بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح في المشهد الاوكراني وذلك بعدما استولى الشارع على السلطة وهروب الرئيس المنتخب فيكتور يانوكوفيتش الى شرقي البلاد ومن ثم الى موسكو كما تناولته بعض الوسائل الإعلامية، وذلك بعد الخروج عن بنود الاتفاق الذي رعاه وزراء خارجية ثلاثة دول أوروبية وهي بولندا، وألمانيا وفرنسا بين الحكومة الأوكرانية والمعارضة بكل اطيافها التي تواجدت في الميدان، وذلك بالاستيلاء على المراكز الحكومية ومبنى البرلمان وبالتالي الاستيلاء على السلطة، بدعم وتشجيع من الإدارة الامريكية الذي ارتأت أن الدول الأوروبية لم تمتلك بالمعيار الأمريكي سياسة تصادمية كافية بشان العقوبات على أوكرانيا قبل الاستيلاء على السلطة، الى جانب انها لم تكن راضية عن الاتفاقية التي وقعت بين الحكومة والمعارضة لمرحلة انتقالية يتم فيها مشاركة المعارضة في السلطة يتبعها التحضير لانتخابات مبكرة للرئاسة.
والسؤال هو، هل الاستيلاء على السلطة من قبل المعارضة أحدث تغيرا في واقع الحال في أوكرانيا أو في نظرة العالم الى أوكرانيا؟ هنالك الكثير من المعطيات والحقائق الموضوعية التي تتواجد على الساحة الأوكرانية أو العلاقة مع محيطها الجغرافي والدولي التي تشير بكل وضوح أنه لم يطرأ أي تغيير في واقع الحال الان ومن المرجح في تصوري أن ما حصل لن يحدث أي تغيير على واقع الحال في المستقبل القريب، الا إذا حصلت تطورات دراماتيكية سريعة كأن يحصل تدخل عسكري روسي كما حصل في جورجيا، مما يؤدي الى تقسيم أوكرانيا الى قسمين شرقية وغربية. ويبقى هذا احتمال قائم ومعتمدا على كيفية تطور الأمور في الأيام القريبة القادمة. ودعوة الرئيس بوتن الجيش بإجراء مناورات عسكرية مفاجئة بالقرب من الحدود الاوكرانية قد توحي بأن موسكو لم تبعد هذا الخيار عن بالها فيما إذا ارتأت أن أمنها القومي قد يصبح مهددا نتيجة أية تطورات غير متوقعة على الساحة الأوكرانية.
أولى هذه الحقائق في الداخل الاوكراني هو الانقسام الحاد نسبيا بين طرفي البلاد الشرقي والغربي. فالطرف الشرقي الصناعي تربطه علاقات اقتصادية عميقة مع روسيا وعبر سنوات طويلة ومعظم السكان في هذا الجزء يتحدثون اللغة الروسية. وكذلك الجزء الجنوبي شبه جزيرة القرم فانه تاريخيا كان جزءا من الاتحاد السوفياتي، واقتطعه الرئيس نيكيتا خروتشوف عام 1954 من روسيا وضمه الى أوكرانيا وبالتالي فهم اثنيا روس يتحدثون اللغة الروسية وتربطهم أواصر ثقافية وعادات وتقاليد مع روسيا، ويرون مستقبلهم بتمتين العلاقة مع روسيا، ولا يعتبرون ان ما جرى في كييف يمثلهم على الاطلاق .ولعل أكبر دليل على ذلك التحركات الشعبية التي شهدها هذا الجزء قبل يوم ورفع الاعلام الروسية على المباني الحكومية. اما غربي البلاد الزراعي بطبيعته، ففيه أغلبية تريد الانضمام الى عملية شراكة مع الدول الاوربية حيث يرى مستقبله كجزء من أوروبا الغربية.
