2026-09-14 01:55 ص

سـوريـا "تـشـتـري" حـلـفـاء أمـريـكـا

2014-02-10
بقلم: سمير الفزاع
في الحرب العالمية الثانية عندما غزا هتلر الاتحاد السوفيتي لم يكن في ذهنه سوى توسيع رقعة امبرطوريته ، وسحق القوى القائمة والمفترضة التى تقف في وجه بناء هذة الامبراطورية ، وكان الاتحاد السوفيتي مجبراً عن الدفاع عن أرضه ومقاومة الغزو مهما تكلف من أثمان ، وتكبد من خسائر ولو فعل غير ذلك لاستحق العبودية والإستعمار مدى الحياة . وعندما غزت أمريكا فيتنام كان شعبها مضطرا للدفاع عن نفسه ، حتى وان شارك جزء من الشعب الفيتنامي في مساندة هذا الغزو و المحاربة الى جانبه ضد وطنهم وابناء شعبهم . وعندما انتصرت المقاومة الفرنسية المدعومة من الحلفاء على الحكومة العميلة لألمانيا لم تشفع فرنسية “فيليب بيتان” ، ولا هزيمته للجيش الألماني في معركة فردان عام 1916 ، لم يشفع له كلّ ذلك ، وعومل كعميل ألماني ، وعدو للشعب الفرنسي هو وافراد حكومته والألاف ممن كانوا يدعمونه . وفي الجزائر التي خضعت لاستعمار فرنسي استمر لأكثر من مئة وثلاثين عاماً ، كان هناك عشرات الألآف من الجزائريين يقفون الى جانب المحتل الفرنسي ، ويعملون بامره ، ويحكمون باسمه ، وينتمون لهويته وثقافته … ولكن كان هناك الملايين من الجزائريين الاحرار الذين يقفون مع وطنهم ، وهويتهم الوطنيه والقومية ، ومقاومتهم المتمثلة بجبهة التحرير الوطني الجزائرية ، ولم يتوقف هذا الشعب العظيم عند البكاء على ما تدمر من بلده – وهو هائل جداً – ، و لا على من استشهد من شعبهم – وقد بلغوا مليوني شهيد – ، ولا على ملايين المهجرين والمنفيين … بل قاوم وأنتصر ثم أعاد البناء . كلنا مكلوم مصاب لكل قطرة دم أُريقت ، ولكل روح زهقت ، ولكل دار هُدّمت ، ولكل مواطن او مواطنه هُجّر او هُجّرت … ولكن ما هو المطلوب من سوريا والسوريين ؟ لقد اصبح الامر اكثر من واضح ، ولم يعد للرمادية من معنى سوى الانتهازية او الجبن ، او الغباء وإنحراف البوصلة . سأتحدث عن بضعة نقاط أنجزتها سوريا ، فقط بصمودها ، وأما نصرها ، فله حكاية أخرى . * سقوط “أيدولوجيا” الهزيمة : لطالما تحدث زعماء و قاده و مثقفون وكتاب واعلاميون عرب.. عن قدر الله المنزل الذي لا رادَّ له والمسمى امريكا ، وعن ربيبتها المدللة ، كيان العدو الصهيوني ، موئل الجيش الذي لا يُقهر والقادر على غزو خمسة اقطار عربية مرة واحدة ، وهزيمتها دفعة واحدة . قام هؤلاء بحشو عقل المواطن بمفردات العجز والهزيمة ، وإستحالة الانتصار حتى هُزم الإنسان العربي وكُسر من الداخل ، فاصبح ساخطاً ورافضاً وكافراً بكل ما حوله من وطن وشعب ومؤسسات ، ويتحين الفرصة التي تُتيح له الانقضاض على وطنه ودولته وجيشه ومؤسساته وشعبه … بل وذاته ؛ فرأينا خلال فترة سقوط القوانين والسلطات والاخلاق والقيم … “خلال الربيع المشؤم” أمور كنا لا نتحمل تخيلها او لا تخطر لنا على بال ، فكيف بنا أن نعيشها بكل تفاصيلها المؤلمة والحزينة والمفاجئة حدود الصدمة والرعب ، من الآخر ، الشريك في الوطن الصغير والكبير والأمه ؟! . لكننا اليوم ندرك بالدليل القاطع ان هذه الانظمة المستعربة والعميلة ، وكل الجوقة التي شكلتها حولها من رجال دين وكتاب ومثقفين وأدباء وفنانين … شركاء كاملون وأصيلون بهزيمتنا ، وشركاء كاملين أصلين في انتصار عدونا علينا . سأضرب مثلا بسيطا على ذلك ، ما معنى ان تُفتح الحدود العربية ليتدفق عبرها عشرات الألآف من “المتطوعين” ، وألآف الأطنان من الأسلحة ، ومليارات الدولارات … الى سوريا دون ان يهتز لهم جفن أو أن يشعروا بالعجز ويمارسوه !؟ كيف تمكنت من ذلك ، وقد كانت بالأمس ، ومازالت حتى اليوم ، تدّعي عجزها عن تقديم 1% من ذلك كلّه لتحرير فلسطين !؟ . لا مجال للإجتهاد في التفسيرات ، هناك ثلاث إحتمالات فقط ؛ إما يكونوا شركاء في هزيمتنا وإستمرار إحتلال فلسطين منذ 66 عاماً وحتى اليوم ؛ فهم أعداء لفلسطين ولنا ، أو أن يكونوا مجرد أدوات فقط في يد من سهّل إحتلال فلسطين منذ العام 1948 وحتى اليوم ؛ فهم أدوات قتل وغدر في خاصرة فلسطين وخاصرتنا ، أو كلا الإحتمالين معاً . * سقوط دبلوماسيّة حاملة الطائرات والصواريخ الجوالة : حتى فترة قريبة جداً كانت أمريكا – سيد العالم الأوحد – قادرة على ممارسة سياسة “دبلوماسيّة حاملة الطائرات والصواريخ الجوالة ” في أي وقت تشاء ، وفي أي مكان تريد ، وضد من تشاء . “دبلوماسيّة” إستطاعت من خلالها تغيير خرائط ، وإسقاط أنظمة ، وإستعباد شعوب بأكملها ، وسرقة ما تشاء من موارد وخيرات العالم … ، أمّا اليوم ، وخلال الحرب على سوريا وجدت أمريكا نفسها أمام خصم عنيد ومبدئي وقادر في ذات الوقت . عنيد يتمسك بمصالحه وسيادته ، ومبدئي يرفض التنازل عن سيادته وحقوقه وقناعاته ، وقادر بحيث يمكنه “إيذاء” أمريكا في الصميم . فأضطرت أمريكا للتراجع عن قرارها ، وقبلت أن تخضع لشروط التسوية السياسيّة . بصدق ، أمريكا اليوم تحتاج إلى ما يشبه “تقرير بيكر – هاملتون” الذي عالج موضوع إنسحابها من العراق ، ولكن هذه المرة على مستوى الإقليم ككل ، وبأثمان باهضة جداً . إن أقصى ما تحاول أمريكا الحصول عليه اليوم إنسحاب “منظم” من المنطقة يسمح لها ببعض “المزايا” ، ويقدم لها بعض التطمينات بخصوص بعض المصالح الحيويّة ، مثل النفط ، والكيان الصهيوني … . لهذا رأينا “تهديدات” وزير الخارجيّة الأمريكي لكيان العدو بأن رفاهه هش ولا يمكن أن يستمر ، وهذا يشبه إلى حدّ بعيد تلك الأخطار التي تهدد الكيان والتي إختصرتها وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة السابقة هيلاري كلنتون “بالتكنولوجيا والأيدولوجيا والديموغرافيا” . قبل بضع أسابيع أخرجت الولايات المتحدة واحدة من أهم حاملات الطائرات لديها من الخدمة ، وتدعى ( امريكا يو إس إس إنتربرايز س ف ن 65 ) . حاملة لطالما نشرت الموت والخراب والدمار ، وسفكت الدماء وأزهقت الأرواح في أرجاء المعمورة . لقد شاخت هذه الحاملات ، وتجاوزها الزمن ، وتكلّست مفاصلها ، وتثاقلت حركتها ، وأثخنت جراح “غزواتها” الممتدة جسدها المُنهك ، وتراكمت نقاط ضعفها ، وتطورت صواريخ وطوربيدات أعدائها فصار من السهل إصطيادها .