2026-09-14 08:47 ص

طرابلس لم تعد مجرد صندوق بريد

2013-12-02
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
مع تسارع الاحداث في المنطقة على اثر توقيع الاتفاق بين ايران والدول الست الكبرى والاخبار التي تتوالى من سوريا على التقدم الذي يحرزه الجيش العربي السوري على الأرض وخاصة في منطقة القلمون، حيث يتواجد العديد من المسلحين الارهابيون والقوى التكفيرية، بالإضافة الى الفشل الذي منيت به جحافل القتلة من المرتزقة التي دفعت بهم السعودية من الأراضي الأردنية والذي قاربت اعدادهم خمسة الالاف مسلح، بهدف فك طوق الحصار الذي يفرضه الجيش العربي السوري على مناطق الغوطة الشرقية لدمشق، كان من الطبيعي أن تنقل ساحة المعركة الى لبنان كما عودتنا قوى الظلام وأمير القاعدة الجديد القديم الأمير بندر بن سلطان. وهذا ليس تجنيا عليه شخصيا فهو الذي أعلن في أكثر من مناسبة أنه سيشعل لبنان برمتها عند البدء بمعركة القلمون وخاصة في حالة اشتراك عناصر حزب الله في المعركة. ومن هنا نرى أن الاحداث الدامية في طرابلس والتي ما زالت مستمرة لغاية كتابة هذه السطور، لا يمكن أن نراها الا أنها حلقة في مسلسل يراد به اشعال نار الفتنة المذهبية والطائفية في لبنان وزجه في أتون حرب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر. وما نريد أن نؤكده هنا أن هذه النظرة والرؤية المذهبية والطائفية المقيتة لطبيعة الصراع الذي تروج له السعودية وصحافتها الصفراء وعدد من الكتاب المأجورين وكتبة السلطان الى جانب الصحافة الغربية، هدفها حرف بوصلة الصراع من صراع مع العدو الصهيوني الى صراعات مذهبية وطائفية لتدمير المنطقة بأسرها. الجميع مدرك أن الصراع هو صراع سياسي بامتياز، ولكن السعودية تلبسه اللباس المذهبي للتهرب من المساءلة السياسية من مواطنيها والانسان العربي العادي. والا كيف تستطيع أن تبرر لهم هذا الاندفاع المحموم والنزق السياسي والتحالف مع الكيان الصهيوني لتدمير دولة عربية مسلمة ؟. والاحداث الجارية في طرابلس الان وما سبقها من أحداث من ظاهرة الشيخ السلفي الإرهابي الأسير، ومن التفجيرات في الضاحية الجنوبية الى التفجيرات في طرابلس التي طالت الجوامع وكذلك عملية الاغتيال الدنيئة للشيخ المناضل سعد الدين غية والتفجيرات التي قام بها انتحاريان بحزام ناسف والسيارة المفخخة والذين استهدفا السفارة الايرانية في بيروت، هذه الاحداث لم تكن لتجري لولا وجود بيئة حاضنة للإرهابيين والغطاء السياسي والأمني الذي وفرته وتوفره بعض القوى والأحزاب السياسية في لبنان والتي هي على علاقات وثيقة بالمملكة العربية السعودية واستخباراتها وسفارتها في بيروت. ولا يغرنا أن هذه الأطراف تخرج على وسائل الاعلام لتدين هذه العمليات الاجرامية، لأنها وفي اللحظة التي تدينها تحاول أن تجد التبريرات السياسية لها ولأفعالها الاجرامية والتكفيرية، وتربط هذا الفلتان الأمني وتفشي هذه الظواهر الإرهابية بوجود عناصر من حزب الله تقاتل في سوريا. وتنسى أو تتناسى هذه القوى اللبنانية أولا ضلوعها حتى النخاع في الازمة السورية ومنذ البداية لصالح المعارضة المسلحة ودعمها سياسيا وماديا واعلاميا، وثانيا من أن حزب الله لم يتدخل فعلا الا بعد مضي أكثر من عامين وعندما أصبحت مؤخرة المقاومة وكذلك لبنان في خطر من العناصر الإرهابية، التي بدأت بإقامة تورا بورا على الحدود اللبنانية واستخدامها لتهريب السلاح والمقاتلين الى الداخل السوري، تحت أعين السلطات اللبنانية. عندها فقط أصبحنا نسمع بالأكذوبة الكبرى، الا وهي سياسة النأي بالنفس، التي تحدث وأسهب عنها كثيرا سيادة الرئيس ميشال سليمان في كل مناسبة، والذي (أي الرئيس) أصبح في نهاية المطاف جزءا من الاصطفافات السياسية في لبنان بدلا من أن يكون محايدا، حتى يتمكن من لعب الدور التوفيقي المنوط به في الداخل اللبناني لتقريب وجهات نظر الفرقاء السياسيين اللبنانيين. ولقد ساهم التغاضي الأمني عن العناصر الإرهابية المعروفة للقوى الامنية، وكذلك توفير الغطاء السياسي للبؤر السلفية التكفيرية والإرهابية واستخدام المنابر في الجوامع للشحن المذهبي والطائفي والدعوات بتكفير الغير الى حد إحلال دمه، كل هذا أدى الى انتشار هذه البؤر السرطانية وازدياد أعدادها في الداخل اللبناني. ومع تزايد عدد التكفيريين الفارين من المعارك في سوريا الى مناطق البقاع والشمال اللبناني واستمرار تدفق المال السعودي وشحنات الأسلحة، تحولت طرابلس شيئا فشيئا الى معقل كندهاري للتكفيريين والإرهابيين. أن الوضع ينذر بالانفجار وخاصة أن السعودية قد أخذت على عاتقها الحؤول دون انعقاد مؤتمر جنيف 2 للبدء بحل الازمة السورية في ظل موازين القوى القائمة على الأرض حاليا. وهنالك بعض التقارير التي تشير الى أن السعودية قد طلبت من الولايات المتحدة منحها مدة شهرين لتواصل فيها عملياتها الإرهابية في الأراضي السورية. أن هذه العمليات الإرهابية كما تثبت الوقائع يوما بعد يوم، لن تقتصر على الأراضي السورية بل تتعداها الى الداخل اللبناني. ومن هنا نرى أن طرابلس لم تعد مجرد صندوق بريد لإيصال الرسائل السياسية لهذا الطرف أو ذاك ، بل أنها أصبحت جزءا وارضا للمعركة الاجرامية التي تقودها السعودية التي تتخذ من لبنان بمجمله رهينة، تحاول من خلاله تحقيق مآربها ومصالحها الضيقة غير ابهة بما قد يجلب ذلك معه من الدمار للبنان وأهله، فالسعودية على استعداد لان تقاتل حتى اخر لبناني. فهل تتعظ القوى السياسية اللبنانية وتنزل من على الشجرة بدلا من أن تقوم بتعطيل الحياة السياسية واعاقة تشكيل الحكومة في انتظار الحلم الذي لم ولن يتحقق؟