اما ثاني هذه الحقائق فهي أن اوكرانيا دولة على شفا هاوية اعلان الإفلاس لعدم قدرتها على سداد ديونها الخارجية نظرا لوضعها الاقتصادي المتردي وتفشي الفساد في أجهزة الدولة وسيطرة حفنة من الأغنياء(الاوليغاركية) على مقدرات البلاد وسيطرتهم الكاملة على الوضع السياسي والاقتصادي ودور الاعلام والقضاء وغيرها. ولقد لعبت هذه الفئة دورا في تصعيد الموقف واستيلاء المعارضة على السلطة ونقد الاتفاقية الموقعة مع الحكومة، وذلك على أثر التهديدات المباشرة من قبل الولايات المتحدة للبعض منهم، بان املاكهم في الخارج من الممكن أن تصادر وسيتعرضون الى المقاطعة الاقتصادية في حالة تدخل الجيش والشرطة لقمع المتظاهرين. ولقد لعب البعض منهم دورا في انسحاب واستقالة أكثر من 40 نائبا في البرلمان الاوكراني من الحزب الحاكم، مما قلب الأغلبية في البرلمان لصالح المعارضة التي صوتت بعزل الرئيس فيكتور يانوكوفيتش والالتفاف على الدستور واقالة رئيس الوزراء وتكوين حكومة مؤقتة جديدة. ومع هذا فان بعض رجال الاعمال الأثرياء يرون ان في انضمام أوكرانيا الى الاتحاد الاوروبي خسارة كبيرة لهم ويفضلون الانضمام الى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي يضم روسيا وبيلاروس وكازخستان.
وثالثا وبناءا على التمايز المناطقي في الجغرافيا الأوكرانية العرقية والولاءات السياسية والاقتصادية، الى جانب التمايز بين المجموعات التي تواجدت في الميدان والتي ضمت أطياف سياسية من قوى فاشية والنازيين الجدد الى القوى الليبرالية ذات رؤى واهداف وتطلعات اجتماعية وسياسية متباعدة، جمعتهم لحظة الغضب على نظام الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش، يطرح سؤالين أساسيين كما يقول جورج فريدمان من معهد سترافورد للأبحاث الاستخباراتية والاستراتيجية . أولهما ما إذا كان هنالك وحدة كافية داخل البرلمان الاوكراني لتشكيل حكومة؟ والثاني هل ستبقى أوكرانيا موحدة؟ وهذه أسئلة مشروعة وهامة جدا.
ومما لا شك فيه انه وبعد أن تحقق الهدف الوحيد الذي جمع القوى المتنافرة اجتماعيا وسياسيا في الميدان في اسقاط الحكومة وعزل الرئيس السابق لا بد أن تظهر الخلافات على السطح وربما بشدة، وهنالك تخوف كبير من عدة أطراف على بروز القوى الفاشية والنازيون الجدد ووصولها الى البرلمان وبقوة. أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني فان الواضح لغاية الان على الأقل بأن مصالح المنطقة الشرقية والجنوبية للبلاد لم يؤخذ بعين الاعتبار في المباحثات التي دارت بين وزراء الخارجية الاوروبيون ومعارضة الميدان، ليس هذا فحسب بل ان البرلمان الذي أصبح رهينة قد اتخذ إجراءات بمنع أي استخدام للغة الروسية كلغة رسمية في أوكرانيا، وهذا عداء واضح للمناطق الجنوبية والشرقية التي كانت جزءا من روسيا أصلا لأكثر من 200 عام. ولن نستغرب فيما إذا قامت هذه المناطق بطلب الحماية الروسية اذا ما شعرت بالغبن وعدم الاخذ بعين الاعتبار مصالحها الاقتصادية والسياسية في أي وضع مستقبلي لأوكرانيا، والذي قد يؤدي الى عملية الانفصال وتقسيم البلاد.
أما بالنسبة الى علاقة أوكرانيا بمحيطها فيجب التنويه على علاقاتها مع روسيا من جانب والدول الأوروبية من الجانب
الاخر. اما بالنسبة لروسيا فان أوكرانيا تعتمد اعتمادا كاملا على الحصول على الغاز الطبيعي من روسيا وبأسعار تفضيلية
ومخفضة وقد وقعت اتفاقية مع روسيا بهذا الشأن مع بداية الاحداث، كما ان روسيا تستخدم الأراضي الأوكرانية لإمداد
أوروبا بالغاز الطبيعي. وضمن الاتفاقية التي وقعت تعهدت روسيا بتقديم مبلغ 15 مليار دولار لدعم الاقتصاد الاوكراني
