2026-09-14 09:30 ص

العربدة السياسية السعودية

2013-12-11
بقلم: بهيج سكاكيني
على ما يبدو ان السعودية قد فقدت السيطرة على دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت تتمتع بها لفترة طويلة. وكان من الطبيعي وضمن المتغيرات التي تشهدها الساحة الاقليمية والدولية أن تنعكس هذه المتغيرات بشكل أو بآخر على دول المنطقة ومصالحها، مما يحتم عليها ربما اعادة التموضع بناء على المعطيات الجديدة وذلك للحفاظ على مصالحها سواء السياسية أو الاقتصادية، لضمان دور لها ضمن المنظومة الاقليمية والدولية الآخذة بالتشكل التدريجي والمبنية على ربما خمسة ركائز أساسية والتي يمكن ايجازها: أولا بالتراجع الأمريكي في المنطقة والوهن الذي أصاب نفوذها على أثر الانسحاب من العراق وقريبا من أفغانستان وتدهور حاد في الاقتصاد الولايات المتحدة، وثانيا صعود وتنامي الدور الروسي والصيني على المسرح الدولي والنجاحات الدبلوماسية الروسية والتي تمثلت في تحقيق انفراجات سياسية حقيقية في الملفات الساخنة، مما عزز منحى اتباع السبل السلمية والمفاوضات كسبيل لحل النزاعات والصراعات في العالم، ثالثا توقيع الاتفاقية المرحلية بين ايران والدول الست الكبرى بشأن الملف النووي الإيراني ورابعا سقوط كل الرهانات على اسقاط النظام في سوريا على الرغم من تسخير كل الإمكانيات المالية والإعلامية والاقتصادية والسياسية للعديد من الدول في المنطقة وعلى رأسها تركيا والسعودية وقطر والدول الغربية، الى جانب تجنيد وارسال عشرات الالاف من المقاتلين من كل أرجاء المعمورة الى الداخل السوري "للجهاد" في محاولات يائسة وبائسة لإسقاط الدور السوري المقاوم للمخططات الامريكية والصهيونية التي تهدف الى تحويل المنطقة الى كيانات وجزر أرخبيل مذهبية وطائفية وعرقية مبعثرة وهيمنة الكيان الصهيوني على المنطقة بأسرها. وخامسا سقوط مشروع الإسلام السياسي في المنطقة التي قادته تركيا اردوغان بالتحالف مع الولايات المتحدة أو على الأقل تعثر هذا المشروع كما تبين الاحداث في مصر وتونس وليبيا . هذه الاحداث وما صاحبها من متغيرات وتداعياتها التي عصفت في المنطقة قد يفسر البعض من الخلافات التي ظهرت على السطح بين الدول الخليجية وخاصة ما بين السعودية وقطر من ناحية والسعودية وعمان من ناحية أخرى والتي من المرشح لها أن تعصف بمجلس التعاون الخليجي ودوله بالرغم من محاولة أمير الكويت لرأب الصدع التي أحدثته هذه الخلافات والتي انعكست على سبيل المثال في حدة التصريحات التي جاءت مؤخرا على لسان وزير خارجية سلطنة عمان السيد يوسف بن علوي أثناء مشاركته في منتدى الامن الخليجي الذي عقد مؤخرا في العاصمة البحرانية المنامة وذلك حول معارضة سلطنة عمان للمشروع المقدم من قبل السعودية لتحويل مجلس التعاون الخليجي الى اتحاد وعلى أن السلطنة ستقوم بالانسحاب من مجلس التعاون اذا ما أقر ذلك. ولقد سبق وأن اشرنا الى ذلك في مقال سابق هنا على صفحات جريدة المنار. وها هي السعودية الان تخرج علينا لتهدد علنا بقطع المساعدات التي يقدمها المجلس لسلطنة