2026-09-13 11:38 م

معروف سعد رمز النضال القومي ..

2014-03-03
بقلم : عباس الجمعة
تحل ذكرى اغتيال الزعيم الشعبي القومي الناصري ، اللبناني والعربي معروف سعد، ابن مدينة صيدا عروس الجنوب وعاصمة مقاومتها الوطنية. ففي السادس والعشرون من شباط 1975 امتدت يد الغدر لتطلق رصاصاتها على جسد معروف سعد مما ادى الى اعلان استشهاده يوم السادس من آذار / مارس 1975 .
اتذكر اليوم التحرك الشعبي لصيادي الاسماك المحتجون على قرار رئيس الحكومة الاسبق كميل شمعون التي قررت احتكار الصيد لصالح شركة "بروتين"، والتي كان الرئيس شمعون ومعه بعض رجال السلطة يملكون معظم اسهمها، وكانت تلك الحادثة بمثابة الشرارة التي اشتعلت ببطء ، لتنفجر بعدها باسابيع قليلة ، الحرب الأهلية المدمرة والمريرة التي عاشها لبنان ودفع ثمنها مع المخيمات الفلسطينية.
ان تاريخ معروف سعد أكبر وأعظم وأسمى من كل الكتابات فهو التاريخ المشرف لقائد قومي كبير خاض النضال من اجل فلسطين وقاتل على ارضها ، فكان البركان الثائر .
من خلال مشاركته سنة 1936 في المقاومة الوطنية ضد مخططات الانتداب البريطاني في فلسطين، حيث كان الاتصال يتم بينه وبين مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني. ساهم مع مجموعة من اللبنانيين في شراء كمية من الاسلحة نقلها بنفسه من مرفأ صيدا الى فلسطين. ثم سافر الى مصر حيث عمل على انشاء مجموعات مقاومة للدخول في حرب فلسطين ضد العصابات اليهودية الصهيونية. وشارك مع اخوانه ورفاقه العرب والفلسطينيين في معارك المالكية ، قدس ، الهراوي ، النبي يوشع. ومعروف أن الصهاينة تكبدوا خسائر كبيرة في معركة المالكية.
بعد دخوله البرلمان اللبناني ، حمل قضايا الجماهير الشعبية والفقراء والصيادين والمزارعين والعمال، فأخذت السلطة تحاربه بشتى الوسائل كي تسقطه في الانتخابات النيابية، لكن محاولاتها باءت بالفشل، مما حدا بخصومه السياسيين للاعتراف بأن النيابة كانت تزحف نحو معروف سعد ولم يزحف هو اليها، وفي هذا دليل على صدق الرجل ومحبة الجماهير له.
انتخب رئيساً لبلدية صيدا واستمر في المنصب من سنة 1963 حتى   1973 ،اشتهر معروف بصدقه، أمانته، طيبة قلبه، وتضحيته المثالية في سبيل شعبه. كان شعبياً، خادماً لمطالب الناس. وبالرغم من شجاعته وقوته، لم يفرق بين انسان وآخر بحجة شعار ما أو مكسب شخصي.
وامام ما تقدم كان المناضل معروف سعد الانسان التواق والعاشق دوما للحرية ، الذي حمل منجل ليجابه الموت والدكتاتورية والظلم والاضهاد بحق الفقراء والعمال ، وشارك   وصار في المسيرات الشعبية ،  حتى اغتالوا جسده ولم يغتالوا نهجه وفكرة الراسخ في عقول الصيداوين واللبنانين الذي خرجوا ليؤكدوا ان استشهاده يوزع رائحة الفل والعنبر  المنبعثة من الحرية على بيوت الاحرار الذي عاشوا تحت سطوة القهر ،فكان السادس عنوان النضال بين اللبنانين وعشقهم المتمثل بالحرية .
كان له كغيرة من احرار لبنان إلا ان يدخل معترك الحياة  السياسية  ليكون على بعد مرمى حجر من الظلم المركب،الذي بدت تظهر ملامحة في لبنان نتيجة الحرب الاهلية ، وكانت شريعة الغاب التي لا تقبل القسمة ، حيث اراد البعض اخذ لبنان باتجاه مجهول ، فكانت الحركة الوطنية اللبنانية التي واجهت المخاطر .
