2026-09-14 12:42 ص

التحركات السعودية الإقليمية والدولية ومحاولة إعادة الدور والتوازن

2014-02-20
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
منذ أن بدأت بوادر التراجع والانحسار للنفوذ الأمريكي في المنطقة الذي يعود لعدة أسباب، والتي قد يأتي في مقدمتها ان أمريكا تشعر بأن الخطر الرئيسي القادم على المستوى العالمي هو تعاظم القوة الاقتصادية للصين ومعدلات النمو الاقتصادي لها واهتمام الصين مؤخرا بتطوير قدراتها العسكرية ومحاولاتها الامتداد الى محيط الباسفيك، بدأ القلق وعدم الراحة السعودية يظهر الى العلن. وتسارع هذ الشعور بالقلق والخوف من التراجع الأمريكي عند حدثيين مفصليين مرتبطين بالمنطقة. الحدث الأول هو تراجع الإدارة الامريكية عن شن هجوما عسكريا على سوريا وتوجيه ضربة قوية، كانت السعودية تعول عليها لإسقاط أو تركيع الدولة السورية بكل مكوناتها كمقدمة لتغيير نظام الحكم كما حدث في ليبيا. وقد كانت السعودية وغيرها من الأدوات في المنطقة على يقين أن العدوان العسكري آت لا محالة وهم يرون البوارج الحربية الامريكية تصطف مقابل السواحل السورية ويوما بعد يوم تزداد اعدادها، متزامنتا مع قرع طبول الحرب من قبل وسائل الاعلام الغربية والتي بدأت في تهيئة الراي العام في دولها والعالم للحرب القادمة على سوريا. جرت الرياح بما لم تشتهي السفن للسعودية وجن جنونها، فكثرت التصريحات التي تطاولت على الراعي الأمريكي التي تفيئت تحت مظلته السعودية، والتي أبدت استعدادا لدفع فاتورة العدوان الأمريكي بالكامل. أما الحدث الثاني الذي نزل نزول الصاعقة على القيادة السعودية فكان توقيع اتفاقية مع إيران بين الدول الست الكبرى وبينها حول ملفها النووي، وفتح الأبواب على مصراعيها امام إمكانية عودة إيران الى الساحة الدولية كدولة نووية معترف بها، ولاعب إقليمي وازن يؤخذ بعين الاعتبار في اية تسوية للملفات الساخنة في المنطقة. ولقد شعرت السعودية بصغر قيمتها واهميتها للراعي الأمريكي، الذي يضع نصب عينيه مصالحه ويرسم سياسته الخارجية بناء على مصالحه ومصالحه فقط أولا وأخيرا، دون ان يعير اهتماما بالتابعين والأدوات ولا حتى بالحلفاء من الاوربيين. وربما مما زاد من حالة الإحباط والغضب والشعور بالمهانة لدى العائلة الحاكمة السعودية، عندما أعلن عن ان التوصل الى الاتفاق وبهذه السرعة المذهلة مع إيران كان نتيجة مباحثات سرية استمرت لفترة طويلة ما بين ايران والولايات المتحدة على أراضي خليجية وبالتحديد دولة عمان الخليجية وبتنسيق مع الملك قابوس. ولقد بذلت السعودية جهودا حثيثة لعرقلة التوقيع على الاتفاق وذلك حتى لآخر لحظة، وذلك بالتنسيق مع فابيوس وزير الخارجية الفرنسي وعقدت صفقة أسلحة مع فرنسا بمليارات الدولارات كرشوة، كما قامت بالتنسيق مع حكومة الكيان الصهيوني وعقد الاجتماعات الثنائية في تل ابيب لهذا الغرض، ووضع الخطط للتحرك على المستوى الدولي والإقليمي والتحرك على الداخل الأمريكي بتأليب الكونغرس ضد الإدارة الامريكية بها الخصوص. ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع. عندها أدركت العائلة الحاكمة في السعودية فشل رهاناتها وهي التي بنت سياستها الخارجية والإقليمية على العداء الدائم للثورة الإيرانية منذ قيامها عام 1979 والرهان على ان الموقف الأمريكي سيبقى على مناصبة العداء لإيران من خلال فرض العقوبات الاقتصادية والتشديد على الحصار الاقتصادي والسياسي والاعلامي ومحاولة عزلها عن الاسرة الدولية، بالإضافة الى عزلها عن الإقليم. ومع انهيار هذه الرهانات بدأت السعودية بالتحرك على المستوى الإقليمي والدولي