المنهار على دفعات وذلك بدون شروط على اما ان تخرج أوكرانيا من أزمتها وتنقذها من افلاس محتم. ومما لا شك فيه ان
لروسيا مصلحة جيوسياسية في استقرار الأوضاع في أوكرانيا، وهي تريد ان تبعد تواجد قوات الناتو على حدودها وهي ما
تسعى اليه الولايات المتحدة من خلال الدعم المباشر للمعارضة الأوكرانية وبشكل سافر وعلني كما كان واضحا من زيارة
عضو الكونغرس الامريكي جون ماكين وخطابه في الميدان وحثهم على الاستمرار في الاحتجاجات. ومع تأزم الوضع في
أوكرانيا وخرق الاتفاقية التي وقعت بين حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش والمعارضة، واستيلائها على الحكم والعداء
الواضح تجاه روسيا، فلقد قامت روسيا بسحب تعهداتها بتقديم المعونة والدعم الاقتصادي والمادي لأوكرانيا. ولقد صرح
وزير المالية الروسي مؤخرا أنطون سليانوف، بأن على أوكرانيا الان التوجه الى صندوق البنك الدولي للحصول على
المعونة والقروض. ومن المعلوم بأن صندوق النقد الدولي قد امتنع مرتين خلال السنوات الستة الماضية من تقديم أي دعم
لأوكرانيا على هيئة قروض وذلك لان الحكومة الاوكرانية رفضت الشروط التي تضمنت تخفيض الأجور والدفعات
التقاعدية ورفع أسعار الغاز والطاقة الى جانب ذلك رفضت الحكومة السابقة الاجراءات التقشفية القاسية التي وضعها
الاتحاد الأوروبي على أوكرانيا لضمها اقتصاديا للاتحاد الأوروبي. ومع الظروف المستجدة في أوكرانيا فإنها في أمس
الحاجة الى مليارات من الدولارات من المساعدات ومن الواضح ان لا الدول الاوربية ولا الإدارة الامريكية على استعداد
لضخ هذه المليارات. فالدول الأوروبية لم تتعافى وما زالت تعاني من آثار الانهيار الاقتصادي الذي شهدته الأسواق المالية
عام 2008 والركود والكساد الاقتصادي الحاد خلال الاعوام الثلاثة المنصرمة، وما زالت معدلات البطالة تتأرجح عند
12% والإنتاج الصناعي بإقل من 15% بالمقارنة بعام 2008. بالإضافة الى ذلك فما زالت الدول مثل اليونان واسبانيا
وغيرها تعاني من أزمات اقتصادية حادة ومهددة بالإفلاس على الرغم من ضخ عشرات المليارات من الاتحاد الاوروبي
لإنقاذها. وكل هذه الدلائل تشير الى أن الدول الأوروبية لن تتمكن من تقديم الدعم المالي الذي تتطلبه أوكرانيا لأنها لن
تستطيع تحمل تبعات هذا على دولها، والذي يبدو أن دخول الولايات المتحدة على خط تصعيد الموقف في أوكرانيا بنقض
الاتفاقية التي رعتها الدول الأوروبية زاد من تعقيدات الازمة بالنسبة للدول الأوروبية. بالإضافة الى الاعباء الاقتصادية
فان دول الاتحاد الأوروبي ما زالت منقسمة حول فكرة ضم أوكرانيا الى الشراكة الاقتصادية أو الضم المستقبلي للاتحاد
الأوروبي. فهنالك بعض الدول وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا تتخوف من أن عملية الضم قد تؤدي الى تدفق الملايين من
الاوكرانيين الى دولهم للعمل فيها، هذا في الوقت الذي تحاول كلا الدولتين وضع نوع من القيود والتشريعات التي تحد من
الهجرة اليها وتدفق ملايين العمال من بولندا، وبلغاريا ورومانيا. ويرى العديد من المحللين أن أوكرانيا لن تستطيع الفكاك
لا اقتصاديا أو جيوسياسيا من روسيا حتى لو شكلت حكومة تناصب العداء لروسيا، وذلك للعديد من الأسباب. فروسيا
على سبيل المثال تستطيع ان تطالب أوكرانيا بتسديد الديون المترتبة على امدادها بالغاز والتي تقدر 3.5 مليار دولار وأن
توقف ضخ الغاز لها في حالة عدم السداد مما سيؤدي الى الشلل الاقتصادي التام. ان اقتصاد أوكرانيا يعتمد الى حد كبير
على روسيا حيث تبلغ حجم الصادرات الأوكرانية الى روسيا الى ما يقارب 40% من مجمل صادراتها. بالإضافة الى ذلك
هناك ما يقرب من 2 مليون اوكراني يعملون في روسيا ويقومون بتحويل جزء أساسي من اجورهم الى أوكرانيا.
