2026-09-14 01:55 ص

التمدد السرطاني للإرهاب وسبل التصدي له (1)

2014-02-09
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
مما لا شك فيه ان القاعدة والمجموعات السلفية الجهادية التكفيرية والتي بدأت بالانتشار كالبقع السرطانية وخاصة في جسم الوطن العربي وأفريقيا وعلى وجه التحديد المغرب العربي، الى جانب تواجدها في العديد من الدول الغربية كما اثبتت الصراعات المسلحة الدائرة على الساحة السورية ، هذا بالإضافة الى تواجدها في أفغانستان وباكستان، قد حققت العديد من المكتسبات والنجاحات ضمن هذا التمدد الجغرافي الهائل الغير مسبوق في العام الماضي، بعدما كانت الى حد كبير محصورة، أو هكذا بدت في أفغانستان وباكستان. فالمجموعات المنتمية الى القاعدة كدولة الإسلام في العراق والشام قد صعدت من هجماتها وعملياتها الإرهابية في العراق الى حدود غير مسبوقة وفاقت كثيرا في عددها والخسائر البشرية والمادية التي أحدثتها منذ عام2007، الى جانب تكثيف نشاطاتها في القرن الافريقي والتفجيرات المؤلمة في نيروبي في سوق ويست جيت، التي تبنتها حركة الشباب القاعدية في الصومال. بالإضافة الى سيطرتها على أجزاء من المدن الرئيسية في شمال سوريا، ونجاحها في استقطاب الالاف من المقاتلين الأجانب الى الداخل السوري، بحيث أصبحت تشكل القوى الرئيسية التي تقاتل الجيش العربي السوري والدولة السورية بكل مكوناتها بهدف إقامة الامارة أو الامارات الإسلامية. الى جانب كل ذلك تمكنت من بناء مجموعة في سيناء مصر "أنصار بيت المقدس" والتي قامت بعمليات نوعية داخل سيناء كما في الداخل المصري في المدن الرئيسية، وأثبتت أنها قادرة على توجيه ضربات موجعة للأجهزة الأمنية المصرية والمؤسسة العسكرية، وامتلاكها الى أسلحة متطورة في سيناء. وحديثا سمعنا عن وجود مجموعة أخرى تسمي نفسها "أجناد مصر" والتي تبنت هجوما على معسكر للجيش المصري. أما في اليمن فلقد اثبت تنظيم القاعدة المتواجد على أرضها قدرته أيضا على توجيه الضربات حتى داخل المؤسسات السيادية مثل ابنية وزارة الدفاع. وفي ليبيا فان الخطر التي تشكله المجموعات الإرهابية لا يقل عن تلك، وكذلك الحال في تونس التي تم بها اغتيال القائدين الشهيدين من الحركة الوطنية بلعيد والبراهمي على أيدى عناصر القاعدة من أنصار الشريعة في تونس والتي صنفت كمجموعة إرهابية. وما زالت التحقيقات الرسمية جارية للكشف عن الجناة بعد مضي أكثر من عام على حادثة الاغتيال، ضمن تستر أمني جزئي من قبل الأجهزة الامنية على كثير من التحقيقات والمعلومات والتي ما زالت تقف حجر عثرة امام الوصول الى الحقيقة. أما في لبنان، فقد قامت دولة الإسلام في العراق والشام وكذلك جبهة النصرة بتكوين مجموعات في الداخل اللبناني وقد تبنت النصرة تفجيرات إرهابية في الضاحية الجنوبية من بيروت كما تبنت كتائب عبدالله عزام وهي مجموعة إرهابية منتمية الى القاعدة عملية التفجير السفارة الإيرانية في بيروت، ولم تتمكن اجهزة الامن اللبنانية بعد من اعتقال الشيخ الأسير الذي فر مع جزء من مجموعته الإرهابية أثناء الاحداث في طرابلس والتي تم فيها اشتباك مجموعته مع الجيش اللبناني، ومخطىء من يظن أن القاعدة والمجموعات الإرهابية لها أية صلة بتواجد قوات من حزب الله تقاتل في سوريا فالقاعدة تواجدت على الأرض اللبنانية منذ سنوات وقبل الاحداث في سوريا وأحداث نهر البارد وتواجد فتح الاسلام خير دليل على هذا. هذا التمدد في الأنشطة الإرهابية لم يقتصر على منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بل شمل أيضا بعض الدول الاوربية مثل التفجيرات في اسبانيا في مارس/اذار 2004 في محطات القطارات في عدد من الانفجارات المتزامنة والذي ذهب ضحيتها ما يقارب من 190 شخصا وجرح حوالي 1800، ومؤخرا التفجيرات في مدينة فولغوغراد