2026-09-14 12:42 ص

الإسلام السياسي من أكبر الخاسرين مع انتهاء 2013 (3)

2014-02-03
بقلم: بهيج سكاكيني
مما لا شك فيه أن أكبر خسارة منيت به حركة الاخوان المسلمين والإسلام السياسي كان في مصر مهد حركة الاخوان المسلمين التي لعبت الدور الريادي والمحفز لحركة الاخوان المسلمين على المستوى الإقليمي والدولي. وما الاجتماعات المتتالية لتنظيم الاخوان العالمي في تركيا لمناقشة ما يمكن عمله في مصر، وخاصة بعد استبعاد الرئيس مرسي عن السلطة في مصر من قبل الجيش المصري على أثر المظاهرات الحاشدة التي نادت بإسقاطه، الا دليل واضح على حجم الخسارة ودلالتها المادية والمعنوية التي مني به التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، حيث كان التعويل على الحركة الام في مصر في بسط نفوذ الاخوان المسلمين على المنطقة العربية كبيرا، وذلك لان مصر تمتلك أهمية جيوسياسية متميزة في المنطقة وذات كثافة سكانية عالية، حيث يبلغ تعداد سكانها ما يقارب من 90 مليون نسمة الى جانب قدراتها العسكرية. لعبت حركة الاخوان المسلمين دورا أساسيا في عملية سقوطها وازاحتها من سدة الحكم في مصر، عندما اتبعت سياسة البدء بأخونة أجهزة الدولة والعمليات المتعمدة لإقصاء التيارات والحركات الشبابية التي كانت العماد والمرتكز الرئيسي للحراك الشعبي الذي أطاح بالرئيس السابق حسني مبارك، كما أنهم لم يتمكنوا من إيجاد القواسم المشتركة مع التيارات الليبرالية والعلمانية المتواجدة على الساحة المصرية وتخليها عن شعار "المشاركة لا المغالبة" وتوجهت للاستئثار بالسلطة. والخطأ الأكبر ربما كان اعتقاد الجماعة ان وصولهم للسلطة عبر صناديق الاقتراع يخولهم بفعل ما يشاؤون، غير آبهين بحقيقة ان العديد ممن انتخبوا الرئيس مرسي لم يكونوا من الاخوان ولا ممن يتعاطفون مع طروحاتهم بالأصل، وانما صوتوا له على اعتبار أن الطرف المقابل كان من المعدودين على النظام القديم البائد، وكانت الأغلبية التي صوتت لمرسي تريد عملية تغيير وليس عملية نسخ للنظام السابق تحت يافطة مختلفة الالوان في الشكل فقط وإبقاء الجوهر على ما هو. لم تتقبل أو لم تستوعب حركة الاخوان المسلمين أن الوطن للجميع ويتسع لكل مكوناته الاجتماعية في الدولة الوطنية، تلك البديهية السياسية لكل من يؤمن بالتعددية ويريد الإصلاح الحقيقي والعمل الديمقراطي الذي لا يستثني أو يقصي أحدا. تلك المفاهيم التي ترسخت في وجدان العديد من المصريين وعلى الأخص الحركات الشبابية التي شاركت بكل امكانياتها وطاقاتها في اعتصام ميدان التحرير على مدى حوالي عشرون يوما قبل اسقاط نظام الرئيس مبارك. لم تدرك جماعة الاخوان المسلمين حجم التحديات الواجب التصدي لها على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية وغيرها ، سواء على الساحة الداخلية أو الخارجية لتلبية المطالب الجماهيرية التي خرجت بالملايين في جميع أنحاء محافظات مصر، وعلى أن التصدي لهذه التحديات يستلزم بالضرورة تحقيق السلام والوئام الاجتماعي والسياسي ، والامن والاستقرار الداخلي، وذلك بتكوين حكومة وحدة وطنية جامعة للدولة المصرية الوطنية لتحمل مثل هذه المسؤوليات الجمة في لحظة تاريخية ومفصلية في تاريخ مصر المعاصر. ولقد شكل ذلك خطأ تاريخيا فقد عملت حركة الاخوان المسلمين على إدارة شؤون الدولة