2026-09-14 07:58 ص

الإسلام السياسي من أكبر الخاسرين مع انتهاء 2013 (1)

2014-01-08
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
المتتبع الدقيق في مجرى الاحداث في المنطقة العربية وما حولها في العام المنصرم يرى بوضوح أن تنظيم الاخوان المسلمين قد تلقى ضربة موجعة وبالتالي فان الإسلام السياسي يرقى الى أن يكون أكبر الخاسرين ربما على مستوى المنطقة سياسيا مع انتهاء 2013. والذي يبدو أن العام الجديد لن يحمل في ثناياه أية بادرة أمل من أنه سيكون على حال أفضل مما سبقه. لقد شهد بداية عام 2013 صعود حركة الاخوان المسلمين في مصر الى سدة الحكم وتبوء منصب الرئاسة، وذلك بعد ما يقرب من 60 عاما من ملاحقات لأعضائها وقياداتها وتعرضهم للسجن لسنوات طويلة في مصر. أما في تركيا فقد تمتع حزب العدالة والتنمية بأغلبية مريحة في البرلمان التركي مما سهل عليه تمرير الكثير من سياساته دون مقاومة تذكر. وقد شهدت فترة أردوغان نموا وانتعاشا اقتصاديا ملموسا ظاهريا واستطاع ان يحجم الجيش التركي ويلغي دوره الفاعل في التدخل بالسياسة على الساحة التركية عن طريق التخلص من الكثير من القيادات العسكرية اما بالإقالة من مناصبهم او بحملات الاعتقال وتوجيه التهم اليهم وزجهم بالسجون، كما عمل على تطهير الجهاز القضائي من الكثيرين من معارضي سياسته الداخلية، وعمل على تقليص دور الأحزاب العلمانية التي كانت تدعم الجيش وتعتبره المؤسسة التي يمكنها الحفاظ على الطابع العلماني للدولة التركية. الى هذا كله عمد على اسكات الكثير من المنابر الإعلامية والإعلاميين المناهضين لسياسته ووضع الكثير منهم بالسجون. وقد حكم البلاد مثل سلطان عثماني وبدا أنه قد سيطر على الأوضاع بشكل يتيح له عمل ما يشاء. وكان يخطط الى البقاء في الحكم لسنوات قادمة حيث أنه كان يعمل على تغيير دستور البلاد ليمكنه من ذلك. ومع مجيء ما أطلق عليه بالربيع العربي وصعود تنظيم الاخوان المسلمين في تونس ومصر والى درجة أقل في ليبيا، بدأ وان الأمور تجري لصالح تنظيم الاخوان المسلمين في المنطقة ورأى اردوغان في ذلك فرصة تاريخية لحلم إعادة العثمانية الجديدة والتي كان من المفترض أن يكون فيها السلطان العثماني الجديد. ولقد شكل وصول الاخوان المسلمين في مصر دفعة قوية للإسلام السياسي في المنطقة بحكم موقعها الجيوسياسي في المنطقة والدور الذي يمكن أن تلعبه على المستوى العالمي. ولعل تخصيص أول زيارة خارجية رسمية للرئيس المعزول مرسي للسعودية كانت لها دلالات واضحة على أكثر من مستوى وربما كان أهمها أن مصر تؤمن بالدور الريادي للسعودية على المستوى العربي والإسلامي، وعلى أن مصر لن تسلب منها هذا الدور بل أتت لإيجاد صيغ التعاون المشترك بين الدولتين وخاصة وأن مصر تدرك الحساسيات السعودية من حركة الاخوان المسلمين. أما الدلالة الثانية فهي الوقوف الى جانب السعودية بالنسبة الى ايران ومن هنا نفهم التلكؤ الواضح من قبل الحكومة المصرية آنذاك حيال الانفتاح على ايران، ليس هذا فحسب بل ذهبت الى أبعد من ذلك عندما ذهب مرسي الى ايران لحضور مؤتمر القمة الإسلامية الذي عقد في طهران، ليتضمن في كلمته التي القاها في المؤتمر هجوما شرسا على الدولة السورية وضرورة اسقاط الأسد من الحكم الى ما غير ذلك مما أثار استهجان ايران لاتخاذ هذا الموقف المتعنت على أراضيها وهو يعلم بالتمام موقف ايران من الاحداث في سوريا. بدأت تركيا أردوغان بالزيارات لدول الربيع العربي وكانت زيارته الى مصر لافتة من حيث التنسيق في المجال السياسي وخاصة فيما يتعلق بالملفات الساخنة في المنطقة وعلى رأسها الملف السوري حيث كانت تركيا منغمسة من رأسها الى أخمص اصابعها في الملف السوري. ولقد شجع الرئيس مرسي بشكل مباشر وغير مباشر بالذهاب "للجهاد" في سوريا. أما على صعيد الحكم في مصر فقد حث أردوغان الاخوان المسلمين بحذو المثال التركي والذي في حينها بدا ناجحا ومرضي عليه أيضا في الغرب الذي اعتبره أنه نموذجا للإسلام السياسي المعتدل والذي يمكن التعامل معه. أما في الجانب الاقتصادي فقد تم ابرام العديد من العقود التجارية والوعود بمساهمة الشركات التركية بمشاريع داخل مصر وإعطاء قروض الى ما