2026-09-14 08:47 ص

مجلس التعاون الخليجي الى أين؟

2013-12-10
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
ينعقد مجلس التعاون الخليجي في الكويت اليوم (الثلاثاء) على مستوى القمة في ظل انقسامات وتباينات في المواقف من عدة ملفات في المنطقة ربما أبرزها يتمحور في الموقف من الاتفاقية التي وقعتها ايران مؤخرا مع الدول الست الكبرى بشأن ملفها النووي، والتي كان من نتائجها الرفع الجزئي لنظام العقوبات الاقتصادية المفروض عليها منذ سنوات. وبينما وقفت السعودية موقفا متشددا ضد هذه الاتفاقية وعملت على التشويش عليها طيلة فترة المفاوضات التي كانت تدور في جنيف، وقامت بتوظيف كل امكانياتها السياسية والمالية والإعلامية لإفشالها، ووصل الحد الى التنسيق مع دولة الكيان الصهيوني ورشوة فرنسا بصفقة شراء أسلحة فرنسية بمليارات الدولارات، فقد عملت الدول الأخرى على اتخاذ مواقف أكثر عقلانية ولم تبدي اية نية للانجرار وراء الموقف السعودي المتهور على الرغم من امتعاضها من توقيع الاتفاقية. أما البعض الاخر فقد رحب بالاتفاقية لا بل عمل أكثر من هذا فقد قام وزير خارجية الامارات بزيارة رسمية الى ايران، وشدد على إقامة أفضل العلاقات الاقتصادية وغيرها مع ايران، مما أثار حفيظة السعودية. وكان غضب السعودية الأكبر على سلطنة عمان والسلطان قابوس، عندما تبين أن السلطنة لعبت دورا رئيسيا في المباحثات السرية التي أجريت على الأراضي العمانية منذ 2011 بين الولايات المتحدة وايران، والتي توجت بتوقيع الاتفاقية في جنيف. ولقد اعتبرت السعودية أن هذا يشكل خيانة بشكل أو باخر لمجلس التعاون الخليجي لكون سلطنة عمان عضوا في المجلس. ولقد تفاقم الأمر وازدادت حدة الخلافات بين السعودية وسلطنة عمان على أثر التصريح الذي أدلى به وزير خارجية عمان السيد يوسف بن علوي أثناء مشاركته في منتدى الامن الخليجي الذي عقد مؤخرا في العاصمة البحرانية المنامة، وذلك حول معارضة سلطنة عمان للمشروع المقدم من السعودية والذي يهدف الى تحويل مجلس التعاون الخليجي الى اتحاد ما بين دول المجموعة. ليس هذا فحسب بل استكمل قائلا وفي هذا المجال ليؤكد أن بلاده ستقوم بالانسحاب من مجلس التعاون اذا ما قررت الدول الخمس المتبقية (السعودية، الكويت، قطر، الامارات والبحرين) إقامة اتحاد فيما بينها. وقد أثار هذا ردود فعل سعودية قوية، وانعكس هذا في الصحف السعودية فقد كتبت احدى الصحف الصادرة في السعودية على صفحتها الأولى اتهاما لسلطنة عمان وايران بالعمل على تخريب مجلس التعاون الخليجي. أما صحيفة الحياة التي تصدر في لندن فقد أشارت الى ان القلق ساد أجواء "حوار المنامة" نتيجة تزايد المؤشرات الى ان ايران وعمان جاهزتان لتفكيك مجلس التعاون الخليجي خصوصا انهما معا يملكان مفتاح مضيق هرمز. أما الامير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي الأسبق والذي شارك في حوار المنامة الأمني فقد رأى أنه يحق لعمان ان تعبر عن رأيها ولكن ذلك لن يمنع قيام الاتحاد، مما يؤكد أن السعودية ماضية للدفع باتجاه الاتحاد. والخلافات لا تقتصر على السعودية وسلطنة عمان، بل تتعداها لتشمل الخلافات بين السعودية وقطر بالنسبة للمواقف بشأن مصر واليمن، هذا بالإضافة الى الخلافات في الملف السوري وذلك فيما يخص التحالفات مع أطراف المعارضة المسلحة على الارض والسياسية في الخارج. فقطر تزاحم السعودية في هذه الساحات وهذا ينعكس على الصراع الدائر في هذه الدول. فقطر تقوم بدعم تنظيم الاخوان المسلمين ماديا واعلاميا وهي تتعامل وتتعاون وتنسق في هذا مع تركيا أردوغان، بينما السعودية والامارات ترى ان تنظيم الاخوان المسلمين يشكل خطرا على دول الخليج العربي ويهدد الامن والاستقرار في الخليج، والسعودية تدعم المجموعات التكفيرية الوهابية في كل من اليمن وسوريا. أما في مصر فالسعودية تدعم الجيش المصري والحكومة المؤقتة وتمدهم بمليارات الدولارات على امل ان يكون لها موطىء قدم وتأثير على المسرح السياسي المصري، وربما مستقبلا المشاركة في ضمان الامن السعودي وخاصة في وضع التراجع الامريكي النسبي المتوقع من المنطقة. ودولة قطر متحفظة على قضية الاتحاد التي تطرحه السعودية