المصرية كأنها تدير شؤون الجماعة وشتان ما بين إدارة شؤون الجماعة التي أدارتها حركة الاخوان بكل براعة وكفاءة عالية طيلة سنوات عديدة وإدارة دولة بحجم مصر والدور المنوط بها او المعول عليها على الساحة الاقليمية والدولية. وربما خير شهادة على ما نقول هو اعتراف بعض أطراف من الاخوان المسلمين أنفسهم حيث جاء في البيان الأخير الذي صدر عن الحركة والذي جاء فيه " اننا جميعا قد وعينا الدرس، واقتنعنا بحكمة أن الوطن للشعب كله بكل أفراده وفصائله وقواه، نديره عبر مشاركة حقيقية من كل أطيافه، لا تستثني أحدا، ولا تحتكر الحقيقة، ولا تتحكم في توزيع صكوك الوطنية بالهوى" هذا ما ورد في البيان التي أصدره الاخوان المسلمون عشية الذكرى الثالثة ل"ثورة 25 يناير". ولقد ارتكب الاخوان أخطاء حتى بحق أعضاء من الحركة والذين لعبوا دورا قياديا في عمليات التنسيق الميدانية مع الحركات والتيارات الشبابية المختلفة المشارب السياسية والاجتماعية التي نشطت في ميدان التحرير على مدى الأيام المتتالية في الاعتصامات التي أفضت بعزل الرئيس مبارك من سدة الحكم. فقد فصلت الجماعة ثلاثة من هؤلاء الشباب من الحركة لمجرد انتقاد بعض قرارات الحركة. وللأسف فان هذا الاعتراف الصريح بالأخطاء التي ارتكبتها حركة الاخوان المسلمون والتي كان من الممكن أخذه كبادرة لإجراء المصالحة الوطنية المطلوبة جاء متأخرا جدا، وفي لحظة زمنية تمايزت في وجود شرخ واستقطاب اجتماعي وأيديولوجي في الساحة المصرية وتنامي الأنشطة الإرهابية التي شملت عمليات الاغتيالات، والتفجيرات بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة للانتحاريين، مما أضاف تعقيدا أكبر على الساحة المصرية. وأصبحت الأولويات في مصر هي مكافحة الارهاب وتحقيق الامن قبل استفحال تمدد وانتشار العمليات الإرهابية الى ما يشبه الوضع في سوريا أو العراق. ولقد أعلن تنظيم أنصار بيت المقدس مسؤوليته عن العمليات الجارية على الأرض المصرية ويتوعد بالمزيد منها. ومن الواضح أن هذا التنظيم الإرهابي الذي اتخذ من سيناء ملجأ له لسنوات قد بدأ بالتحرك الى الداخل المصري للمدن الكبرى بعد تعرضه لضربات الجيش المصري في سيناء. ومن الواضح ان هذا التنظيم قد أقام خلايا نائمة على الساحة الداخلية المصرية كما تدلل العمليات الإرهابية التي يقوم بها، مما يستدعي تواجد بيئة حاضنة لهذا التنظيم. بالإضافة الى ذلك فان معظم العمليات التي قام بها والموجهة للأجهزة الأمنية وأجهزة الدولة بشكل عام، تدلل على وجود اختراق واضح لهذه الأجهزة. فالتفجيرات التي نفذت في مديريتي أمن كانا أثناء اجتماعات لضباط وأجهزة أمنية في نفس المبنى، وهذا من المؤكد أنه لم يكن مصادفة. وهذه الاحداث تزامنت مع التحركات والاحتجاجات التي تنظم من قبل الاخوان المسلمون بهدف ما يطلقون عليه عودة الشرعية أي عودة مرسي الى الرئاسة، هذه التحركات التي لم تنقطع منذ فض اعتصامي "رابعة" "والنهضة" بالقوة واعتقال العديد من قيادات الاخوان. وهنالك عدة مؤشرات دللت على وجود علاقات بين على الأقل أطراف من الاخوان المسلمون وما يسمى بأنصار بيت المقدس والعمليات الإرهابية الجارية في سيناء والداخل المصري. التصريحات التي أدلى بها البلتاجي عندما كان الاعتصام في رابعة عن أن العمليات الإرهابية في سيناء ستقف في حال