غير ذلك، حيث كانت مصر بحاجة للدعم المادي نظرا للحالة الاقتصادية المتردية جدا وصعوبة الحصول على القروض من البنك الدولي الذي وضع شروطا قاسية لمنح القروض لمصر. وهنا جاء الدور القطري وأغدقت الأموال على الحكومة المصرية وكانت قطر قد وعدت بتقديم ما يقارب من 100 مليار دولار كمساعدات وانشاء مشاريع استثمارية وهو ما كان وعد به مرسي في حالة انتخابه رئيسا من أنه سيجلب المليارات لمصر. وأخذ المحور التركي-القطري-المصري بالتبلور وانتعشت حركة حماس الفلسطينية بمجيء الاخوان في مصر وكانت تأمل بفك الحصار عن قطاع غزة ولقد قام إسماعيل هنية لأول مرة بالخروج من القطاع وتمكن من زيارة مصر وتونس، وخرجت قيادات حماس من سوريا تحت اغراءات قطرية وانتقلت قياداتها الى الدوحة. وعقدت المؤتمرات لتنظيم الاخوان المسلمين العالمية في تركيا لترتيب أوضاع التنظيم على المستوى الإقليمي والدولي مع تسارع الاحداث في المنطقة، مما استدعى التنسيق فيما بينها. ودعمت المعارضة السورية بمليارات الدولارات القطرية لشراء الأسلحة ودفع الرواتب للمرتزقة وقامت تركيا بتسهيل دخول الأسلحة والمقاتلين الذين جندوا وتوافدوا على تركيا للقتال في الداخل السوري وفتحت لهم معسكرات التدريب والماؤى والسكن قبل الدخول الى الأراضي السورية، وقدمت لهم كل الدعم اللوجستي. واستخدمت قطر اداتها الإعلامية محطة الجزيرة في ضخ اعلامي غير مسبوق ضد الحكومة والدولة السورية وشخصنة الصراع وتشويه صورة الرئيس الدكتور بشار الأسد، كما كان الحال مع صدام حسين ومعمر القذافي. واستخدمت كل وسائل وسبل التضليل الإعلامي المحترف وعلى أيدي خبراء عالميين في الاعلام وعلم النفس وغيره للتأثير على الرأي العام العربي والغربي، ولقد نجحت الى حد ما في هذا الاطار آنذاك. ونشطت قطر على الساحة العربية والدولية بشكل لم يسبق له مثيل لدولة صغيرة مثل قطر ووظفت المليارات في سبيل اسقاط الأسد. وجعلت الجامعة العربية وامينها العام نبيل العربي مطية لتنفيذ مخططات اسيادها في البيت الأبيض. ولقد أعطيت هامشا ليس بالقليل من البيت الأبيض للتحرك على المستوى الإقليمي والدولي حتى على حساب السعودية ودورها في المنطقة والتي شغلت الأداة الرئيسية للولايات المتحدة في المنطقة العربية لقرون من الزمن. وفي هذه الاثناء كانت الولايات المتحدة قد أخذت منحى واضحا بالتعامل مع تنظيم الاخوان المسلمين في المنطقة على أن يقوم المحور التركي-المصري-القطري بدور فاعل ووازن ضمن هذه السياسة والتوجه الجديد في المنطقة، وخاصة وأن هذا المحور أبدى استعداده للحفاظ على أمن إسرائيل وهو احدى مرتكزات السياسة الامريكية في المنطقة. وفي هذا الإطار قام أمير قطر بزيارة قطاع غزة وكان أول رئيس عربي يزور القطاع ووعد حكومة غزة بالمليارات والاستثمارات في البنى التحتية وكانت الزيارة بمباركة إسرائيلية. وأخذت تركيا على عاتقها اقناع تنظيم الاخوان المسلمين في مصر وتونس بالاحتذاء بالنموذج التركي في الحكم. وكان من المفترض أن يؤهلها ذلك لموقع الريادة في المنطقة والعالم الإسلامي وخاصة مع انكفاء الدور السعودي التي أبدت امتعاضها من كل ما يجري على الساحة وخاصة من الولايات المتحدة التي بدأ بتخليها عن الرئيس المخلوع حسني مبارك. وعمدت كل من تركيا وقطر على حث الولايات المتحدة ومجلس أمنها في الأمم المتحدة بالتدخل العسكري في سوريا تحت البند السابع ونشط وزير خارجية قطر حمد بن جاسم بشكل ملحوظ ودؤوب في هذا المجال. وكان المخطط أن يتسلم الاخوان المسلمون في سوريا دفة الحكم بعد سقوط الأسد حيث كانت كل الرهانات أن الامر سيتم بسرعة وخاصة اذا ما تدخلت الولايات المتحدة. وكان يرى أن الاخوان المسلمين في سوريا سيعملون بالضد من "نظام" الأسد بالإضافة الى أنهم سيقفون ضد المجموعات الإسلامية المتشددة. ومع وصول الاخوان المسلمين في سوريا (هكذا كانت الأحلام ) تكتمل الحلقة ويكون الوطن العربي بدوله الهامة من ناحية جيوسياسية والمنطقة تحت سيطرة تنظيم الاخوان الدولي. هكذا بدأ المشهد والصورة في بداية العام المنصرم، وكان الانطباع بأن الطريق أمام مخطط الاخوان مفروشا بالورود أو هكذا صور لهم. وللحديث تكملة في مقال تابع.