2026-09-14 01:55 ص

لماذا الأردن الان؟

2014-02-01
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
لا يحتاج المرء للتدليل على أهمية الأردن وموقعه الاستراتيجي ودوره المحوري والمركزي من "عميلة السلام والمفاوضات " التي تدور في العلن وفي الخفاء وتحت رعاية أمريكية بحتة بعد اقصاء الرباعية للإلغاء دورها المتواضع جدا ، والتي وللحقيقة والتاريخ لم تخرج من تحت العباءة والاملاءات الامريكية، فما كان يخطط له أمريكيا واسرائيليا كان ينفذ بحذافيره من قبل المتصهين الجديد السيد توني بلير الذي أصبح موظفا أوروبيا بامتياز لدى الإدارات الامريكية، ولكنه أبعد عن الساحة ليحل مكانه الصهيوني الأصلي والمبعوث الأمريكي "لعملية السلام" مارتن انديك، حتى يشعر الكيان الصهيوني براحة أكثر وهو يرى احد ابناءه المخلصين هو من يدافع عنه ويحمي مصالحه وامنه بالكامل. والحق يقال فقد اثبت السيد اندك انه الابن الذي يعتمد عليه في الشدائد وحين الحاجة. كان لا بد من هذه المقدمة لتبيان الارتباط العضوي في مواقف الكيان الصهيوني وتلك المواقف التي يتبناها "الراعي" الأمريكي فيما يسمى زورا وبهتانا بعملية السلام والتي ما هي بالجوهر الا محاولة لأنهاء القضية الفلسطينية في ظروف مواتية وغير مسبوقة مع ظل حالة تشرذم ووهن في الواقع العربي ووجود أطراف فلسطينية بحكم موقعها ومصالحها السياسية والاقتصادية يمكن أن تتناغم مع حلول تحاول تزينها وإيجاد التبريرات والتخريجات السياسية لها لبيعها للجمهور الفلسطيني. ولو لم يكن هذا هو حالها لأخذت وتبنت منحى مختلف جدا عن المسار التي ما زالت متمسكة به على الرغم من قناعتها الداخلية وبحسب كل المعطيات تدرك جيدا انه مسار فاشل ولن يأتي بأي شيء ملموس للشعب الفلسطيني وحتى في الحدود الدنيا لمطالبه السياسية المحقة والعادلة. لم يشرك الأردن في المباحثات منذ البداية على الرغم لما له من ارتباط بالعديد من الملفات التي تتقاطع مع ما هو مطروح من قبل السيد كيري وخاصة فيما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في المخيمات على أرضه منذ سنوات النكبة وما بعدها، هذا بالإضافة الى ملف القدس والمقدسات والحدود المشتركة الخ. وقد تساءل الكثيرون وبحق لماذا هذا الابعاد المتعمد والصمت تقريبا عما يدور. ولم نرى تحركا رسميا طيلة هذه الفترة يدلل على انخراط الأردن بهذا الشأن. والذي يبدو أن الأمور تغيرت الان في ظل ما سيطرح بالورقة أو الوثيقة الامريكية (والتي هي بالأساس والجوهر تعبر عن الموقف الإسرائيلي) على حكومة الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية والتي يستدعي موافقة الأردن عليها والضغط على الطرف الفلسطيني الذي ما زال يبحث عن غطاء عربي. وهنا نستوقف عند حدثين أولهما إعادة اثارت قضية الفيدرالية او الكونفدرالية مع الأردن هذ الموضوع القديم الجديد. وهنالك أطراف فلسطينية قريبة من السلطة تذكر بأن هذا هو اتفاق تم توقيعه مع الأردن ما بين الرئيس الشهيد ياسر عرفات والراحل الملك حسين. لا نريد ان ندخل في نقاش حول هذا الموضوع فقد أشبع الموضوع نقاشا على صفحات العديد من الصحف والمجلات سابقا ومؤخرا. ولكن الذي نود أن نشير اليه أن اثارة هذا الموضوع الان لا بد ان يكون له دلالة سياسية وربما يكون مخرجا لبعض الصعوبات التي تعانيها المفاوضات وقد يكون له ارتباطا بما سيطرح في الورقة الامريكية-الإسرائيلية القادمة. ومن هنا تأتي أهمية الزيارة التي قام بها مؤخرا نائب وزير الخارجية الأمريكي وليام بيرنز للأردن وبعض تصريحاته التي تحمل دلالة كبيرة وهامة وهو الحدث الثاني ضمن هذا الإطار. وفي مجمل تصريحاته يقول بيرنز ان الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير الخارجية كيري "ملتزمان بشدة بتحقيق اتفاقية الوضع النهائي، وليس لدينا شريك أفضل في هذا من جلالة الملك عبدالله الثاني". وهنالك ربما إشارة واضحة من أنه قد يطلب من الأردن بشكل علني ورسمي توطين الفلسطينيين المقيمين على أرضه. فهو من ناحية يصرح بان الولايات المتحدة تأخذ بعين الاعتبار المخاوف الأردنية من مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين والكل يدرك ان المخاوف تتمحور بالوطن البديل الذي طرح وما زال يطرح في داخل الكيان الصهيوني، من الذين يعتبرون ان الأردن هي الدولة الفلسطينية، وهذا ما يثير حساسيات جمة وتبعات اجتماعية وديموغرافية وسياسية قد يكون لها ارتدادات على تركيبة وشكل الحكم في الأردن، الذي قد يطلق نزاعات وصراعات قد بدأنا نسمعها او نقرأها في وسائل الاعلام الأردنية والفلسطينية على حد سواء. وتصريح بيرنز في الأردن على ان الأردن يشكل عاملا لتحقيق السلام والاعتدال في هذه المنطقة ويعرب عن تقديره "لقدرة الأردنيين على التسامح والتعددية" ، ماذا تعني التعددية ان لم تكن قبوله بتوطين الفلسطينيين على أرضه؟ بالإضافة الى ذلك فهو يشير الى أن أمريكا تسعى الى الحل الدائم الذي يتم فيه حل قضية اللاجئين الفلسطينيين بحل "متفق" عليه. كل هذه التصريحات تصب في نفس الطاحونة وهو القبول بمبدأ التوطين النهائي. وقد اشيع قبل فترة في بعض الصحف من ان الأردن قد يتسلم تعويضا ماليا قد يصل الى 55 مليار دولار ضمن إطار التوطين إذا ما وافقت الأردن على ذلك. ومما لا شك فيه ان الأردن في وضع سياسي واقتصادي لا يحسد عليه وبالتالي سيكون عرضة لضغوطات كبيرة للقبول بهذا الإطار ولا نستبعد أن يهدد أمنه واستقراره في حالة رفضه لهذا المشروع ضمن فيدرالية أو كونفدرالية مع الكيان الفلسطيني الهزيل والغير قادر على البقاء والذي سيقام على الاراضي التي ستنسحب منها إسرائيل مستقبلا للحفاظ على يهودية الدولة ونقاءها العرقي المقيت. ولعل الزيارة التي سيقوم بها الملك عبدالله الثاني تندرج ضمن مناقشة الرؤيا الامريكية وما على الأردن ان يقوم به في الفترة التي ستسبق زيارة كيري أو ما بعدها للمنطقة. والى حين ذلك يبقى الجميع في حالة ترقب لما ستكون عليه المواقف وما ستؤول اليه الاحداث فالإدارة الامريكية عازمة على انهاء هذا الموضوع، بمعنى انها تريد انهاء القضية الفلسطينية.