وباستطاعة روسيا ان تفرض قيودا وضرائب على المنتجات الأوكرانية المصدرة الى أسواقها...الخ من الإجراءات
الاقتصادية التي من الممكن ان تزيد الوضع الاوكراني سوء. ولا شك أن أوكرانيا تشكل موقعا استراتيجيا لروسيا يصعب
التخلي عنه، فقطع هامة من الاسطول الروسي يتواجد في البحر الأسود ضمن اتفاقية موقعة مع أوكرانيا التي تسمح
بتواجده لعام 2042، وهذا يشكل المنفذ الوحيد للأسطول الروسي للمياه الدافئة ولا يمكن لروسيا ان تتخلى عن هذا الموقع
الاستراتيجي. ومن هنا نجد ان هنالك مصالح حيوية لكلا الطرفين، ولكن وبلا شك فان أوكرانيا هي بحاجة لروسيا أكثر
من حاجة روسيا اليها، وإذا ما تطورت الأمور الى درجة خطيرة ربما تتحرك روسيا وتستعيد المنطقة الجنوبية (شبه
جزيرة القرم) والمنطقة الشرقية التي اقتطعت تاريخيا من روسيا في الخمسينات وضمت الى أوكرانيا، ويبقى هذا احتمالا
قائما. والتحركات العسكرية الروسية على الحدود الأوكرانية وتمسكها بالرئيس الاوكراني يانوكفيتش كرئيس شرعي للبلاد
وعدم اعترافها بالحكومة التي شكلت، وتمسكها بالاتفاقية التي وقعت بحضور الوزراء الأوروبيون واعتبار تحرك
المعارضة انه انقلاب على الشرعية، وتصريح وزير الخارجية لافروف بان روسيا ستأخذ القضية الى مجلس الامن، ربما
تدلل ان روسيا ما زالت تسعى لحل الازمة سياسيا ولكنها في نفس الوقت لديها خيرات أخرى، إذا ما فشلت المساعي
الدبلوماسية لحل الازمة.
أما الولايات المتحدة، فلقد استثمرت في تصنيع المعارضة وتأليبها ورعايتها عبر السنوات، وما زلنا نذكر "الثورة
الاورانجية" عام 2004 والتي حاولت من خلالها الولايات المتحدة الإمساك بأوكرانيا ولكنها فشلت في النهاية على الرغم
من ان "الثورة الاورانجية" جاءت بالرئيس فيكتور ياشينكو المؤيد للغرب. وتسعى الولايات المتحدة على عملية اصطياد
رخيصة لجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة وادراجهم الى حلف الناتو وذلك عن طريق تقديم الطعم بإدخالهم الى الاتحاد
الأوروبي، وذلك في محاولة لتطويق روسيا واضعافها، والحد من توسيع نفوذها على الساحة الدولية والتي بات يهدد النفوذ
الأمريكي ويضع حدا للغطرسة والهيمنة الامريكية والتلاعب بمقدرات الشعوب ومحاولة تغيير الأنظمة الغير موالية لها أو
التي تقف حجر عثرة في طريقها او التي تهدد مصالحها الاستراتيجية. ولقد نشر شريط صوتي مؤخرا في الانترنت يقال
انه تسجيل لمكالمة هاتفية بين مساعدة وزير الخارجية الامريكي فكتوريا نولاند وجفري بلات السفير الأمريكي في كييف
تصف نولاند فيه الجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي لحل الازمة في أوكرانيا بعبارات بذيئة للغاية. أوكرانيا هي الخاصرة
الرخوة لروسيا، والواضح ان الولايات المتحدة ستقوم بتوظيفها في استنزاف القدرات الروسية، ولذلك ربما تسعى الى
ادامة حالة عدم الاستقرار فيها لمدة أطول حتى تبعد أو تلهي أو تبتز الدبلوماسية الروسية التي حققت اختراقات هامة على
المستوى الدولي بملفات ساخنة وخاصة في منطقتنا. من الطبيعي أن نفترض وجود ترابط بين الملفات وهنالك الكثيرون
الذين يرون ترابطا عضويا بين ما يجري في أوكرانيا والملف السوري والملف النووي الإيراني، ويذهب البعض بالقول أن
روسيا ستدفع ثمن نجاحها في سوريا في أوكرانيا، او ان روسيا ستخفف او تتراجع عن مواقفها الداعمة للدولة السورية
خوفا من دفع الثمن في أوكرانيا. مما لا شك فيه ان الولايات المتحدة قد تسعى لمثل هذا الربط ولكن التجربة أثبتت ان
المواقف الروسية ثابتة ولم تتغير تحت الضغوط وأنها لن تتراجع في الازمات التي تعتبرها مفصلية، ومن هنا لا نرى أن
المواقف التي التزمت بها روسيا بما يخص المنطقة يمكنها أن تتزعزع، ولقد ظهر مؤخرا مقالا في صحيفة الاوبزيرفر
اللندنية ان قضية أوكرانيا ستجعل من بوتين أكثر تمسكا بالمواقف الروسية.قراءة في المشهد الأوكراني
2014-02-28
