2026-09-14 01:55 ص

سرية المباحثات والقلق الأردني والفلسطيني

2014-02-18
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
لا شك أن المسيرة الحاشدة التي شهدتها العاصمة الأردنية عمان المنددة بخطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بشأن عملية السلام الخاصة بالقضية الفلسطينية تعكس قلقا جديا على الشارعين الأردني والفلسطيني معا. فمنذ ان بدأت "المباحثات" أو "المفاوضات" بين الجانب الفلسطيني المتمثل بالسلطة الفلسطينية والجانب الاسرائيلي وهي محاطة الى حد كبير بالسرية التامة لإبقاء الجمهور الفلسطيني والاردني في الظلام، وهو ما أعطى الفرصة للتكهنات المبنية على التسريبات من هنا وهناك وخاصة من الصحف الاسرائيلية، التي على ما يبدو لديها تصور واضح لما ستؤول عليه هذه "المفاوضات" في نهاية المطاف، لأنها ببساطة تتضمن في أغلبيتها التصور الاسرائيلي لما سيكون عليه الحل النهائي، والذي سيؤدي الى تصفية القضية الفلسطينية اذا ما تمت بالاطار التي هي ما عليه الان. ومن المؤسف والمعيب والمهين اذا لم نكن نريد ان نستخدم كلمات أخرى، ان تجري هكذا امور جوهرية والتي يرتكز عليها ربما مستقبل الملايين من الجماهير الفلسطينية والاردنية في الخفاء، وتدار من قبل اطراف فلسطينية نصبت نفسها ممثلة عن كل الشعب الفلسطيني، بالرغم من ان كافة الفصائل المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية (التي باتت تستحضر وتغيب على حسب الطلب) وكذلك خارجها رفضت الذهاب الى المفاوضات أصلا ضمن هذا الاطار لأنها رأت، وهي محقة في ذلك أن الهدف منها هو تصفية القضية الفلسطينية بما فيها حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة على الاراضي التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، كأقل ما يمكن أن يقبل به الشعب الفلسطيني لوضع حد للصراع التاريخي، مع حرصنا على التأكيد هنا، ان الكثيرون لم يعودوا يؤمنون بهذا الحل، أي حل الدولتين الذي ما زالت عناصر قيادية للأسف تعتقد بإمكانية تحقيقه، أما كيف فهذا يترك لهذه القيادات للإجابة عليه. فكل الوقائع المادية على الارض والظروف الذاتية والموضوعية تدلل بوضوح عكس غير ذلك، ومن لا يرى ذلك فانه في تصورنا اما أعمى أو يتعامى لأنه لا يريد أن يعترف بذلك. الولايات المتحدة لم تكن في يوما من الأيام ولن تكون وسيطا نزيها في "رعايتها" للمفاوضات منذ أن بدأت، بالإضافة الى انها عملت على الاستفراد بهذه "الرعاية" حتى لا تعطي الفرصة لأي طرف دولي بالتدخل في هذا الموضوع. ولقد كان هذا شرطا رئيسيا وضعته اسرائيل للدخول في "المفاوضات"، لأنها ببساطة تدرك جيدا بان الادارة الامريكية ستتبنى المواقف الاسرائيلية دون اعتراضات تذكر. والمتتبع لمسيرة المفاوضات منذ البدء لغاية الان يدرك جيدا أن هذه هي الحقيقة المرة، والامر في هذه المفاوضات لم يختلف عن سابقاتها. فالاعتراف بيهودية الدولة، واقفال ملف العودة والالتفاف على قرارات الامم المتحدة بهذا الخصوص بأن تقوم الدول العربية الخليجية بالتحديد بدفع التعويضات للاجئين الفلسطينيين ودفع المليارات للأردن في سبيل ايواء اللاجئين على أرضه أمر على