وحالة من التموضع مع الوقائع والمعطيات الجديدة في محاولة لاستعادة جزء مما فقدته من وزنها ومكانتها في المنطقة، بالإضافة الى محاولة إيجاد نوع من العلاقات الوازنة وخاصة في المجالات الأمنية والدفاعية الاستراتيجية لتعويض ما قد تفقده في حالة بقاء الولايات المتحدة على موقفها الذي ترتئيه السعودية انه بات يهدد امنها القومي الذي ضمنته الولايات المتحدة منذ أكثر من 70 عاما. قامت السعودية بالتحرك على عدة جبهات في محاولة للتعويض عن اختلال الموازين مع إيران والذي تسبب عن الاتفاقيات الغربية الإيرانية بشأن البرنامج النووي الإيراني، والتي كان من أولوياتها تحسين أوضاعها ومنظومتها الأمنية والدفاعية الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، يمكننا أن نقسم هذه التحركات أربعة أقسام مميزة : أولا على المستوي الخليجي، وثانيا على المستوى العربي خارج منطقة الخليج وثالثا على المستوى الدولي وخاصة الاسيوي المتمثل تحديدا بالعلاقات مع الباكستان ورابعا: على المستوى الغربي وتحديدا الاوربي منه أولا: على المستوى الخليجي تحركات السعودية على المستوى الخليجي هنا متشابهة الى حد كبير لتحركاتها عندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979 وأدت الى سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران. عندها سعت السعودية بتشكيل ما سمي بمجلس التعاون الخليجي والجميع يعلم بانه شكل كرد فعل خليجي على الثورة الإيرانية للعمل على محاصرتها وعدم نقل تجربة التحركات الجماهيرية الى دولها، وخاصة تلك التي تحتوي على مناطق شيعية بأعداد كبيرة مثل البحرين والسعودية. فالعائلة المالكة السعودية كانت وما تزال ترى الصراع من زاوية مقيتة وهي الطائفية والمذهبية البحتة، ليس هذا فحسب بل تعمل أيضا على ايجاده وتغذيته وتصعيده ان تواجد. واليوم أيضا نرى السعودية وقد تحركت على مجلس التعاون الخليجي قبل فترة باقتراح الدمج ما بين الدول الخليجية تحت منظومة وحدوية ولكن بعض الدول تحفظت على هذا الطرح بشدة وخاصة عمان والامارات وقطر ولكل أسبابه، والدولة الوحيدة التي ايدت دون أي تحفظ كانت مملكة البحرين كما كان متوقعا فقوات الامن ووحدات من الجيش السعودي هما اللذان يقفان للدفاع عن البحرين امام تحركات المعارضة السلمية التي ما زالت مستمرة منذ ما يقرب من الثلاث سنوات هناك. بالإضافة الى ذلك اقترحت رفع مستوى التفاهمات والمعاهدات الأمنية بين دول الخليج وذلك لمجابهة خطر الارهاب العائد من الأراضي السورية التي ساهمت الدول الخليجية وخاصة السعودية وقطر والكويت بتجنيده عبر منابر الارهاب والفتنة والتكفير والدعوات الطائفية والمذهبية المسمومة، وامداه بالمال والسلاح والدعم السياسي والإعلامي إقليميا ودوليا. أما التحرك الاخر على المستوى الخليجي فكان اقتراح انشاء جيش موحد لدول الخليج قوامه 100000 عسكري تحت قيادة سعودية وذو تجهيزات حديثة. ومما لا شك فيه أن بعض الدول الخليجية ممتعضة من الاندفاع المتهور وردود الأفعال الانفعالية والسياسة التصادمية التي السعودية تجاه إيران، ولا يريدون أن ينجروا وراء السعودية لمثل هكذا مواقف. وبالتالي فان المؤكد ان السعودية ستجابه لذا السبب صعوبات لتأسيس مثل هذا الجيش الخليجي، هذا عدا عن ان بعض الدول الخليجية لا يتجاوز تعداد سكانها عن بضعة مئات الالاف وتعداد السكان الأصليين بها قد لا يشكل ربما 20% من تعداد السكان العام، وقد ذهب البعض لإعطاء الجنسية لبعض العرب والاجانب لتغير الوضع الديموغرافي للبلاد كما هو الحال في البحرين لأسباب مذهبية لم تعد خافية على المتابع لما يجري في البحرين. السعودية