2026-09-14 06:11 ص

الاتهامات الجاهزة لن تجدي

2013-12-28
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
ها هو الإرهاب المتنقل على الساحة اللبنانية بجغرافيتها الطبيعية والسياسية يعود ويضرب بسيارة مفخخة في وسط العاصمة بيروت ويؤدي الى استشهاد وزير المالية اللبناني السابق الدكتور محمد شطح الى جانب سبعة شهداء من المدنيين بالاضافة الى العديد من الجرحى الذين نقلوا الى مستشفى الجامعة الامريكية وغيرهن بعضهم في حالات حرجة. هذا العمل الاجرامي الجبان والمدان يأتي ضمن سلسلة من عمليات التفجيرات التي عصفت في لبنان وما تزال، مستهدفة زعزعة أمنه واستقراره ساعية الى تمزيق نسيجه الاجتماعي وتأجيج نار الفتنة الطائفية والمذهبية والدفع الى حافة الهاوية على أمل اشعال الحرب الاهلية التي تحرق لبنان كشعب ودولة ومؤسسات، ولإشاعة الفوضى وفقدان السيطرة على البلاد والدخول في النفق المظلم. هذا هوالتفجير الخامس من نوعه التي بدأت بتفجيرين في الضاحية الجنوبية مرورا بتفجير الجامع في طرابلس والتفجير بالسيارة المفخخة التي تعرضت له السفارة الإيرانية. لقد حذر الكثيرون من مغبة الوصول الى حال كهذا، فكان أن تنادت كل الشخصيات والفعاليات الوطنية اللبنانية والعربية بضرورة أخذ الخطوات التي من شأنها التصدي للتيارات التكفيرية الإرهابية التي بدأت بالزحف والتموضع في الأراضي اللبنانية لضرب السلم الأهلي وزعزعة أمن المواطن اللبناني، محذرة بمحبة أن الإرهاب السرطاني لن يوفر أحدا وان تهادن مع البعض لأسباب تكتيكية، وعلى أن كل اللبنانيين مستهدفين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو السياسية. ولعملية الاغتيال الجبانة هذه دلالات واضحة اذا ما اعتبرنا شخصية الدكتور محمد شطح والذي كان بطريقه الى اجتماع للقوى 14 من اذار. فالرجل وعلى حسب شهادة الكثيرون انسان يميل الى الاعتدال في مواقفه السياسية ومن الذين يدعو للحوار مع الاخر وحق الاختلاف في الرأي، بمعنى انه من الشخصيات المنفتحة على الغير والداعي للتقارب ما بين الفرقاء السياسيين وليس من دعاة التصادم. ولهذا يرى البعض أن عملية الاغتيال هذه هي عملية اغتيال مسيرة الاعتدال التي كان ينادي بها الشهيد، للخوف من امكانية نجاح هذه المسيرة التي قد تفلح في رأب الصدع بين القوى السياسية المتباعدة في مواقفها على أمل العودة الى طاولة الحوار الوطني والعمل على بناء وتفعيل المؤسسات التشريعية والتنفيذية للبلاد. ويكفي أن نميز بين ما قيل عن الشهيد الدكتور محمد شطح وبين الكلمة النارية التحريضية الغير مبررة والتي تنفث سما زعافا التي القاها السيد السنيورة بعد اجتماع فريق 14 أذار والتي اتهم فيها الدولة السورية وربما حزب الله معه في عملية الاغتيال مباشرة وربما بينما كانت سيارات وفرق الإسعاف ما زالت تسعف الجرحى والمصابين الى المستشفيات. ولق قرأ الكلمة المكتوبة أمام الصحفيين "...اغتيال محمد شحط بيد المجرم الي تعرفونه وتفكرون به وتشيرون اليه...المجرم الذي لن ندعه ينتصر ولن ينتصر ....لقد وصلت الرسالة المكتوبة بالدم ...". هذا الاتهام المتهور واللامسؤول والذي ينم على حقد أعمى ودفين منغرس في عقول وقلوب الكثيرون من قيادات الصف الأول من قوى 14 أذار من شأنه أن يدفع البلاد الى مزيد من عملية الاحتقان والدفع بلبنان الى أتون الحرب الاهلية التي لا تبقي ولا تذر. ويكفي أن ننبه السيد السنيورة بما قال صاحبه ورئيسه الشيخ سعد الحريري عند استشهاد والده رحمه الله حيث صوب حينها كل اتهاماته الى سوريا، ثم عاد وأعترف لصحيفة الشرق الأوسط السعودية الصادرة بتاريخ 6 سبتمبر 2010 بأن اتهام فريقه لسوريا كان اتهاما سياسيا متسرعا، وعلى ان شهود الزور ضللوا لجنة التحقيق وأساؤوا لسورية ولعلاقة لبنان معها. ونتساءل هنا الم يتعظ السنيورة وفريقه من هذه الحادثة؟ وماذا سيفعل عندما تنجلي الحقيقة؟ هل سيلحس كلامه ويعتذر عن الاتهامات الجاهزة؟ لا نعتقد ذلك. المعلومات الأولية على ما يبدو تشير بأن المواد التي استخدمت في التفجير هي من نفس النوعية التي استخدمت في التفجير الذي استهدف السفارة الإيرانية ويقال أن الأجهزة الأمنية اللبنانية قد تعرفت على السيارة التي استخدمت في التفجير، فلننتظر الى ما ستسفر اليه التحقيقات قبل أن تصدر الاتهامات الغير مبررة والمغرضة. ويكتسب التوقيت لمثل هذه العملية الاجرامية أهمية لأنه يأتي على خلفية غياب لمؤسسات الدولة اللبنانية، فما زالت العراقيل توضع لمنع تأليف حكومة جامعة لكل الاطياف والمكونات السياسية اللبنانية وما زال الفيتو السعودي على مشاركة حزب الله في الحكومة قائم بالإضافة الى الارتهان لما سيؤول اليه الوضع في سوريا قائما. ومجلس النواب معطل والانتخابات الرئاسية قادمة، والابقاء على هذا الوضع سيؤدي بلبنان الى كارثة بكل المقاييس. أما فرض حكومة الامر الواقع فلن تجدي بل ستزيد من حالة الاحتقان وتأزيم الوضع الداخلي. ومن الواضح أن توقيت العملية الإرهابية يأتي ضمن هذا المخطط الذي يهدف الى توجيه لبنان الى حالة الفراغ السياسي أو التصادم ما بين القوى. الغريب في أمر الاتهامات التي تلقى جزافا وبسبق إصرار، ان مطلقوها لا يأبهون ولو للحظة واحدة أن يشككوا بأن مثل هذا العمل الجبان قد يكون من أعمال الموساد الإسرائيلي وخاصة مع اكتشاف العديد من الشبكات المخباراتية الإسرائيلية العاملة على الأراضي اللبنانية. ان كل انسان سوي يفكر بموضوعية يضع احتمال على أن يكون للموساد ضلع في هذه العملية، لان إسرائيل لها مصلحة مباشرة في تفجير الأوضاع في لبنان. كما أن المستفيد من هكذا عمليات هو الطرف الذي يريد اشعال نار الفتنة المذهبية ومن يريد ويسعى الى تحويل طبيعة الصراع في المنطقة من صراع مع العدو الصهيوني الى صراع سني شيعي وبالتالي حرف بوصلة الصراع، لا بل والذهاب الى ما أبعد من ذلك ليصل به حقده الاعمى الذي عشعش في كل جوارحه للتنسيق مع العدو الصهيوني لنهش الجسد العربي ومحاولة تمزيقه، وهو الذي يمسك بالملف والورقة اللبنانية بعدما فقد معظم أوراقه وبعد تآكل دوره ونفوذه في المنطقة ورفض التعاطي مع الوقائع الجديدة والتأقلم معها والقبول بالغير ونبذ سياسة الاقصاء والتعالي وشراء الذمم. هذا الطرف لن يهمه ما سيؤول اليه أو عليه لبنان فقد اخذ القرار بتدمير الأخضر واليابس في لبنان وغيرها. من يريد الخير للبنان والنأي به عليه أن يضبط البؤر الأمنية التي انتشرت كالبؤر السرطانية, ويضبط الحدود ويمنع تسلط الأحقاد والغرائز الهمجية التي تكفر الغير وتحل دمه. من يريد الخير للبنان عليه أن يبادر بجمع كافة مكونات المجتمع اللبناني الى طاولة الحوار والاسراع بتكوين الحكومة الجامعة بدلا من السؤال ما هي الحكومة الجامعة وكأنه لم يعايش لبنان الذي حكم منذ استقلاله بتوافق مكوناته السياسية والاجتماعية والطائفية والمذهبية، بالرغم من تحفظنا على هذه الصيغة. من يريد الخير للبنان يعمل جاهدا على العودة الى دولة المؤسسات وليس الى البؤر والمربعات الأمنية. وبالتأكيد من يريد الخير للبنان ليس من يطلق الاتهامات الجاهزة المخزونة في جعبته. أملنا أن لا نكون قد وصلنا الى خط لا عودة وأن هنالك ما زالت قوى عاقلة في لبنان تمتلك القدرة للجم هذه الهرولة الى المجهول.