2026-09-14 10:09 ص

التصدع السياسي لمجلس التعاون الخليجي

2013-11-30
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
ما زالت التفاعلات والارتدادات الإقليمية والدولية على توقيع الاتفاقية بشأن الملف النووي الايراني في جنيف بين الدول الست وايران تتسارع، والدول الخليجية لم تكن بمنأى عن هذه التفاعلات. والمتتبع لردود فعل الدول الخليجية يستطيع أن يستخلص أن هنالك تباينات في المواقف وردود الفعل على هذا الاتفاق، وما صاحبه من تقارب بين الولايات المتحدة وايران بالتحديد. ولن نجافي الحقيقة كثيرا اذا ما قلنا بأن هذا الاتفاق هو حقيقة الامر إتفاق بين الولايات المتحدة وايران وعلى أنه اتى تتويجا للمباحثات السرية بينهما والتي بدأت منذ عام 2011 وذلك في عهد أحمد نجاد. ولم يعد سرا أن السعودية قد خاضت معركة كبرى في سبيل عدم التوصل الى مثل هذا الاتفاق، حيث ارتأى النظام السعودي أن مجرد الجلوس مع ايران على طاولة مفاوضات يعني التسليم بإيران النووية واعتبار إيران دولة كبرى في المنطقة ذات مصالح، وهذا بالضرورة سينعكس في التعامل مع الملفات الساخنة في المنطقة، حال الانتهاء من الازمة التي خلفها ملفها النووي، هذا بالإضافة الى رفع العقوبات المفروضة على إيران والذي من شأنه أن يساعد ايران في الخروج من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي تسببت من فرض منظومة العقوبات الدولية الجائرة عليها. وللأسف بدلا من أن ترى السعودية أن الاتفاق قد يخلق جوا جديدا وظروفا مواتية التي من شأنها ان تؤدي الى إعادة نوع من التوزان والاستقرار في المنطقة، فقد ذهبت الى منحى من أن الاتفاق سيؤدي الى زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج خاصة وفي العالم بشكل عام. والاخطر من ذلك فقد أبقى النظام السعودي نظرته لهذا الاتفاق من باب رؤيته الخاطئة لطبيعة الصراع في المنطقة على انه صراع مذهبي بين السنة والشيعة. بالإضافة الى ذلك ومن باب نزعة ذاتية وأنانية محضة رأت أن الاتفاقية ستؤدي الى اضعاف الدور السعودي وحضوره الوازن في المنطقة. الى جانب كل هذا فقد ذهبت السعودية بعيدا في التحليل لتعتبر أن المنحى الذي سلكته الإدارة الامريكية في التعامل مع هذا الملف يعني التخلي عن السعودية وعن الالتزامات الامريكية التاريخية فيما يخص الحفاظ على المملكة وأمن الخليج، ولذلك يتوجب على السعودية أن تبحث عن شركاء أو حلفاء جدد لهذا الغرض. وهذا ما أكده رئيس الاستخبارات السعودي الأمير بندر بن سلطان في معرض حديثه مع مجموعة من الدبلوماسيين الغربيين. أما السفير السعودي في لندن الأمير محمد بن نواف فقد أدلى لصحيفة "ذي تايمز" البريطانية بأن السعودية قد وجهت تحذيرا للدول الغربية مفاده ان بلاده " لن تقف مكتوفة الايدي إذا ما فشلت الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية الدول الكبرى في كبح جماح برنامج إيران النووي الطموح" واستطرد مؤكدا أن كل الخيارات مفتوحة". أما بعد توقيع الاتفاق التزمت السعودية الصمت حياله ,اكتفت بالتعليق متأخرا بأن الاتفاق " يشكل خطوة أولية في اتجاه التوصل الى حل شامل اذا توافر حسن النوايا، خصوصا إذا أفضى هذا الاتفاق الى إزالة كل أسلحة الدمار الشامل من منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي". والذي