تحاول الان لملمت أوضاعها بشكل عام في الخليج وتسعى الى جر دولها الى بيت الطاعة، تلك المترددة منها او التي أبدت عدم تخوفها من إيران والاتفاقية الموقعة بشأن برنامجا النووي، أو تلك التي ذهبت الى أبعد من ذلك وخاصة الامارات العربية وهي الحليفة للسعودية بشأن الملف المصري والسوري، حيث قام وزير خارجيتها بزيارة طهران وأبدى استعداد بلاده لتطوير العلاقات مع طهران وخاصة الاقتصادية منها، مما اثار امتعاض السعودية من هكذا موقف. أما عمان فقد هددتها السعودية بقطع المعونة التي كان قد قررها مجلس التعاون الخليجي لها والمقدرة بعشرة مليار دولار، بسبب رعايتها للمباحثات السرية بين الولايات المتحدة وإيران التي أجريت على أراضيها، واعتبار ذلك خيانة لمجلس التعاون الخليجي. ثانيا: على المستوى العربي خارج منطقة الخليج لقد تحدثنا كثيرا في مقالات سابقة عن دعم السعودية للإرهاب سواء في سوريا او العراق ومحاولة اثارة النعرات الطائفية والمذهبية في لبنان خاصة. وما يهمنا ابرازه هنا فيما يتعلق بالاستراتيجية الامنية والدفاعية التي تسعى السعودية لإعادة تموضعها وصياغتها ضمن المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية هو علاقاتها المميزة مع الدولة المصرية وحكومتها الحالية. لم يعد خافيا على أحد من المتابعين لما يجري على الساحة المصرية على أن السعودية قد لعبت دورا في اسقاط حكومة الاخوان المسلمين، بالرغم من ان البعض يختلف في تقدير مدى هذا الدور واهميته. ولكن لا يختلف اثنان في حقيقة أنه لولا الدعم السعودي المادي بحجمه الغير مسبوق للحكومة المصرية التي أتت في اعقاب اسقاط حكومة الاخوان المسلمين والذي تجاوز العشرة مليارات دولار، الى جانب الدعم السياسي في المحافل الدولية بالإضافة الى الدعم الإعلامي، قد لعب دورا أساسيا ورئيسيا في عدم انهيار الدولة المصرية وإمكانية تحويل مصر الى دولة فاشلة، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية الى وضع مزري للغاية. ولا شك أن الدعم الذي قدمته السعودية انما قدمته للحفاظ على أمنها القومي، حيث أنها ترى في صعود الاخوان المسلمين في أكبر الدول العربية أهمية من الناحية الجيوسياسية بحكم موقعها الجغرافي وامكانياتها وقدراتها وكثافتها السكانية، خطرا على أمنها وخاصة مع تواجد ناشط لحركة الاخوان في الخليج، وان مشروع تنظيم الاخوان يتخطى الحدود الى ما هو أبعد من الداخل المصري. ولذلك فان السعودية على استعداد لتقديم كافة أنواع الدعم للدولة المصرية، وهذا واضح ليس فقط من تقديم الدعم الاقتصادي بل أيضا تقديم الدعم المادي للجيش المصري نكاية بالإدارة الامريكية عندما هددت بقطع المعونات السنوية التي تقدمها له منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة. والسعودية تعول كثيرا على الجيش وعلى المشير السيسي بالأخص الذي ابدى قسوة وصرامة واضحة في التعامل مع تنظيم الاخوان المسلمين، والذي اتخذ القرار النهائي والتحرك بإزاحة الرئيس مرسي من الحكم على أثر المظاهرات الشعبية التي نددت بحكم الاخوان المسلمين. ومما لا شك فيه إن الدعم السعودي لمصر وجيشها يدخل ضمن المنظومة الأمنية والدفاعية الاستراتيجية التي رسمتها العائلة المالكة، لأنها تخدم عدة مصالح حيوية للسعودية. فهي الى جانب ابعاد شبح الاخوان المسلمين، فهي وسيلة ايضا لإبعاد مصر الى حد كبير عن إيران أو إقامة علاقات وثيقة بين الدولتين في حالة عدم تبني مصر للموقف السعودي من إيران، هذا عدا عن التأثير على القيادة المصرية فيما يختص بالأزمة السورية، فلم تتخذ مصر لغاية الان موقفا يضع حدا للتدخل السعودي