لأنها تخشى ان يؤدي ذلك الى الهيمنة السعودية على الاتحاد وبالتالي انكفاء نفوذها وتحجيم الدور الذي لعبته في المنطقة في السنوات القليلة الماضية. وربما تكون البحرين هي الدولة الوحيدة التي ستقف مع السعودية بقوة في طرح الاتحاد وخاصة وان السعودية هي التي قامت بحمايتها من الحراك الشعبي وحركة المعارضة المناوئة لنظام الحكم عندما أرسلت قوات درع الجزيرة الى البحرين. وكانت السعودية قد طرحت فكرة الاتحاد لأول مرة عام 2011 وذلك "لتحصين" دول الخليج من "الربيع العربي". واذا ما نظرنا الى مجلس التعاون الخليجي والذي تأسس عام 1981 والذي كانت احدى دوافع تأسيسه أن لم يكن الدافع الرئيسي هو مواجهة ايران وذلك بعد انتصار الثورة الإسلامية، فإننا نرى أن ما حققه هذا المجلس خلال 32 عاما ضئيل جدا اللهم الا في مجالات التعاون بين الاجهزة الامنية والاستخباراتية لهذه الدول. وعلى الرغم من عوائد النفط الهائلة التي بلغت أكثر من 600 مليار دولار سنويا لهذه الدول وشراء الاسلحة المتطورة بمئات المليارات عبر السنين لم تتمكن هذه الدول أن تشكل جيشا قادر على الدفاع عن أراضيها في حالة تعرضها للهجوم مما يطرح أسئلة عديدة عن جدوى تكديس كل هذه الأسلحة المتطورة مع غياب القدرة على استخدامها. ولا يسعنا هنا الا أن نستذكر الحادثة عندما دخلت مجموعة لا تتعدى 200-300 مقاتل من الحوثيين من الأراضي اليمنية الى الأراضي السعودية وسيطرت على رقعة صغيرة من الأرض لم يتمكن الجيش السعودي من طردهم الا بعد أكثر من أسبوعين على الرغم من استخدام الطائرات والمدفعية والمشاة....الخ وقد اعتمدت القوات السعودية على المعونة اللوجستية من طائرات الاستطلاع الامريكية، ولولا ذلك ربما طال أمد الحرب. ولقد استأجرت السعودية فرق من الجيش الباكستاني للدفاع عن أراضيها في فترة من الفترات، وبقيت هذه القوات مرابطة في الأراضي السعودية في الفترة ما بين 1979-1987. ما أفلحت به دول مجلس التعاون الخليجي هو تحويل مياهها الاقليمية واراضيها الى بحيرة للأساطيل والقوات الامريكية وبناء المطارات الخاصة لطائراتها الحربية وكله على حساب هذه الدول، والسماح لهذه القوات باستخدام أراضيها للاعتداء على الدول ومنها العربية كما حدث عند غزو العراق. لم تتخذ هذه الدول مجتمعة فرصة فتح حوار جاد مع الجارة ايران الدولة الإسلامية والتعاون فيما بينهما لمصلحة الدول في المنطقة وبناء الثقة، بل جنحت الى تبني سياسة العداء معها منذ البداية وخاصة السعودية التي كانت وما زالت تخشى النفوذ الإيراني في المنطقة والعالم الإسلامي، فماذا كانت الحصيلة؟ 32 عاما مضت على تأسيس مجلس التعاون الخليجي وما أنجز قليل جدا من هذا التجمع الذي تمتلك دوله فيما بينها مخزونا نفطيا يقارب الأربعين في المئة من احتياطي النفط في العالم. فالسوق الخليجية المشتركة لم تتحقق، ولم تتحقق العملة الخليجية الموحدة ولم يتحقق بناء شبكة السكة الحديدية ولم يتحقق انشاء البنك المركزي الخليجي. ولم تحقق هذه الدول مجتمعة او فرادى بناء بنية تحتية للتطور العلمي والتكنولوجي الذي يؤهلها لان تأخذ موقعا بين الدول في هذه المجالات. على العموم هذه من الأمور البسيطة نسبيا إذا ما قورنت بالنقاش الذي سيدور في القمة المرتقبة حيث سيتم فيها مناقشة ملفات ساخنة والتي ستتضمن الملف الإيراني والسوري والمصري واليمني وغيرها وكلها كفيلة بتفجير الموقف وخاصة إذا ما أصرت السعودية على مواقفها المتشددة حيال هذه الملفات بالإضافة الى قضية الاتحاد التي طرحتها. السعودية تشعر أن دورها السياسي في انحسار سواء في المنطقة ككل أو في الخليج حيث ترى أن بعض دوله بدأت بالخروج عن الطاعة والعباءة السعودية، ولذلك ستبذل قصارى جهدها لفرض سيطرتها وإعادة بسط نفوذها فهي بحاجة ماسة الى ورقة مجلس التعاون الخليجي لتثبيت دورها وموقعها في المنطقة فهل ستنجح في ذلك؟ هل ستظهر الخلافات وتأخذ طابع التصدي؟ من المؤكد أن مجلس التعاون الخليجي لم يعد ذلك المجلس الذي خبرناه منذ سنوات. هنالك تباين في وجهات النظر في الكثير من الملفات وصراع وتضارب في المصالح الآنية والمستقبلية والسؤال المطروح الى أين سيذهب مجلس التعاون الخليجي الان؟