يبدو أن المملكة ارتأت أن تدلي بهذا الموقف الرسمي حتى لا تبدو أنها تتبنى موقفا مغايرا تماما للمجتمع الدولي وبالتالي تعزل نفسها وحتى لا يتم توبيخها علنا يشكل مباشر أو غير مباشر. أما الصحافة والصحفيين وأصحاب "الرأي" المقربين من العائلة المالكة فقد أعطوا مساحة واسعة لقول ما لم يقله الملك عبدالله أو حاشيته مباشرة. وعلى سبيل المثال لا الحصر يكتب أحد الكتاب المقربين من القيادة السياسية في السعودية في جريدة الشرق الأوسط اللندنية (الناطق الرسمي للسعودية) متسائلا" ما هي انعكاسات هذا الاتفاق على المنطقة، وتحديدا السعودية ودول الخليج العربي؟" ويستكمل الكاتب ليقول،" والاجابة البسيطة والمباشرة هي:انه أخطر من أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية التي ضربت أمريكا في 2001!". ويذهب البعض الاخر ليصرح أن السعوديون لن يناموا الليل بعد هذا الاتفاق. ويذهب اخر ليقول أن " ما يحدث الان هو تهديد وجود وسلامة ونفوذ. ومن هنا، فالسؤال هو: هل نحن جاهزون لمشروعنا النووي بموازاة مشروع إيران أم لا؟". هذه بعض المواقف من أناس وكتاب مقربين للسلطة في السعودية، وهي تعكس حالة هلع وارتباك غير مبررة على الاطلاق. والذي يبدو أن بعض الدول الخليجية لا تشاطر وجهة النظر السعودية وترى أن فيها تهويلا للمخاطر والمواقف التي قد تترتب على هذه الاتفاقية، بالإضافة الى أن الدول الخليجية لا تستطيع أن تلعب دورا رئيسيا في التأثير على مجريات الأمور، والعديد منهم لا يريدون الانجرار وراء الاندفاعة والنزق السياسي السعودي، لما قد ينعكس عليهم من سلبيات، بدلا من أن يحسن أوضاعهم الأمنية بالذات وامن الخليج بشكل عام. ولذلك رأينا العديد منهم قد بادر مباشرة بالترحيب بالاتفاقية مثل الامارات العربية ودولة قطر والبحرين. أما سلطنة عمان فقد حافظت على علاقات جيدة ومميزة مع طهران، ليس هذا فحسب فقد أصبح معروفا الان أن السلطان قابوس قد لعب دورا رئيسيا في الوساطة بين ايران والولايات المتحدة والتمهيد للمباحثات المباشرة والسرية بينهما منذ 2011 والتي أفضت الى التوصل للاتفاقية التي وقعت مؤخرا في جنيف. وهذا ربما ما أثار حفيظة السعودية، وقد كتب خالد الدخيل في جريدة الحياة (28 نوفمبر/تشرين ثاني) السعودية أو المقربة منها " هل أطلع العمانيون السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي على الموضوع؟ الأرجح أن مقتضيات السرية لم تسمح لهم بذلك، ما يطرح سؤالا عن معنى المجلس، وحدود التزامات أعضائه تجاه بعضها الآخر." والتباين في المواقف الخليجية من الاتفاقية عن الموقف السعودي لم يقتصر على كلمات الترحيب فقط، بل بادر بعضهم بخطوات عملية التي من شأنها أن تساعد في عملية التهدئة في منطقة الخليج وتؤشر ربما بعمليات تموضع جديدة ومحاولة الخروج من تحت العباءة السعودية الضاغطة. وفي هذا الخصوص نذكر بالدعوة التي أرسلتها البحرين الى ايران لحضور مؤتمر حوار المنامة وهو المؤتمر الذي قاطعته ايران عام 2011 بعد اتهام البحرين لها بالتدخل في شؤونها الداخلية، وهذه الدعوة قيد الدرس من قبل الحكومة الإيرانية. أما الامارات والذي ما زالت على خلاف مع ايران حول جزرتي طمب الكبرى وطمب الصغرى الإماراتية، فقد قام وزير خارجيتها بزيارة رسمية الى طهران مؤخرا