عودة مرسي الى الرئاسة، بالإضافة الى عدم ادانة العمليات الإرهابية أو التأخير في تصريحات الإدانة، أو محاولة التبرير للعمليات الإرهابية. وهنالك العديد من المحللين يرون الارتباط بين الاخوان أو على الأقل التيار المتشدد بداخل الحركة وهذا التنظيم الإرهابي. ويجدر الإشارة هنا الى ان سهولة عملية إطلاق سراح بعض عناصر من الجيش المصري المختطفين في سيناء أثناء وجود مرسي في الرئاسة كانت تشير الى نوع من الاتصال والعلاقة مع المجموعات الإرهابية المتمركزة في سيناء. ومما لا شك فيه أن استهداف المؤسسة العسكرية والأمنية من قبل أنصار بيت المقدس وقناعة الأجهزة الامنية المصرية بوجود رابط بين هذه المجموعة الإرهابية التي بدأت تشكل ارقا وقلقا للدوائر الأمنية المصرية والاخوان المسلمين، أدى الى اعلان الاخوان المسلمون تنظيما إرهابيا في 25 ديسمبر من العام الماضي والتعامل معه على هذا الأساس قانونيا وامنيا. وقد شكل هذا المنعطف ضربة قوية للإخوان المسلمين التي اضطرت قياداته، أو ما تبقى منها الى الاختباء من أعين الأجهزة الأمنية أو الهرب الى الخارج الى اليمن والسودان، كما شكل ذلك طلاقا كاثوليكيا على المدى المنظور وربما البعيد بين حركة الاخوان المسلمون والمؤسسة العسكرية التي لها النفوذ الأكبر في البلاد، بحيث سيصعب عليهم العودة الى ممارسة النشاط السياسي العلني مرة أخرى. ليس هذا فحسب بل أنها لن تعود قادرة على ممارسة الأنشطة الاجتماعية التي كانت تمارسها من خلال العديد من جمعياتها الخيرة والى ما غير ذلك حيث قامت السلطات المصرية بإغلاق هذه المؤسسات ومصادرة محتوياتها والحجز على أمولها وبالتالي شل نشاطاتها بالكامل. ولقد اكتسبت حركة الاخوان المسلمين الكثير من التعاطف والتأييد الشعبي نتيجة أعمالها الخيرية حيث كانت تقدم الكثير من الخدمات بما فيها الطبية والتعليمية والترفيهية والمعونات العينية للعائلات الفقيرة دون مقابل، مما أكسبها شعبية كبيرة وهذا ما قد يفسر أحد أسباب الرئيسية للدعم الشعبي التي حظيت به الجماعة على مدار السنوات الماضية، وخاصة في ظل أوضاع اقتصادية مزرية وتدهور واضح في العمالة وارتفاع نسبة البطالة وخاصة بين جيل الشباب. ولن نكشف سرا عندما نذكر بأن الاخوان كانوا يقدمون للمعتصمين في ميدان رابعة وجبات غذائية يومية لتشجيعهم على البقاء. في النهاية نود ان نذكر بأن الخسارة الكبرى التي مني بها الاخوان المسلمين وهو ما انعكس سلبا على مسار الإسلام السياسي في المنطقة بشكل عام، هي الحلم الذي راودهم لسنوات عدة الا وهو حلم إقامة الدولة بحسب رؤياهم والتي كان من الممكن أن تكون نواة لإقامة نظام الإسلام السياسي في المنطقة. ولعل ما يجري في تونس الان يدلل على أن الاخوان المسلمين هنالك تعلموا الدرس واستطاعوا قراءة المشهد المصري بشكل جيد، ومن هنا كان ربما القبول بالتنازل عن السلطة والقبول بالدستور الجديد على مضض، لأنهم لا يريدون أن ينتهي بهم الحال كزملائهم في مصر. وقد يقول قائل إن الأوضاع في تونس تختلف عن الأوضاع في مصر وأن لكل دولة خصوصيتها، وهذا صحيح من حيث المبدأ لكنه لا ينفي أن حركة الاخوان المسلمين في تونس قد تلقت ضربة موجعة بسقوط الحركة في البلد الام، وأن عليها أن تتأقلم على الوضع الجديد ان ارادت ان تبقى فاعلة على الساحة التونسية.