ما يبدو اتفق عليه، والمطلوب الان ايجاد تخريجة للموضوع تظهر وكأن السلطة لم تتخلى عن هذا المطلب. الى جانب ذلك ستعرض بعض الدول الغربية مثل استراليا وكندا أن تستوعب عددا من هؤلاء الفلسطينيون. العودة بالمفهوم الإسرائيلي هي العودة الى ما ستتكرم به إسرائيل من أراضي لإقامة ما هو أقل من دويلة فلسطينية مقطعة الاوصال جغرافيا. وإسرائيل تعتبر أنها قدمت تنازلا تاريخيا، حيث انها سمحت لما يسمى بالفلسطينيين إقامة هذه الدويلة على ارض يهودية، فهم يعتبرون ان كل فلسطين التاريخية هي ملك لليهود، وهذا الاعتقاد او الاعتبار ليس حصرا على العناصر "المتطرفة" منهم. الاعتراف بيهودية الكيان الصهيوني واسقاط حق العودة واعترافا رسميا بنهاية الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي، تشكل المطالب الاسرائيلية الأساسية، فهي تريد ان تتخلص وتقلل من خطر ما يسمونه "بالقنبلة الديموغرافية". الى جانب ذلك فإطار التفاهم سيشير الى عملية تبادل الاراضي، بما يحقق لإسرائيل الاحتفاظ بالمستوطنات الرئيسية في الضفة الغربية وضمها الى اسرائيل، في مقابل اعطاء اراضي من تلك التي احتلت عام 1948 حيث يتم الحديث عن قرى المثلث ذات الكثافة السكانية العربية، والتي يتيح لإسرائيل ان تقوم بمزيد من سياسة التطهير العرقي، لضمان يهودية الكيان الصهيوني لسنوات طويلة قادمة. وتبقى قضية منطقة الاغوار التي تصر اسرائيل على ابقاء السيطرة الاسرائيلية عليها، وحتى ضمها كما اقترح بعض اعضاء الكنيست الاسرائيلي. هذه المنطقة تم طرد سكانها من الفلسطينيين على مدى سنوات الاحتلال واقامت فيها إسرائيل المستوطنات السرطانية اليهودية وقامت بسرقة المياه والابار الارتوازية. وهذه الأراضي التي تشكل ما يقرب من 30% من أراضي الضفة تعتبر من أخصب المناطق الزراعية في الضفة الغربية وانتاجها الزراعي يتجاوز 700 مليون دولار سنويا، ويعول عليها بأن تشكل سلة غذائية للأراضي المحتلة. وربما هذه نقطة الخلاف الوحيدة بين كيري والحكومة الاسرائيلية والتي في نهاية المطاف ربما تضغط الادارة الامريكية على اسرائيل للقبول بالمقترحات الامريكية بها الخصوص، والتي تتضمن وجود قوات لحلف الناتو تحت قيادة أمريكية، وهو ما قبله أو اقترحه السيد عباس الرئيس الفلسطيني والذي ذهب الى أبعد من ذلك حيث أنه قال بأنه يقبل بتواجد مثل هذه القوات على اية بقعة على الارض التي ستقع تحت السيطرة الفلسطينية. والذي يبدو أن الترتيبات تستدعي بالضرورة دورا فاعلا للأردن وخاصة في المراحل النهائية، وهذا ما نشهده الان، سواء من الزيارات لكيري مؤخرا الى الأردن، أو زيارة العاهل الأردني الملك عبدلله الثاني الى الولايات المتحدة والاجتماع مع الرئيس أوباما، لبحث الأوضاع في المنطقة بمعنى الازمة السورية والمفاوضات مع الجانب الفلسطيني. والذي يبدو أن تحرك الشارع الأردني والمظاهرات التي شهدتها العاصمة الأردنية تدلل على الشعور العام لدى الشارع الأردني وقواه السياسية هنالك طبخة تدور في المطابخ الامريكية والإسرائيلية لن تكون في صالح الشعب الأردني. ولا يخفى على أحد أن هناك أطراف اردنية تتخوف من ان يكون الطرف الفلسطيني المفاوض يحمل في