معروف سعد بالمناسبة هو شهيد فلسطين  وشهيد لبنان وايضا شهيد   العرب ككل وكل بيوت  الفقراء ، مناضلٌ من الزمن الماضي الجميل ، مناضلٌ بكل ما للكلمة من معنى ، فكان مؤمنا بشراكة الدم ، وباستشهاده رسم مسيرة واحدة بفكره القومي ، حتى تشكل هذه الظاهرة النوعية في تاريخ الشعوب العربية تجسيداً حياً للمعاني الكفاحية في النضال من اجل تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي، وواجباً وطنياً وثورياً التزمه المناضلون الذين شقوا طريقً الكفاح وبنوا صرحاً من البطولات اثمرت اول انتصار عربي على العدو الاسرائيلي، ورسموا فيه اسلوباً جديداً في النضال وما زالت العيون شاخصة باتجاه تحرير فلسطين والاراضي العربية المحتلة .
لم أجد صعوبة في الكتابة مثلما اجد الان وأنا أحاول الكتابة عن القائد القومي معروف سعد ، رغم إنني كتبت من قبل عن معظم القادة الشهداء ، كمال جنبلاط وجورج حاوي وسيد المقاومة عباس الموسوي وقائد الانتصارين عماد مغنية ورمز الجنوب محمد سعد ورمز فلسطين وقائد مسيرتها ياسر عرفات وفارس فلسطين ابو العباس وحكيم الثورة جورج حبش ورمز الانتفاضة ابو علي مصطفى وشهيد الاستقلال طلعت يعقوب وضمير فلسطين ابو احمد حلب وامير الشهداء ابو جهاد الوزير ،  والشيخ الجليل احمد ياسين ، والرمز الجهادي فتحي الشقاقي ،وزيتونة فلسطين ابو عدنان قيسى ، وعملاق القدس سمير غوشه ،والعديد من القادة الشهداء الذين وهبوا انفسهم لحرية الاوطان وتحرير الارض والانسان ، فلم تنتابني الحيرة التي وجدت نفسي أغرق في أمواجها أمام الشهيد معروف سعد هذا القائد الذي قدم حياته وعائلته في سبيل الدفاع عن القضية القومية، حيث شكلت سيرته المليئة بالمؤثرات منها التاريخيه ، ومنها النضاليه ، ومنها الإنسانيه نموذجا هاما لكل المناضلين.
معروف سعد  ابن لبنان وفلسطين وابن العروبة الذي حمل فكر الرئيس الخالد جمال عبد الناصر وشعاره ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ، معروف سعد صفحة من المجد، والتضحيه، حمل امانتها الشهيد الكبير رمز المقاومة مصطفى سعد، الذي كان دائما يقول ان  قضية فلسطين القضية المركزية للأمة العربية .
إن ثبات التنظيم الشعبي الناصري الذي يحمل ارث شهدائه القادة اليوم الدكتور اسامة سعد يؤكد على استمرار الأجيال بحمل امانة من ناضل من اجله معروف سعد، حتى لا تفقد البوصلة وتذهب بالاتجاهات المعادية لحركة التاريخ وحركة الشعوب المتطلعة إلى العدالة والحرية والديمقراطية.
ان ذكرى معروف سعد  تثبت أن لبنان كان أكثر الاشقاء العرب التزاماً للقضية الفلسطينية ، وتميزت العلاقة مع الاحزاب والقوى الوطنية اللبنانية ، حيث تحمل لبنان من العدو ومن العالم الكثير في هذا الصدد، لا سيما أبناء الجنوب، فقد احتضنوا الثورة الفلسطينية، ولعبت الاحزاب والقوى الوطنية اللبنانية وكانت اقوال معروف سعد تشكل نموذجا للشعب الفلسطيني ، حيث رسمت هذه العلاقة هي علاقة تلاحم امتزج فيها الدم الفلسطيني واللبناني، وتحملوا اكثر من  أي بقعة في العالم العربي، أعباء هذه القضية ، وما زالت القضية الفلسطينية هي في عمق وصلب برامج وسياسة التنظيم الشعبي الناصري وكافة الاحزاب والقوى الوطنية اللبنانية.  