حال مملكة آل سعود ، وكيان بني صهيون ، وأمريكا من خلفهم يشبه كثيراً حال حاملة الطائرات هذه ، فقد إقترب موعد “تقاعدهم” . * سقوط “الإسلام” السعودي – الوهابي : الجزء الخفي في النسق الذي حكم حركة ما يسمى الربيع العربي هو تجاوز حدود سايكس – بيكو لصالح صيغة أكثر “مرونة وحركية” ، صيغة تسمح بنقل “الأثر” من بلد لآخر من جهة ، وتحريك عناصر “القوة” من بلد لآخر أيضاً من جهة أخرى . فمثلاً صيغة الحكم واحدة تنتقل من بلد لآخر ، والمقصود هنا تحالف الإخوان المسلمين والجماعات السلفية مدعوم بالجماعات الإسلامية المسلحة . حدث هذا في مصر وتونس وليبيا . وأمّا عناصر القوة التي ضربت في كلّ بلد إستهدفه “الربيع” ، فالمقصود مثلا ، السلاح الممول خليجياً والمُورّد والمُوزع غربياً وأميركياً ، وتدفق الأموال والسلاح عبر الحدود دون أدنى ممانعة من قبل الدول المجاورة للبلد المستهدف ” بلعنة الربيع العربي ” ، والحشد الكبير من ” المُفتين والشيوخ ” القادرين على إلهاب المشاعر وتحريك الضغائن وشرعنة التطرف وأسلمته ، ولا ننسى دور الإعلام وخصوصاً تلك القنوات التي حازت مقداراً من الثقة في مراحل سابقة .بقي هذا الأمر سائداً حتى لحظة تداعي المشروع الإخواني وإنكفاء الدور القطري– التركي بعد الضربة القاصمة في القصير ، فظهرت نسخة جديدة من “الربيع” وهابيّة – سعوديّة المنشأ والتكوين والدعم . تقدم بندر بمشروعه القديم – الجديد الذي طوّره مع رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية السابق “دايفيد بترايوس” ، من أجل إعادة إحياء الخلايا المتطرفة ، والقيام بأعمال القتل والتطهير العرقي . فكانت أولى “تباشير” هذا المشروع المجرم معركة اللاذقية الكبرى ، بعد الضربة الحاسمة التي وجّهها الجيش العربي السوري للعصابات المسلحة في حمص ، وتحديداً في الخالدية ، وفي أكثر من مكان في ريفي حمص ودمشق . وفي الخطة البندرية– الأميركية–الإسرائيلية كان الهدف الأهم ، وهو توسيع رقعة القتل والدم في المنطقة ، تحديداً على الجغرافيا السورية والعراقية واللبنانية ، والتحشيد بمختلف الأشكال ضد حلف المقاومة والممانعة لفرض الإستسلام تحت تأثير الدم والحَنَق الشعبي و”الصدمة والترويع” ، ولكنهم فشلوا أمام الصمود المذهل للشعب العربي السوري وجيشه وقيادته . أقيل بترايوس بفضيحة جنسية معدة بإتقان ،وأُبعد بندر تحت غطاء العلاج ، وقبل أيام معدودة يُصدر ملك آل سعود قرار ملكيّاً يمثل “إدانة شاملة للأعمال الإرهابية بكل أصنافها” ، التي ثبت فيها تورّط مواطنين سعوديين ، من مدنيين وعسكريين ودعاة محرّضين ومنتمين ومتبرّعين ، ومروجين لجماعات دينية وفكرية متطرّفة ، وإنزال أقصى العقوبات بحقهم . ولحق مفتي آل سعود ، عبد العزيز آل الشيخ بملكه ، وأكد على ضرورة الامتثال للأمر الصادر بمنع السعوديين من القتال في الخارج ، مشيراً إلى أن الشباب الذين يخرجون للقتال “غُرّر بهم من أعداء الإسلام” ، وباتوا “يُباعون في سوق النخاسة” . وهنا ستكون مملكة آل سعود أمام واحد من مآزقها التاريخيّة ، والتي تصيب جوهر نشأتها وعقيدتها الوهابيّة في الصميم ، وخلاصة هذا المأزق تقول : أن هذا الأمر الملكي يمثّل طعنة نجلاء في الظهر للفكر الوهابي ، وتفريخاته كالقاعدة والنصرة وداعش … من قبل رأس الهرم الذي طالما