جعبته مفاجئات وخبايا نتيجة المفاوضات والتي قد تظهر لاحقا، ونحن لا نلومهم فقد خبروا تجربة أوسلو الكارثية التي تمت بالسرية والخفاء حتى على الأطراف الفلسطينية وممثلهم الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية التي غيبت عن المشهد كلية آنذاك، الى ان ظهرت نتائج اوسلوا السيئة الصيت الى العلن. ولا بد لنا أن نذكر هنا بوضع القدس والتعريف بالقدس المطروحة بالمفاوضات، قبل أ ننتهي. الكثيرون قد لا يعون بالضبط ما الت اليه القدس الشرقية ويتحدثون بالمجرد وليس بالوقائع على الأرض. فقد عمد الاحتلال الصهيوني على تغيير المعالم الطبيعية والديمغرافية للقدس الشرقية وأحاطها بسلسلة من المستوطنات اليهودية يسكنها أكثر من 200000 يهودي، وتحولت الى مدن واحياء بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معنى، وهذه ممتدة ومتصلة كشبكة سرطانية. نتنياهو وحكومته لا يريدون التحدث عن القدس التي نعرفها عندما حدث عدوان 1967، التي أصبحت جزء من القدس الكبرى ، الذي يحرم على الفلسطيني السكن بها أو التملك. ما رشح من هنا وهناك هو الموقف القديم الجديد فالقدس ستختزل وتنكمش على أفضل الاحوال لتصبح أبو ديس قدس الدويلة الفلسطينية المنزوعة السلاح والتي لا تمتلك سلطة على المعابر الحدودية، والممنوعة من إقامة مطار على أراضيها، والمعزولة عن محيطها العربي، والممنوعة من إقامة اتفاقيات ومعاهدات الا بإذن من الشرطي، الاحتلال الغير مباشر، والمكبل اقتصادها بالاقتصاد الإسرائيلي، والمنهوبة خيراتها وخاصة مصادر مياهها، واللائحة تطول. وحتى الأماكن المقدسة تريد إسرائيل وضعها رسميا تحت سيطرتها، فالحكومة الإسرائيلية تناقش الان وضع المسجد الأقصى تحت السيطرة الإسرائيلية في تحد صارخ للامة الإسلامية والعربية جمعاء، فهل ترقى هذه الامة الى التحديات التي تفرض عليها ام تبقى في سباتها العمق وتكتفي بالتنديد والبكاء على الاطلال؟ وأين هي الجامعة "العربية" من هكذا خطوة ام ان فحولة سيدها الذي ليس هو بنبيل أو عربي كما وصفه البعض بالإضافة الى المستعربين الصهاينة تظهر فقط على سوريا الصامدة في وجه الهجمة الكونية والإرهاب العالمي. الجامعة التي ذهبت الى مجلس الامن للأمم المتحدة بمشروع قرار يجيز التدخل العسكري على سوريا. وها هي تطلق التصريحات للعودة مرة أخرى لمجلس الامن لنفس الغرض، بالتناغم والتوافق مع كل أعداء الامة العربية والإسلامية. الموقف المعلن من قبل السلطة الفلسطينية كما نسمعه ونقرأه في وسائل الاعلام القريبة من السلطة، هو رفض مقترحات كيري وعلى أنها ما زالت متمسكة بالثوابت الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية على مجمل الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف الى جانب حق العودة للاجئين الفلسطينيين التي تضمنه الشرعية الدولية بالقرار الاممي 194. نحن نأمل أن لا يكون هنالك خبايا ومفاجئات كتلك التي صعق بها شعبنا الفلسطيني في الأراضي المحتلة والشتات في تفاهمات واتفاقات أوسلو سيء الصيت. والى أن يظهر ما اتفق عليه وتتضح الأمور وتنجلي المواقف يبقى الشارع الأردني والفلسطيني في حالة ترقب وقلق وارتياب. 

الملفات