكرانيا. وقد قامت روسيا بتقديم قروض ومساعدات الى أوكرانيا مؤخرا بما قيمته 15 مليار دولار، دون شروط او قيود. هذا في الوقت الذي رفض فيه الاتحاد الأوروبي وكذلك البنك الدولي اقراض أوكرانيا الا اذا استجابت لشروط قاسية تضمنت إعادة هيكلة الاقتصاد وتخفيض الأجور والدفعات التقاعدية ورفع أسعار الغاز والبترول وزيادة الضرائب واتباع سياسة تقشفية قاسية تضر بمصالح قطاعات كبيرة من السكان، والى ما غيرها من الشروط التي كان من الممكن ان تقيم تحركات شعبية عارمة في البلاد بغض النظر عن من هم في الحكومة، وما حدث في اليونان أكبر دليل على هذا. وامريكا التي قامت وتقوم بتصنيع المعارضات كما هو الحال في فنزويلا وأوكرانيا وسوريا وغيرها من الدول سابقا ولاحقا، وخاصة في الدول التي لا تنضوي تحت مظلتها وتأتمر بأمرها وتلعب دور الأداة المنفذة للحفاظ على المصالح الامريكية بالدرجة الأولى، هذه الادارة كغيرها من الإدارات لا تفهم الا لغة التهديد والوعيد علها تحقق من خلالها مآربها، وفي حالة أوكرانيا فان هذا يتمثل في احاطة روسيا بقواعد الناتو التي تقيمها على جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة مثل بولندا ورومانيا وغيرها لمنع التمدد السوفياتي في منطقة أوراسيا والدول الاسيوية، الى جانب محاولة تحجيم دوره على الساحة العالمية الاخذ بالنمو ولجم العنتريات والعنجهية الامريكية لفرض ارادتها على الدول الضعيفة والعمل على تغيير الأنظمة الغير موالية لها أين ومتى يحلوا لها. واليوم تقوم الإدارة الامريكية لتهدد روسيا بالعقوبات السياسية منها والاقتصادية لموقفها من أوكرانيا. والذي يبدو أن أمريكا ما زالت تتصرف وكأنها تملك العالم وهي التي تحدد بوصلته وتتحكم في مصائر البشر وتتعامل برعونة ممجوجة واستعلاء مقيت مع بقية العالم. وربما هذا ما استدعى ردة الفعل القوية من الرئيس بوتين الذي قال في لقاء مفتوح مع العديد من الصحفيين الروس والأجانب في موسكو، بان من يدرس فرض عقوبات على روسيا عليه أن التفكير بالضرر الذي سيلحق به، فالعالم مترابط والخسارة متبادلة، وانه فيما إذا أقدمت الولايات المتحدة على تطبيق اية عقوبات على روسيا فان هذا سيؤدي الى إنهيار النظام المالي العالمي. وقام بدوره بالتهديد بان روسيا لن تدفع الديون المترتبة عليها للولايات المتحدة بالإضافة الى أنها ستسقط الدولار من احتياطاتها الأجنبية. والذي يبدو أن دول البريكس التي تشكل كتلة اقتصادية وسياسية وازنة على الساحة الدولية ستذهب بهذا الطريق أو ستهدد به، وقد فكرت بعض دول البريكس منذ فترة في ادخال عملات أخرى في التعاملات الدولية وكسر احتكار الدولار في هذا المجال. ولا شك ان الولايات المتحدة تأخذ هذا على محمل الجد وخاصة أن عدد من الدول أصبحت اما تنادي جهارة أو تفكر بضرورة ذلك، لكسر هذه الهيمنة الامريكية وخاصة في الزمن الذي نرى فيه التراجع الأمريكي الواضح وخاصة على المستوى الاقتصادي. أما الدول الأوروبية فإنها بالمجمل على ما يبدو لا تريد أن تتبنى المجرى التصادمي مع الكرملين الذي تنحى اليه أمريكا، فهي تعلم علم اليقين ما يمكن أن تسببه روسيا اليها وهي التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الغاز الروسي الي يغطي حوالي 30% من احتياجاتها وان حولي ثلثي هذه الكميات تأتي عبر أنابيب تمر بالأراضي الأوكرانية. هذا بالإضافة الى حجم التبادل التجاري مع روسيا والذي يبلغ ما يقارب من 170 مليار دولار سنويا. من الواضح أن الولايات المتحدة لم يرق لهل الدور الأوربي في أوكرانيا وخاصة في التوسط ورعاية المفاوضات بين المعارضة في الميدان وحكومة يانوكوفيتش والتي تمخضت عن الاتفاقية التي وقعت بينهما لإيجاد مخرج من الازمة، فكان أن اوعزت وشجعت المعارضة المتطرفة بالتصعيد مما أدى الى الخروج عن الاتفاق وما الت اليه الأحوال والأجواء المتوترة والخطيرة الان واحتمالات تقسيم أوكرانيا. لم تحترم الإدارة الامريكية حلفائها الأوروبيين وهذه ليست المرة الأولى التي تبدي الولايات المتحدة امتعاضها من الدور الأوروبي الحذر والغير تصادمي مع الغير وذلك للحفاظ على مصالحها. وذهبت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي فيكتوريا نولاند باستخدام عبارات بذيئة للغاية في مكالمتها الهاتفية مع السفير الأمريكي في كييف حول المجهودات التي كان يقوم بها الاتحاد الأوروبي لحل الازمة في أوكرانيا. الواضح ان إدارة أوباما وان بدت بالشكل مختلفة نسبيا عن الارعن بوش الابن فهي في المضمون لا تختلف كثيرا باستخدامها المبدأ الذي رفعه بوش الابن "من ليس معنا فهو ضدنا" فالولايات المتحدة لن ترضى غير الرضوخ التام لمشيئتها ولا تتوانى حتى على التنصت والتجسس على المكالمات الهاتفية لحلفائها الأوروبيين. فهل يصحى الأوروبيين يوما ويرفضون هذه التبعية الكاملة للولايات المتحدة والتي تضرب حتى بمصالحهم الاستراتيجية وخاصة أمنهم الاقتصادي وأمن الطاقة، أم يبقوا على هذا الموقف الخجول ويدفعون الثمن بتوريطهم واستخدام حلف الناتو لتحقيق المآرب الامريكية ويخوضون المعارك بالنيابة عن أمريكا كما كان الحل في أفغانستان وغيرها؟ رحم الله المفكر العالمي البرفسور ادوارد سعيد الذي كان يستهجن المواقف التابعة والخجولة للدول الأوروبية وهي صاحبة الحضارة وعصر التنوير والتاريخ العريق ورائدة الفكر الديمقراطي.