إدعى دفاعه عن “دين إسلامي” مشوه “فرّخ” هذه التنظيمات ونظر لها ومولها وأحتضنها . وقد بدت ردود أفعال مناصري هذه التنظيمات المجرمة كما تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي ، غاضبة ومهددة لمملكة آل سعود لخداعها المقاتلين المرة تلو الأخرى ، منذ أفغانستان مروراً بالعراق ولبنان … وصولاً الى سوريا . اليوم سيظهر حتماً ، وداخل مملكة آل سعود من سيحمل “لواء الإسلام” ولكن على نحو أكثر تشدداً وأنغلاقاً وتدميراً فأنتظروا الصراع الدامي في مملكة آل سعود أو ما سيتبقى منها . * ملء الفراغ الإستراتيجي : في مؤتمر برمودا 1957 الذي جمع الرئيس الأميركي ايزنهاور ” وهو جنرال أميركا الكبير في الحرب العالمية الثانية وقائد هجوم النورمندي ” مع رئيس وزراء بريطانيا هارولد ماكميلان ” وهو الوزير المقيم والملحق بالجنرال ايزنهاور وقت الحرب ” ، تم التوقيع على أغرب إتفاق دولي مكتوب وفيه عملية “تسليم وتسلم” لبلدان وأمم وشعوب بأكملها ، فيما يلي بنوده الحرفية : 1- إن الرئيس الأمريكي يعبر عن فهمه للضرورات التي تدعو الحكومة البريطانية إلى تخفيف أعبائها في الشرق الأوسط ، وهو يتعاطف مع رغبة هذه الحكومة في جعل إلتزاماتها في المنطقة متوازنة مع مواردها الإقتصادية والعسكرية . 2- إن الرئيس أخطر رئيس الوزراء البريطاني بأن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل كلّ الأعباء البريطانية التي ترى الحكومة البريطانية أنها مضطرة للتخلي عنها ، ولهذا فإن الولايات المتحدة تأمل في أن تواصل الحكومة البريطانية إخطار الحكومة الأميركية بخططها في المستقبل . 3- أن الرئيس سوف يتخذ الترتيبات التي تكفل إستمرار التشاور مع الحكومة البريطانية في المسائل والحالات التي يتعين فيها إستطلاع رأي الحكومة البريطانية ، وسوف يكون ذلك موضع إعتبار . 4- إن الرئيس يعرب عن أمله في أن الحكومة البريطانية سوف تقوم بتخفيظات تدريجية ومنتقاة بما يناسب المصالح الغربية بصفة عامة ، ويتفق مع مطالب الأمن الضرورية للسلامة المشتركة . 5- أن حكومة الولايات المتحدة سوف تقدم للحكومة البريطانية دعماً مالياً فورياً مقداره أربعمائة مليون دولار . كم يشبه اليوم الأمس !!! ، في العام 2011 كتب وزير الدفاع الأمريكي السابق “روبرت غيتس ” مقالة في الفورن أفير يؤكد فيها ” بأن أمريكا لن تقاتل عن حلفائها بعد اليوم ، وستكتفي بالتدريب والتسليح ” . واليوم أمريكا “تفاوض” من يشتري منها “معسكراتها” كما فعلت بريطانيا العظمى بالأمس ، لتحصل منه على إلتزامات بحماية مصالحها في المنطقة والعالم ، وتقايضه على هذه المصالح في غير مكان ، وإنجاز إنسحاب يحافظ على ماء الوجه . من سيكون هذا الطرف الآخر في الإقليم ؟ لم يعد خافياً على أحد بأن المحور الآخر الذي “سيملأ” هذا الفراغ الإستراتيجي في الإقليم هو محور المقاومة ، وفي القلب منه سوريا الصامدة والمنتصرة . أميركا “تبيع” ما إشترته يوماً من بريطانيا العظمى ، ونحن من “يشتري” رغماً عنها ، لا لشيء إلا لأننا من يملك الهكل العظمي للمنطقة ويقبض على قلبها ، والبازار ما زال مفتوحاً لمزيد من الرؤوس والجغرافيا .