الروسية أيضا في محطة قطارات حيث أدى تفجيرين إرهابيين لمقتل ما يقرب من خمسون شخصا. هذه الصورة العامة لتمدد هذه الافة الإرهابية والتي أصبحت تقض مضاجع أجهزة الامن الأوروبية والأمريكية بالإضافة الى الاقليمية، وخاصة مع تواجد اعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب الذين قدموا الى الأراضي السوري "للجهاد"، واكتسابهم الخبرات القتالية المتنوعة والتي تمكنهم من استخدامها عند العودة الى البلدان التي قدموا منها. ولقد أعلن مؤخرا عدد من المقاتلين البريطانيين عن تكوين مجموعة تنوي تنفيذ عمليات إرهابية في كل من لندن وواشنطن، وهذا ما صرحت به بعض الصحف البريطانية، مؤكدة على صحة بعض تصريحات سابقة لرجال أمن بريطانيين بهذا الخصوص. ولعل التصريحات التي أدلى بها وزير الامن الداخلي الامريكي جي جونسون مؤخرا تعكس مدى الجدية والقلق الذي يعم معظم العواصم الغربية، حيث أعتبر الوزير أن سورية باتت " مسألة أمن قومي بالنسبة الى الولايات المتحدة وأوروبا". ولقد جاء هذا التصريح بعد عودة الوزير من زيارة الى بولندا حيث شارك في اجتماع لوزراء الداخلية للدول الاوروبية بما فيها بريطانيا، وفرنسا وألمانيا واسبانيا وإيطاليا وبولندا. ولقد تصدرت الازمة السورية والخطر الذي يشكله المقاتلين الأجانب في حالة العودة الى ديارهم جانبا رئيسيا في النقاشات داخل الاجتماع. ولعل الأخطر من ذلك هو التقارير الاستخباراتية التي تشير الى وجود معسكرات تدريب تابعة لجبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام يتم فيها تدريب المقاتلين الوافدين من الدول الغربية بهدف ارسالهم الى بلدانهم للقيام بعمليات إرهابية. وهذا ما أكد عليه الوزير الأمريكي في الخطاب الذي القاه في مركز ولسون الفكري في واشنطن ".... يحاول المتطرفون بشكل نشط تجنيد غربيين وأدلجتهم وإعادة ارسالهم الى بلدانهم الاصلية لتنفيذ مهمات متطرفة". وربما هذا يتقاطع مع ما أوردته صحيفة ديلي ميل من أن بعض البريطانيين الذين يقاتلون تحت المجموعة المسماة "راية التوحيد الجهادية" والتي يقودها بريطاني، قد اطلقوا تهديدا بشن هجمات على المراكز التجارية والنقل العام في لندن عند عودتهم، وهذا أول تهديدا علنيا من نوعه. وكنا قد أشرنا في مقال سابق الى ما أوردته صحيفة ديلي تلغراف من أن القاعدة تدرب مئات البريطانيين في سوريا لإرسالهم الى بريطانيا، للقيام بعمليات إرهابية. معظم الاخبار والتقارير المتداولة الان تجمع على رفع حالة التأهب في أوساط الأجهزة الأمنية في الدول الغربية والتنسيق فيما بينها، الى جانب الاجتماعات بينها وبين نظرائها في الدول المحيطة بسوريا مثل تركيا والأردن ولبنان بالإضافة الى السعودية المصنع للإرهاب وكذلك بعض الدول الخليجية. وحالة القلق هذه هي التي دفعت بالعديد من الأجهزة الأمنية لهذه الدول للتوجه الى دمشق، في محاولة للحصول على أسماء وطبيعة مواطنيها الذين يقاتلون الى جانب المجموعات الإرهابية هناك. هذه الدول التي غضت الطرف عن ذهاب مواطنيها الى الداخل السوري، وكانت تتأمل بانهيار الدولة السورية في أسابيع، لا بل وذهب أبو جهل البيت الأبيض وحدد أيام معدودة. لم يخطر ببالهم ولو للحظة واحدة ربما، أن الثالوث المقدس المتمثل بالقيادة السياسية والجيش العربي السوري والشعب السوري كان لهم بالمرصاد ليفشل كل مخططاتهم. ومن هنا نريد أن نؤكد أن كل هذه التحركات الغربية بما يخص الارهاب انما تأتي لان هذه الدول أصبحت تشعر انها بمرمى الارهاب، فهي لم تحرك ساكنا قبل ذلك، لا بل وذهبت الى أبعد من ذلك فقد شجعته وسهلت مروره وانتقاله الى الدول الأخرى. لا شك ان تنامي يد الارهاب وانتشاره على مساحات كبيرة من العالم والاقليم يستدعي بالضرورة تكاتف الجهود لدحر الارهاب والتقليل من الخطر الذي بات يشكله لامتداده على