2026-09-14 06:12 ص

الإستدارات في مواقف قوى 14 أذار و "الائتلاف الوطني السوري"

2014-01-15
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
كلنا لاحظ العنتريات التي تميزت بها تصريحات الرؤوس الكبار في فريق 14 آذار وخاصة تيار المستقبل وذلك بعد دقائق معدودة بعد اغتيال الشهيد الوزير اللبناني السابق محمد شطح في 27 ديسمبر من العام المنصرم، والذي كان متوجها لحضور اجتماع لقوى 14 آذار في بيت الشيخ سعد الحريري في وادي أبو جبيل. فما أن حددت الشخصية التي استهدفتها السيارة المفخخة التي ركنت على جانب الطريق، حتى ارعدت وأزبدت الصيحات المنددة بحزب الله وسوريا وتوجيه الاتهامات السياسية لهم بتدبير عملية الاغتيال والتهجم على حزب الله ودوره في سوريا. وكانت التصريحات تستهدف رفع وتيرة التصعيد والمجابهة مع المقاومة وتأجيج الوضع والتوظيف السياسي لهذه الجريمة النكراء لصالح تكين حكومة الامر الواقع وفرضها على لبنان بالرغم من المعرفة الاكيدة واليقين بأن مثل هذه الحكومة لن تنال ثقة مجلس النواب. لقد ارادوها حكومة من لون واحد، حكومة 14 آذار، وكانت تصريحاتهم توحي بالقطيعة النهائية ورفض أي حوار مع حزب الله ورفض مشاركته في أي حكومة مقبلة، فقد خرج فريق 14 آذار المجتمعون من بيت الشيخ سعد الحريري بشعار واحد " لا حوار ولا حكومة مع القتلة". وقام السيد السنيورة رئيس كتلة تيار المستقبل النيابية بقراءة البيان الذي صدر عن الاجتماع والذي عبر كما هي تعابير وجهه آنذاك لمن تابعه على التلفاز، عن حالة تشنج وتصعيد قصوى نقطف هنا بعض ما جاء فيه للدلالة على ذلك ،" لا وقت للاستنكارات الزائفة التي يطلقها الفريق الاخر" (المعني طبعا حزب الله والرئيس الاسد) " ان القاتل هو نفسه الذي يوغل في الدم السوري واللبناني، القاتل هو نفسه من بيروت الى طرابلس الى صيدا الى كل لبنان، القاتل نفسه من درعا الى حمص الى كل سوريا"، " شطح سقط في مواجهة المجرم المعروف، الذي يتفرج العالم على اجرامه". كل هذه الاتهامات التي لا أساس لها من الصحة أطلقت قبل أن يتم نقل الجرحى والشهيد من أرض الحدث. وأكدت مصادر الاجتماع أن " فريقنا قد وضع خطا أحمر على حكومة 6-9-9، واي حكومة مشاركة، ونحن نريد حكومة 14 آذار" . وهذا ما أكه الشيخ سعد الحريري في احدى المقابلات التلفزيونية " كنا نطالب بحكومة حيادية، لكن بعد الجريمة قد نطالب بحكومة من 14 آذار". وذهب جعجع للقول " أنه من الطبيعي بعد الزلزال الذي شهدناه اليوم أن تتألف الحكومة، ونحن ننتظرها خلال ساعات أو أيام". لقد سقنا كل هذه التصريحات لنبين المواقف التصعيدية التي تبنتها 14 آذار حينذاك والتي استمرت لغاية فترة قريبة، حيث تبدلت هذه المواقف 180 درجة إذ قبلت 14 آذار مبادرة السيد نبيه بري في اجراء الحوار لتشكيل حكومة وطنية جامعة لا تستثني أحدا من المكونات السياسية والطائفية والاجتماعية للمجتمع اللبناني، ويدور الجدال الان على الحقائب الوزارية والتدوير فيما بينها على حسب المبدأ المقترح. هكذا سقطت كل العنتريات بشكل مفاجئ مذهل وليس بشكل تدريجي وبناءا على معطيات لبنانية فما الذي حصل؟ الامر ببساطة أن الأوامر قد صدرت من نفس الجهة التي كانت تعطل الحل وتصر على عملية المواجهة والتصعيد والدفع لتكوين حكومة الامر الواقع واقصاء حزب الله من الحكومة التي كانت قد أعدت ولم يبقى سوى الإعلان عنها. هذا الطرف بلغ أو بالأحرى أمر أن يتخلى عن هذه المواقف وأن ينقل الامر ويبلغ الطرف المعني في لبنان أن عليه ان يقبل بالصيغة الجديدة، ويتأقلم مع المعطيات الجديدة. هكذا هي احجار الدومينو أمريكا أصدرت توجيهاتها الى الطرف السعودي، والسعودي قام بتبليغ قوى 14 أذار. أما كيف حدث هذا ومن اتصل مع من ومن اعترض، هذه أصبحت تفاصيل سنعرفها عاجلا أم أجلا. النقطة التي نود أن نؤكدها هنا أن هذا التحول الفجائي الذي له أسبابه الموضوعية بالطبع، يأتي ليؤكد أن فريق 14 آذار لا يملك القرار السياسي وليس لديه أي هامش للمناورة في القبول أو عدم القبول وهذا ما يؤكده التحول المفاجئ والدراماتيكي في الموقف. هذا بالطبع لا يعني انه لن يكون هنالك محاولات لخلط الأمور وتعقيد الأوضاع في محاولة لتحقيق اكبر قدر من المكاسب ضمن قواعد اللعبة والهامش الزمني المسموح بهما. لقد بات من الواضح أن أمريكا تريد في المرحلة الحالية نوع من الاستقرار النسبي في لبنان وخاصة وانها منشغلة في العديد من الملفات الساخنة في المنطقة من ايران الى سوربا الى العراق خاصة، وهي ليست بصدد فتح جبهة ساخنة أخرى وهي تدرك جيدا بأن فرض حكومة الأمر الواقع قد يفجر الأمور بشكل خارج عن السيطرة، ليس هذا فحسب بل وهي تدرك جيدا أنه اذا ما فتحت المعركة فلن يكون ذلك لصالح أدواتها وهي في نهاية الامر تفتش على مصالحها ولا يهمها أن ترضى السعودية أم لا وبالتالي صدرت الأوامر ولا نستبعد التهديدات المباشرة للطرف السعودي أن يلتزم بتبريد الساحة اللبنانية وبالتالي أوعز الطرف السعودي لحلفائه بالتصرف في هذا المنحى. أما بالنسبة للموقف من حزب الله وتوجد بعض من قواته في سوريا، وعملية مشاركته في الحكومة المقبلة فلقد رفع هذا الفيتو الأمريكي والاوروبي وتبعت السعودية لان التقديرات الغربية دون استثناء أصبحت مقتنعة أن الحرب الدائرة في سوريا الان، ليست كما كانوا يروجون لها على أنها حربا أهلية بل هي حربا ضد الارهاب بكل المقاييس، وعلى أنه ارهاب دولي مدعوما من دول إقليمية وعلى رأسها السعودية بالإضافة الى قطر والكويت وتركيا. لقد ترك لهذا الارهاب الفرصة لتحقيق مكاسب على الأرض السورية لتوظيفها في اية عملية تفاوض للملف السوري، ولكن مع مرور الفترة الزمنية المحددة والهامش المتاح لأمير الارهاب بندر بن سلطان دون تحقيق ذلك ومع تنامي نفوذ المجموعات القاعدية وعلى رأسها دولة الإسلام في العراق وبلاد الشام وجبهة النصرة على الأرض السورية وامتداداتها وانتشارها السرطاني في المنطقة ، وتنامي خطر الارهاب العائد الى البلدان الغربية والذي أصبح يقض مضاجع الأجهزة الأمنية في تلك البلاد ويهدد أمنها القومي، أصبحت الأولويات في سوريا هي محاربة الارهاب والقضاء عليه في جحوره قبل أن يبدأ بالعودة الى البدان الغربية والولايات المتحدة الامريكية، وسقطت أولوية اسقاط الدولة السورية وبالتحديد رحيل الرئيس الدكتور بشار الأسد. وخير دليل على تغير الأولويات لمحاربة الارهاب هو المساعدات العاجلة التي قدمتها الولايات المتحدة الى الحكومة والجيش العراقي في محاربته للمجموعات الإرهابية في العراق وخاصة دولة الإسلام في العراق والشام، تلك المساعدات التي كانت تطالب بها الحكومة العراقية وتلح عليها منذ أمد بعيد والتي لم تستجب اليها الإدارة الامريكية الا مؤخران والسؤال الي يجب أن يطرح لماذا الان؟ ان القرار الأمريكي بمحاربة الارهاب قد اتخذ لأنه أصبح يهدد بشكل جدي المصالح والامن القومي الأمريكي والغربي، هكذا تفهم الأمور وعلى كل التابعين والأدوات والحلفاء أن يصطفوا في المرحلة الحالية في الصف في هذا الاتجاه. على الجميع أن يتأقلموا مع هذا الواقع الجديد ان أراد البقاء تحت المظلة والحماية الامريكية. وكما حصلت الاستدارة المفاجئة والدراماتيكية لقوى 14 آذار في لبنان بالنسبة للحكومة الوطنية الجامعة ومشاركة حزب الله بالحكومة، فان بوادر الاستدارة "للائتلاف الوطني السوري" بالنسبة لحضور مؤتمر جنيف (2) قد بدأت بالفعل وهذا نابع من الضغوطات التي مورست على رئاسة الائتلاف في باريس مؤخرا، حيث أجمعت مجموعة ما يسمى "بأصدقاء سوريا" انه لا حل الا الحل السياسي "ونصحوا" الائتلاف بحضور مؤتمر جنيف (2) والا فانه سيفقد كل الدعم الذي قدم اليه لغاية الان من الدول الداعمة وخاصة فرنسا والولايات المتحدة. والكل يعلم أن الائتلاف هو صنيعة الدول الخليجية السعودية وقطر بالإضافة الى تركيا وبدعم غربي كبير سياسيا على الساحة الدولية واعلاميا ونصب الممثل الشرعي للشعب السوري وأنه وحده الطرف المؤهل لتشكيل وتمثيل وفد المعارضة في المؤتمر، ولا نظن أن الائتلاف وهو الصنيعة يمكنه رفض الذهاب لأنه بذلك يكتب صك نعشه، حيث أنه جسم هلامي لا يستطيع العيش أو البقاء دون هذا الدعم، ولا حتى دفع فواتير الفنادق خمسة نجوم التي يتمتع بها اعضاءه. أما قضية انسحاب مل يسمى بالمجلس الوطني السوري من الائتلاف فيما اقر الذهاب الى جنيف، فهو موقف ليس مبنيا في حقيقة الامر على الذهاب من عدمه بقدر ما هو نتيجة خسارة مرشحي هذه الزمرة في الانتخابات للائتلاف التي جرت مؤخرا في تركيا، مما استدعى قطر أن تطلب من صنيعتها (المجلس الوطني السوري بالإعلان عن هذا الموقف). ومن هذا يتضح أن الصنائع لا قرار لها وعلوا صوتها الذي سمع ويسمع بين الحين والأخر لا يعني شيئا، لأنها تتحرك بإيقاع صانعها والقرار قد أخذ وعليها الانصياع. وتصريح السيد الجربا رئيس الائتلاف بعد اجتماع أصدقاء سوريا بأن الائتلاف حصل على ضمانات من الدول الغربية والولايات المتحدة بأن لا الرئيس الاسد ولا عائلته سيكون له مكان في مستقبل سوريا هو من صنع نسيج خياله ليس الا، لأنه يريد أن يقنع أو يوهم نفسه والاخرين من أعضاء الائتلاف أنهم لم يسقطوا شرط ذهابهم الى مؤتمر جنيف (2)، هذا الشرط الذي رددوه طيلة السنوات الماضية وهو البند الوحيد واليتيم على برنامجهم السياسي لمستقبل سوريا . ان دل ذلك على شيء فهو يدل على حماقة متناهية ويدلل على ماهية هذا الائتلاف. في المؤتمر الصحفي الذي عقد بعد اجتماع كيري ولافروف والاخضر الابراهيمي في باريس مباشرة بعد مؤتمر "أصدقاء سوريا" لم بنبس كيري بكلمة واحدة حول رحيل الرئيس الأسد لا من بعيد أو قريب وذكر بالحرف الواحد ان من يقرر مستقبل سوريا هو الشعب السوري وهذا ما أكد عليه لافروف وأضاف عليه الشعب السوري وحده هو الذي يقرر مصيره ومستقبله دون أي تدخل خارجي وكذلك الأخضر الابراهيمي. وإذا ما كانت هذه مواقف الجهات المشرفة والراعية والداعية للمؤتمر الرسمية والمعلنة والتي حثوا بها أيضا الائتلاف للذهاب الى جنيف لأنه لا حل الا الحل السياسي فمن أين اتى السيد الجربا بما صرح به اذا لم يكن من نسج خياله الخصب؟ في النهاية نود أن نؤكد أن هذه المواقف والإستدارات لا تعني بالضرورة شطب المؤامرة وعمليات الابتزاز في لبنان وسوريا ووضع العراقيل لحل الازمات والعمل على إنهاك الدولة السورية والضغط لرحيل الرئيس الأسد ولكن الظروف الميدانية والموضوعية لم تعد تجري لصالح كل المتآمرين دون استثناء، وبالتالي كان لا بد من التأقلم وإعادة التموضع مع هذا الواقع الجديد الذي أوجده وجذره الصمود الأسطوري للثالوث المقدس والمتمثل بالجيش العربي السوري والشعب السوري والقيادة السياسية والعسكرية الحكيمة، والدعم المبدئي الذي قدمته ايران وروسيا والصين وحزب الله.