عمان. وكان ان أقر المجلس سابقا تقديم مساعدات بعشرة مليارات دولار لم تستلم سلطنة عمان منها الا الجزء القليل من الكويت بالتحديد ولم تقم السعودية بالوفاء بما وعدت السلطنة من هذه الاموال كما ذكرت سلطنة عمان. ولقد هاجمت الصحف السعودية القريبة من العائلة المالكة سلطنة عمان متهمتا اياها وايران بالعمل على تخريب وتفكيك مجلس التعاون الخليجي. وفي حالة تفجر الخلافات القائمة بين الدول الخليجية والتي لم يعد بالإمكان وضعها تحت الطاولة حتى لا تظهر للعلن، فإن الخاسر الاكبر في هذه المعادلة الجديدة هي بالتحديد السعودية. فبفقدان ورقة مجلس التعاون الخليجي ستفقد السعودية بعض من نفوذها المتآكل والمتراجع في المنطقة نتيجة السياسات الخارجية الخاطئة والمتهورة والمدانة من قبل المجتمع الدولي وخاصة فيمل يتعلق برعاية وتصدير الإرهاب والتكفيريين كما أشار مقال باتريك كوكبيرن في احدى الصحف البريطانية بعنوان " اصدقاؤنا السعوديون يمولون حمامات القتل الجماعي في الشرق الأوسط". هذا بالإضافة الى ما كتب عنه رئيس الاستخبارات الفرنسية السابق في كتابه الذي صدر مؤخرا بعنوان " الاستخبارات الفرنسية: الرهانات الجديدة" عن دور الأمير السعودي بندر بن سلطان وتسليح "الجهاديين" في لبنان وغيرها. ولا شك أن فقدان السعودية لنفوذها في مجلس التعاون الخليجي، سينعكس سلبا على دورها ومكانتها كقوة إقليمية فاعلة ووازنة وخاصة على الساحة الخليجية. وهذا ما قد يفسر عدم حضور خادم الحرمين شخصيا على الرغم من معرفتنا بأن وضعه الصحي لم يكن ربما يسمح له بذلك، وترك ادارة الازمة داخل المجلس الى امير الكويت الشيخ صباح الأحمد جابر الصباح لتجنب تفجير الأوضاع وحصول ما لا يحمد عقباه. وقد اتضح هذا من عدم احتواء الكلمة الافتتاحية التي القاها أمير الكويت على النقاط الخلافية بين دول المجلس وخاصة مشروع الاتحاد الخليجي كما تجنب التحدث عن الوضع السياسي واكتفى بالقول بأن دول المجلس ترحب بالاتفاقية المرحلية التي تم توقيعها بين ايران والدول الست الكبرى حول برنامجها النووي. وقد يعتقد البعض أن الامور قد مرت بسلام، ولكن هذا لا ينفي حالة الاحتقان التي تعيشها دول مجلس التعاون الخليجي التي تحمل في طياتها بذور التفجير من الداخل أو ابقاءه في حالة الشلل وموت سريري. فلطالما بقيت السعودية تتعامل باستعلاء ورعونة مع الدول الخليجية الأخرى وخاصة تلك التي لا تشاركها بالضرورة مواقفها السياسية من الاحداث التي تدور في المنطقة وتطلق التهديد والوعيد والاعتقاد بأنها تستطيع أن تشتري مواقف الغير كما عودتنا في سياساتها الخارجية، وطالما أنها بقيت تغرد خارج السرب الإقليمي والعالمي الذي ينحى بغالبيته الى حل الخلافات بالطرق السلمية والحوار والابتعاد عن قرقعة السلاح والتهديد باستخدام القوة التي تبين عدم جدواها، نقل طالما بقيت السعودية على هذا الطريق فهي لا تسعى فقط الى تدمير ما تبقى من مجلس التعاون الخليجي، بل انما تسعى لعملية الانتحار السياسي. فهل تتعظ السعودية وقيادتها السياسية وتهجر طريق العربدة السياسية؟