رقعة جغرافية إقليمية وعالمية لم يسبق لها مثيل، بالإضافة الى عدم القدرة على ضبطه والسيطرة عليه حتى من قبل مصنعيه ومصدريه ومموليه. ومن هنا تنبع أهمية فتح باب للنقاش للسبل الكفيلة لوأد الارهاب في موطنه وبيئاته الحاضنة والمصانع التي تنتج الإرهابيين. لقد آن الأوان ان ندرك السطحية التي تعاملت الإدارات الامريكية المتعاقبة مع ملف الارهاب، وذلك لاعتقاد العديد من فيها بأن اغتيال بن لادن زعيم القاعدة التي نفذته وحدات خاصة أمريكية على الأراضي الباكستانية، سيؤدي الى وهن التنظيم وأن ما عليها أن تقوم به للقضاء عليه بشكل نهائي أو شل نشاطه كلية هو اغتيال ما يقرب من 15 زعيما وقائدا ميدانيا. وكلنا يعلم أن النتائج على الأرض لا تدل على ذلك مطلقا، حيث كما أوردنا لقد حقق تنظيم القاعدة تمددا جغرافيا هائلا وهو ما كان يسعى له تنظيم القاعدة منذ تسعينات القرن الماضي، فبالإضافة الى التنظيمات الرئيسية المنتمية الى القيادة العامة في أفغانستان وباكستان والمتمثلة بتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وتنظيم القاعدة في العراق ، وتنظيم القاعدة في المغرب العربي وحركة الشباب في الصومال، فلقد ظهرت الكثير من المجموعات التي تنتمي الى فكر القاعدة، هذا ان لم تكن جزءا منه، وخاصة مع بدايات ما سمي بالربيع العربي، كأنصار الشريعة في تونس وليبيا، وأنصار الدين في مالي والتي دعمت من قبل تنظيم القاعدة في المغرب العربي وبوكو هرام في نيجيريا. ولقد استخدمت أمريكا القوة المفرطة في حملتها "ضد الارهاب" التي قادها بوش الابن والتي إتخذتها الولايات المتحدة ذريعة لاحتلال أفغانستان والعراق، بالإضافة الى ترهيب الدول بسيف محاربة الارهاب ومبدأ بوش الابن "من ليس معنا فهو ضدنا". ولقد رضخت العديد من الدول الى حد كبير لخوفها من ردود الفعل الامريكية، وخاصة وان الولايات المتحدة في تلك الفترة الزمنية كانت اللاعب الرئيسي والاوحد على الساحة الدولية، مما صعب مهمة محاولة تخفيف هذا الاندفاع الارعن والاعمى تجاه ممارسات عدوانية غير مبررة قانونيا أو سياسيا أو أخلاقيا وبالتضاد مع الأعراف والقوانين الدولية. وبهذا تكون الولايات المتحدة مسؤولة الى حد كبير في تشجيع العديدين الى الانضمام الى تنظيم القاعدة وخاصة في أفغانستان التي شهدت سقوط أعداد كبيرة من المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ، في العمليات التي كانت تشن من قبل القوات الامريكية الغازية تحت شعار مكافحة الارهاب. ولقد وثقت وبالأدلة أكثر من مجزرة ارتكبت على الأراضي الأفغانية على أيدي الجنود الامريكيون، وشكلت هذه المجازر والقتل العشوائي عاملا مساعدا وأساسيا لالتحاق العديد من المتضررين وغيرهم الى حركة طالبان وتنظيم القاعدة. فشلت الولايات المتحدة في "حربها على الارهاب"، هذا اذا ما افترضنا حسن النوايا الامريكية. وما نريد ان نستخلصه هنا الى أن النزوع الى استخدام القوة في محاربة الارهاب وان يكن ضروريا، الا انه ليس العامل الوحيد الذي يجب تبنيه وأخذه بعين الاعتبار، فالأحداث في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها دلالات كافية على عقم استخدام القوة فقط للحد من الارهاب والعمليات الإرهابية، والحد من الانتشار السرطاني لهذه الآفة المدمرة سواء على المستوى الإقليمي او الدولي. ان المكافحة الجدية للإرهاب تستدعي النظر اليه كمنظومة متكاملة فكريا وايديولوجيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وتعليميا وتربويا، حتى نتمكن من تقليص هذه الظاهرة الى حد كبير، وهذا بالضرورة يحتاج الى جهد وعمل دؤوب ومتواصل من كل من هو جاد فعليا في مكافحة الارهاب. ان التركيز فقط على الجانب الأمني بالرغم من أهميته لن يكفي لفهم ومكافحة الارهاب. ونأمل أن نتناول هذا في مقال لاحق هنا.