المدمر هناك وتبقى مواقفها خجولة نسبيا بهذا الشأن، كما اتضح مؤخرا في اجتماع الجامعة "العربية" عند مناقشة الوضع السوري. بالإضافة الى أن السعودية ربما تعول على الجيش المصري لحماية السعودية مستقبلا وضمان أمنها، والقيام طبعا بدفع كلفة ذلك. ولن نستغرب فيما إذا أقدمت السعودية على الطلب من مصر ارسال بضع عشرات الالاف من الجيش المصري للتواجد على أراضيها، لتوجيه رسالة ولو رمزية الى إيران، بالضبط كما فعلت عندما استقدمت عشرات الالاف من الجيش الباكستاني عام 1979 للتواجد على أراضيها بعد الثورة الإيرانية. أما فيما إذا ما كانت مصر سترد مستقبلا بالإيجاب على هذا الطلب ام لا في حالة تقدمت السعودية بهذا الطلب، فهذا الامر يبقى مرهونا بما ستؤول اليه الأحوال في مصر، وخاصة ضمن الأوضاع المضطربة هناك والتي لا تبشر بان الحالة ستنحى نحو الاستقرار قريبا. وربما هذا الوضع الغير مستقر والمقلق لمصر، هو ما حدا بالسعودية مؤخرا للتوجه الى الباكستان بالتحديد، وربما لنفس الغرض. وهذا ما سنناقشه في محور منفرد آت. ثالثا: التوجه نحو باكستان العلاقات السعودية – الباكستانية هي علاقات قديمة ومتينة لوقد بدأت هذه العلاقات منذ ستينات القرن الماضي, ولقد وصلت العلاقات الى توقيع المعاهدات الأمنية والدفاعية بين البلدين عندما قامت الباكستان بإرسال عشرات الالاف من الجنود الباكستانيين للتواجد على الأراضي السعودية عام 1979 ، وهو العام الذي قامت به الثورة الإيرانية، وذلك للحفاظ على أمنها الداخلي. واستمر وجود هذه القوات لمدة عشرة سنوات على الأراضي السعودية وقد تكفلت السعودية بكافة تكاليف إبقاء هذا العدد الضخم من القوات الباكستانية. ولقد حصلت الباكستان على مئات الملايين من الدولارات التي قدمت من السعودية لتطوير البرامج النووية لباكستان. ولقد تجذرت العلاقات أيضا اثناء الحرب التي شنها "الجهاديون" في أفغانستان بدعم مادي كبير من قبل السعودية وتحت اشراف المخابرات المركزية الامريكية والمخابرات العسكرية الباكستانية. ولقد أدى وجود العديد من "المجاهدين" على الراضي الباكستانية على انتشار الفكر التكفيري الوهابي في باكستان، وقامت السعودية بإقامة العديد من المدارس الدينية في باكستان والاشراف عليها، مما أدى الى تغلغل الفكر الإسلامي الوهابي في المجتمع الباكستاني، وشكل هذا عاملا آخر لتمتين العلاقات بين البلدين على أساس مذهبي. ويرى الكثيرون من المحللين السياسيين والعسكريين أن كلا البلدين يسعيان لتمتين وتعميق العلاقات الاستراتيجية بينهم وخاصة في المجالات العسكرية وذلك في ظل التراجع الأمريكي في المنطقة، والقلق السعودي المتزايد من المواقف الامريكية في المنطقة. ولعل هذا ما تدلل عليه الكثير من التصريحات للمسؤولين في كلا البلدين بالإضافة الى الزيارات المتبادلة التي تمت على ارفع المستويات مؤخرا. فقد صرح رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف اثناء زيارة وزير الخارجية سعود الفيصل ونائب وزير الدفاع السعودي الأمير سلمان بن سلطان " نظرا للتحديات المستجدة على الساحة، هناك حاجة وضرورة لتقوية التعاون في مجالات الدفاع ، والبدء في عصر جديد من العلاقات الاستراتيجية بين البلدين". ويرى احد المتخصصين (ديفيد وينبيرج) بالشؤون السعودية في مركز الابحاث الأمريكي في واشنطن " المؤسسة للدفاع عن الديمقراطيات" وهو المركز القريب من صنع القرار، يرى بأن زيارة نائب وزير الدفاع السعودي لم تاتي من باب المجاملات الدبلوماسية، بل ان الزيارة " يمكن اعتبارها كمؤشر واضح لعودة الدفىء في العلاقات الأمنية ...