ان انطلاقة شرارة الثورة الفلسطينية عام 1965 ، شكلت لدى معروف سعد نقطة تحول هامة في مسيرة النضال القومي  فكان الكثير من اللبنانيين الذين انضموا الى الثورة الفلسطينية ونحن نتذكر الشهيد الاول في لبنان، خليل عز الدين الجمل، أول شهيد لبناني يسقط في صفوف الثورة الفلسطينية خلال مواجهة وقعت ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة الأغوار في الأردن ، كيف خرج كل لبنان يودع الشهيد الجمل، ليؤكد على الانتماء والهم الواحد ، كما كانت قوافل الشهداء من ابناء الشعب اللبناني الشقيق الى جانب قوافل شهداء الثورة، الذين قاتلوا وشاركوا في العمليات البطولية للثورة الفلسطينية بكافة فصائلها ، علينا ان نحفر ذلك في واقعنا وتاريخنا الواحد، ولكن  التدخلات الخارجية التي هي امتداد لمحاولات التجزئة واشاعة الفتن في المنطقة لعبت دور في محاولة شرخ وحدتنا وقوتنا، كل المشاكل التي واجهناها في الساحة اللبنانية لم تكن وليدة الرغبة اللبنانية او الفلسطينية، انما التدخلات الاقليمية كانت العامل الاساس الحاسم في وجودها.
ان الشعب الفلسطيني الذي عانى مرارة اللجوء والشتات ودفع ضريبة الدم من اجل تحقيق اهدافه في العودة الى بيوته واملاكه ودياره ستبقى وجهته فلسطين ارض الاباء والاجداد مهما طال الزمن وتباعدت المسافات ، فالشعب الفلسطيني سيبقى وفيا لصيدا بوابة الجنوب مهما بدت الظروف الصعبة والمظلمة ، وسيبقى حريص على خيار المقاومة وحقه المقدس الفردي والجماعي، بالعودة ، ولا يمكن ان يسمح ابدا باي استغلال للمخيمات تندرج في اتون الفتنة ، وهذا ما نراه من خلال الرؤية الموحدة للفصائل بعدم الدخول في التجاذبات اللبنانية، وتعزيز العلاقات بين المخيمات والجوار اللبناني ومع كافة القوى الوطنية اللبنانية ، والعلاقة بين المقاومتين اللبنانية والفلسطينية .
ومن هنا تأتي ذكرى القائد القومي معروف سعد في مرحلة خطيرة، تمكر بها المنطقة، عنوانها الرئيسي المواجهة بين الإمبريالية الأميركية ومشروعها من جهة وبين طموحات الشعوب العربية في التحرر والسيادة والحرية والعدالة، مرحلة تلعب فيها بعض الدول العربية دور التابع المنفذ ، وتلعب فيه القوى الإرهابية والتكفيرية دور رئيسي لتنفيذ المشروع الامريكي الصهيوني الهادف لتفتيت الشعوب  الى كانتونات طائفية ومذهبية، ويترافق كل ذلك مع مشروع الادارة الامريكية الذي يحمله كيري  بهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر المفاوضات على الفلسطينيين للتسليم بشروط الاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية، مما يشكل إلغاء ليس لحق العودة للشعب الفلسطيني الى دياره  ، في الوقت الذي  يستمر الانقسام الفلسطيني،  الامر الذي  يستدعي من الجميع استنهاض طاقات الشعب الفلسطيني من اجل  انهاء الانقسام ورسم استراتيجية كفاحية تستند للمقاومة بكافة اشكالها ومواجهة المشروع الامريكي الصهيوني .
ختاما : لقد اعطى القائد الشهيد معروف سعد الكثير من اجل القضايا القومية ومن اجل الفقراء ، قدم الشهيد حياته فداء للفقراء والأمة بعد ان تم اغتياله برصاص الغدر.. هذه الرصاصات كان الهدف منها اغتيال المشروع الذي كان يحمله الشهيد معروف سعد الا أنهم لم يتمكنوا من اغتيال فكره ومواقفه ومشروعه القومي الذي حلم به لانه ينبع من أعماق الشعب العربي ووعيه، ونحن على ثقة بان رفاقه سيكملون المسيره وكلهم مشاريع شهادة من أجل الوقوف مع المشروع القومي الأمل و سيفشل المشروع الامريكي الصهيوني.
كاتب سياسي

الملفات