وشدد على إقامة العلاقات المتينة مع طهران وتطوير مجالات التعاون بين البلدين، وقد تميزت هذه الزيارة بحفاوة كبيرة. ولقد أوضح الجانب الإيراني لنظيره الاماراتي أن السياسة الخارجية الإيرانية تبدي الأولوية في تحركها للدول العربية وخاصة الخليجية منها وأن الاستقرار والامن والثروات في المنطقة هي ملك وحق لجميع دول المنطقة وشعوبها. أما قطر التي رحبت بالاتفاقية فهي على خلاف واضح مع السعودية، وكان هذا أحد الأسباب لدعوة العاهل السعودي الملك عبدالله كل من أميري الكويت وقطر صباح الأحمد الصباح وتميم بن حمد آل ثاني، تخوفا من انفلات الأوضاع وتفجير النزاعات بين قطر والسعودية، مما سينعكس سلبا على مجلس التعاون الخليجي والنفوذ السعودي فيه. ومن المعروف أن قطر تخالف المواقف السعودية في عدة ملفات في المنطقة وخاصة في الملفات السورية واليمنية والمصرية، حيث تتواجد الصراعات بين السعودية وقطر على المكشوف في هذه الساحات. فقد اتخذت قطر المواقف الداعمة لتنظيم الاخوان المسلمين في هذه الدول والتنسيق مع تركيا بهذا الشأن، وهذا يتعارض بالمطلق مع الموقف السعودي الذي يعتبر تنظيم الاخوان المسلمين تنظيما يهدد أمن السعودية والامن الخليجي بشكل عام، وتقوم كل من الدولتين بصرف وتوظيف المليارات في هذا الصراع. وتحاول كل من السعودية وقطر لكسب دول الخليج اليها قبل انعقاد القمة الخليجية التي ستعقد في الكويت منتصف شهر ديسمبر/كانون الأول. وقد سبق التحضير لهذه القمة اجتماع وزراء الخارجية لدول الخليج مؤخرا، التي عبرت عن "ارتياح" دول الخليج إزاء الاتفاق الذي توصلت اليه الدول الكبرى مع ايران بشأنها النووي. ولم يغب الموقف السعودي عما صدر عن هذا المؤتمر فقد جاء في البيان الصادر عن الاجتماع أيضا أن دول المجلس تتطلع أن تشكل الانتخابات الإيرانية الأخيرة "مرحلة جديدة بين دول مجلس التعاون وايران ...مبنية على عدم التدخل وحسن الجوار.....وعدم استخدام القوة أو التهديد بها". في النهاية نود أن نؤكد على أن المواقف والتباينات بين دول الخليج تؤشر الى تصدع مجلس التعاون الخليجي وعلى أن هذه الخلافات ومدى تطورها مرهون بالمتغيرات على الساحة الإقليمية خاصة والدولية بشكل عام. ومن المرشح أن تتعمق هذه الخلافات اذا بقيت السعودية تنظر الى الصراع الدائر في المنطقة من منظور مذهبي مقيت، ليس هذا فحسب بل أنها تعمل على الدفع بهذا الاتجاه وعلى كافة الساحات في المنطقة، بهدف حرف بوصلة الصراع وٌلإبعاد النقد السياسي عن الانظمة المهترئة. بالإضافة الى ذلك فان مدى التباين في المواقف بين دول مجلس التعاون الخليجي سيعتمد على ما ستؤول اليه الصراعات التي تدور خلف الكواليس بين امراء السعودية على وراثة العرش في السعودية بعد الملك عبدالله الذي قارب على التسعين من العمر وهو في حالة صحية متدهورة. وهنالك حالة تخوف وترقب من الدول الخليجية بهذا الشأن وإن لم تكن علنية. وما نبتغيه ونأمل أن يتحقق في الخليج كما في منطقتنا العربية وما حولها هو أن تكون الاتفاقية التي وقعت بين ايران والدول الست الكبرى هي بادرة لتحقيق الامن والاستقرار في المنطقة وتحقيق النمو الاقتصادي والتكنولوجي بما يحقق تسخير هذه الطاقات لخدمة ورفاهية شعوب المنطقة، بعيدا عن عملية الاستغلال والخضوع للرغبات الاستعمارية.