وانها تكتسب أهمية لكون الأمير مسؤول عن إدارة ملفات عملياتية في وزارة الدفاع السعودية بما فيها المبادرات بالشأن السوري، وإدارة العمليات العسكرية والتعاون الإقليمي". وكان الأمير وليد بن طلال وهو عضو بارز في العائلة الملكية السعودية ان صرح مؤخرا في لقاء أجرته صحيفة وول ستريت جرنال الامريكية معه، ان باكستان يمكنها أن تزود السعودية بأسلحة نووية، وان الترتيبات مع الباكستان قوية للغاية. الى جانب ذلك فقد صرح مسؤول رفيع في الناتو بأن هنالك تقارير استخباراتية تشير الى ان هنالك أسلحة نووية صنعت في الباكستان للسعودية وانها جاهزة للتسليم بناء على طلب سعودي. وهنالك العديد من التقارير التي تشير بأن السعودية قدمت معونات وتبرعات سخية لقطاع التصنيع الحربي الباكستاني خلال السنوات القليلة الماضية وخاصة في مجال تصنيع الصواريخ ومراكز الأبحاث النووية. وهناك المزيد من التصريحات والتقارير التي تؤكد وتدلل على عمق العلاقات الأمنية والدفاعية الاستراتيجية للسعودية مع دولة الباكستان. وتجدر الاشارة هنا الى ان السعودية تستعين بخبراء عسكريين باكستانيين في تدريب مقاتلين في المعسكرات التي أقيمت على الحدود السورية الأردنية قبل ارسالهم الى الداخل السوري. وهؤلاء المرتزقة يتم تجنيدهم من قبل السعودية، في حربها المعلنة على الدولة السورية. هذا الى جانب الاستعانة بخبراء امن باكستانيين لقمع تحركات المعارضة البحرانية. ومما لا شك فيه أن الباكستان تمر في المرحلة الحالية بأزمة اقتصادية خانقة، بعض تجلياتها انعكس في عدم القدرة على شراء الغاز الطبيعي لإدارة العديد من المحطات الكهربائية التي تعمل على الغاز مما أدى الى توقف العديد من المصانع الإنتاجية، والذي سبب نقصا حادا في كثير من السلع في الأسواق المحلية، الى جانب النقص في الصادرات التي يعول عليها لدعم الاقتصاد الباكستاني. وبالتالي فان إعادة التعاون الأمني والدفاعي مع السعودية سيفتح الباب لإمكانية الحصول على المعونات والقروض التي قد تودي الى تحسين الوضع الاقتصادي في الباكستان. ولا شك ان السعودية ستستغل الازمة الاقتصادية للباكستان لردعها عن إقامة علاقات جيدة مع إيران وخاصة بعد توقف مشروع امداد باكستان بالغاز الإيراني عبر الانابيب التي أنهت إيران بناءها على أراضيها في حين لم تتمكن باكستان من إتمام شبكة الانابيب على أراضيها بحسب الاتفاقية الموقعة مع الجانب الإيراني، وذلك لعدم قدرتها على تمويل هذا المشروع، الى جانب الضغوطات التي تعرضت اليها من الولايات المتحدة. والذي يبدو أن الباكستان ستستفيد أيضا من الصراعات القائمة بين السعودية وقطر، فقد عرضت قطر امداد الباكستان بالغاز الطبيعي المسال المنقول بالسفن البحرية كبديل عن الغاز الإيراني وبأسعار مناسبة. رابعا: العلاقات مع الدول الغربية مع توتر العلاقات السعودية – الامريكية، والتراجع النسبي للولايات المتحدة الواضح لنفوذها في المنطقة، بدأت السعودية بالبحث عن أصدقاء جدد كما صرح بعض الامراء السعوديين. وكالعادة تلعب الأموال الطائلة التي تجنيها العائلة المالكة من العائدات النفطية الوسيلة الناجعة في نظر العائلة السعودية في محاولة التأثير على مواقف الدول وخاصة الكبرى منها، وذلك عن طريق عقد صفقات شراء الأسلحة أو الصفقات التجارية التي تسيل لها لعاب الشركات والدول الغربية. ولم يستغرب العديد من المحللين الحفاوة الزائدة عن المعتاد التي استقبل بها الرئيس الفرنسي هولاند عند زيارته للسعودية مؤخرا والهدايا التي قدمت اليه من قبل الملك السعودي شخصيا، الذي اعتبره صديق السعودية الحقيقي الذي يعتمد عليه. وقد اصحب هولاند معه وفد كبير من رجال الاعمال وأصحاب الشركات الفرنسية الكبرى لعقد الصفقات التجارية مع المملكة. وبالضافة الى عقد صفقات لشراء الأسلحة للسعودية بمليارات الدولارات، فلقد تم التعاقد مع فرنسا على القيام بتسليح الجيش اللبناني بما قيمته ملياري دولار. وهذه الصفقة التي تعتبر سخية جدا وغير مسبوقة وربما تفوق احتياجات الجيش اللبناني اعتبرها الكثيرون أنها لفرنسا أكثر منها للبنان. بالطبع السعودية تنظر اليها انها بالإضافة ذلك قد تخدم ادواتها في لبنان لتطويق المقاومة اللبنانية وخاصة حزب الله، بمعنى انها موجهة ضد إيران ومحور المقاومة. ويجب ان نذكر هنا أن إيران قد عرضت منذ مدة استعدادها لتسليح الجيش اللبناني ولكن الرئيس والأدوات السعودية اللبنانية رفضت ذلك. هذه العلاقة الدافئة مع فرنسا تأتي على خلفية المواقف التي اتخذتها فرنسا بالتناغم مع المواقف السعودية فيما يخص المباحثات بشأن برنامج إيران النووي، حيث وقفة فرنسا موقفا متشددا من التوقيع على الاتفاقية لغاية آخر لحظة وكادت تفشلها. الى جانب ذلك الموقف الفرنسي من الدولة السورية يأتي بما تشتهيه السعودية فما زالت فرنسا تصر على تنحي الرئيس الدكتور بشار الأسد وتسليم السلطة الى حفنة العملاء من ما يسمى بالائتلاف المعارض، هذا عدا أنها ما زالت تسعى لتدبير التدخل الغربي العسكري تحت البند السابع وتحت اية ذريعة، وهذا كان واضحا من تصريحات هولاند في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، وهذا ما تتمناه السعودية. ومما لا شك به أن الوضع الاقتصادي المتردي لفرنسا ووصول شعبية هولاند الى مستويات متدنية جدا بحسب استطلاعات الرأي الفرنسية تجعل فرنسا أكثر تناغما مع المواقف السعودية والتنسيق فيما بين البلدين، كوسيلة "لحلب" السعودية والحصول على المليارات، فهي في نهاية المطاف لن تخسر شيئا، بل على العكس فان هذا سيتيح لها فرصة سد جزء من الفراغ التي قد تخلفه امريكي في منطقة الخليج، وتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية التي هي بأمس الحاجة اليها. اما الدولة الأوروبية الثانية التي تعمل السعودية على ابرام الأسلحة معها فهي المانيا، وبحسب الاحصائيات فان مشتريات السعودية شكلت ما يقرب من 25% من مبيعات الاسلحة الألمانية العالمية. وتعول الكثير من شركات الأسلحة العالمية على المشتريات السعودية، حيث شغلت السعودية المرتبة العاشرة ما بين الدول المستوردة للأسلحة على المستوى العالمي في الفترة الزمنية ما بين 2008-2012 ، ومن المتوقع أن تقفز هذه الى المرتبة الخامسة في الفترة 2013-2017. الى جانب كل هذا فان السعودية هي تشغل المرتبة الثالثة عالميا من حيث حجم احتياطها النقدي والبالغ 850 مليار دولار. ومجمل هذا يضع السعودية في موقع قوي يمكنها من استغلاله سياسيا لصالح سياساتها، الإقليمية والدولية. وفي نهاية هذه الفقرة نريد ان نؤكد ان التحركات السعودية على الدول الغربية لا يعني قطع العلاقات مع الولايات المتحدة أو الاقلال من أهميتها، وخاصة وانها علاقات تاريخية قوية ومتينة وممتدة على مدى عقود منذ نشؤ المملكة. وربما هذا ما يفسر الزيارة المرتقبة للرئيس أوباما للسعودية، وذلك للتأكيد على العلاقة المميزة مع السعودية ودورها الاقليمي، بعد ان فشلت على ما يبدو زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لتحقيق ذلك، الى جانب نقل وجهة النظر الامريكية فيما يتعلق بالشأن السوري والإيراني والفلسطيني. ومن المؤكد ان أوباما سيطلب من الملك السعودي الضغط على الطرف الفلسطيني للموافقة على الطروحات الامريكية التي سيتضمنها "اتفاق الإطار" الذي سيعرضه كيري قريبا. 

الملفات