2026-09-14 10:09 ص

ثـقـافـة الإسـتـهـلاك ،،، الـشـراكـة بـالـقـتـل

2013-11-12
بقلم: سمير الفزاع
هل أنت مستعد بأن تقف أمام المرآة وتحدث نفسك بصدق ؟ ثـقـافـة الإسـتـهـلاك ،،، الـشـراكـة بـالـقـتـل * أسئلة تحتاج لإجابات صادقة : هل شاركنا بقتل أنفسنا ؟ هل دعمنا تحطيم أوطاننا ؟ هل نحن جزء من أزمة وطننا وأمتنا ؟ هل لطريقة حياتنا ، وأنماط سلوكنا وإستهلاكنا أثر فينا وفي أوطاننا ، وفي الحال التي بتنا فيها ؟ أين تكمن هذه الشراكة بالقتل ؟ هل مهدنا بأيدينا الطريق " للربيع العربي " الذي يقتلنا ؟ وأين قمنا بهذه الجريمة ؟ ماذا حلّ بالإنسان العربي ؟ تلك أسئلة أحاول أن أقدم إضاءة على بعض الإجوبة الممكنة لها . * ما هي ثقافة الإستهلاك : الإستهلاك هو عكس الإنتاج ، وثقافة الإستهلاك نقيض مباشر لثقافة الإنتاج ، فبدلا من أن يكون الإنسان كائناً إجتماعيّاً فاعلاً ومنتجاً يتحول إلى كائن منعزل ومنطوي منفعل ومستهلك ، وبدلاً من أن يجد قيمته و" متعته " بالإنتاج يتحول لكائن بدائي غرائزي يجد قيمته وإنشراحه بما يستهلك . وثقافة الإستهلاك إفراز طبيعي للعولمة ؛ من ناحية تعميم أنماط سلوك وقيم وعادات وتقاليد ومفاهيم الدولة السائدة والقوة المسيطرة في العالم . والعولمة كما يعرفها الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي : " بأنها نظام يُمكّن الأقوياء من فرض الدكتاتوريات اللاإنسانية التي تسمح بافتراس المستضعفين بذريعة التبادل الحر وحرية السوق" . فالعولـمة هي أداة الوصول بالبشرية إلى نمط واحد ، في التغيير والأكل والملبس والعادات والتقاليد ... وتقوم هذه الثقافة على فكرة بسيطة جداً تقول : إن الحصول على مزيد من الأشياء يجعلنا أكثر سعادة ، وهذه الأشياء التي نحصل عليها تمتاز بقصر عمرها - فلا وجود لسلع معمرة في ثقافة الإستهلاك - وحتى تبقى " مواكباً " للعصر والموضة والحضارة ... يجب أن تسعي دائما - وبشكل حثيث - للحصول على السلعة الأحدث والأسرع والأقوى ... والّتي ستكون بعد ساعات أو أيام قليلة من إنتاجها بين يديك ، والتي ترافق " خَلقها " مع حملة دعائية وإعلاميّة " طاحنة " ؛ فليس هناك من سلعة خاصة ببيئة أو أمة أو مجتمع معين ، لقد أصبح العالم كلّه سوق واحدة ضخمة . بعض من آثار ثقافة الإستهلاك : سأحاول لاحقاً إظهار بعض الآثار الكارثيّة لهذه الثقافة التي غزت العالم ، وكيف هيأت لنشؤ أوضاع شاذة في سوريا والوطن العربي - قيميّاَ وماديّا ونفسياً وإجتماعيّاً وسياسّاً وإقتصاديّاً - أسهمت في تعميق أزمتها ، وإطالة أمد الحرب عليها . 1 - الإنانيّة : فالفرد كقوة مُستهلِكة يأتي بالمرتبة الأولى على حساب المجتمع ، ومصالحه فوق مصالح المجموع ، وتحقيق مصالحه مبرر بأي وسلة كانت . مثال : لن أشارك في جيش الدفاع الوطني ، غيري سيقوم بذلك ، المهم أن أبقى أنا . 2 - العرض والطلب : ضمن ثقافة الإستهلاك " كل شيء " خاضع لقوانين السوق ، وآليات العرض والطلب . مثال : مبلغ 20 ألف دولار أفضل من وطن لم يقدم لي شيء ، سأقتل العالِم ( س - المختص في تقنية الصواريخ ) لأجلها . 3 - فقدان الهويّة " الخِواء " : حيث يفقد الإنسان هويته ، ويفتقر إلى الإنتماء إلى القضايا الوطنية والقوميّة والإنسانيّة الجامعة ، ويصير مجرد كائن مائع بلا ملامح ، وقابل " للحشو " بما تقدمه أدوات العولمة من قيم وعادات وتقاليد ومفاهيم ورسائل ... . مثال : شوه يعني وطن ، مصالحي أولاً . 4 - إحتقار ثقافة الإنتاج والمنتجين : فالإنتاج عبوديّة ، والمنتجون أناس متخلفين يعيشون خارج العصر ، والعمل اليدوي قذارة ، والمعمل سجن ، والفلاح وسخ الأرض ... . مثال : مكاني ليس هنا بل هناك . 5 - السطحيّة : إن هذا النوع من الثقافة ينتمي بإمتياز إلى مدرسة الخلاصات و" المُكثفات " والوجبات السريعة في كل شيء . مثال : أنا غير مستعد لقراءة هذا الكتاب ما هي خلاصته ؟ إذا تجاوز " البوست " سطرين أو ثلاثة لن أقرأه ، لا وقت لديّ !!! هات من الآخر . 6 - الإستنزاف : هذا النوع من الثقافة لا يُصيب فئة إجتماعيّة دون غيرها ، فالغني والفقير سيبذل كلّ ما يملك من أجل أن " يستهلك " ليبقى سعيداً . ومن لا يملك هذه السلعة سيقترض ليملكها ، ثم يعود ليقترض ليحصل على الفئة الأحدث والأسرع ، وهكذا نبقى في مدار حلزوني متصاعد حتى نصل إلى إستنزاف حقيقي لموارد الناس ، وخلال هذا اللهاث الغريزي تسقط القيم والأخلاق والمباديء ... . مثال : شوه هالتليفون ؟ طلع بعده جيلين ثلاثة وبعدك شايله ، لازم تجدد ، خذلك قرض أو فيه المحل ( س ) يبيع بالأقساط ، صحيح غالي لكن للجديد بهجته . 7 - الإستعلاء : بحيث يشعر صاحب هذه الثقافة بأنه أفضل من الآخرين ؛ فهو عصري ومتحضر ومواكب للتقنية ... وهذا سصيبه حتماً بالعزلة ، وفقدان القدرة على التواصل الإجتماعي ، وإحساس بالظلم كونه لا ينتمي لهذا المجتمع ولهذه الثقافة " المتخلفتن " . مثال : يا شوه هالشعب !؟ . 8 - النَّزَقُ : بحيث يشعر سريعاً بالملل ، ويحتاج دائماً لكل ما هو جديد ، وينتقل بسرعة من حال إلى حال بحثاً عن سعادته ورفاهه الشخصي فقط . مثال : يا اخي ملينا ، بدنا نرجع لحياتنا ، حاجتنا حرب ؛ وكأن سوريا تحارب عدو في أفريقيا لا على أرضها . 9 - الماديّة : الإصابة بمرض " الإستهلاك " تجعل من الانسان كائن نفعي " مادي " على نحو بذيء ومقرف ؛ فقيمة أي شيء تعتمد على ثمنه أو نفعه المادي . فلا حياة روحيّة ، ولا قيم جماليّة حقيقيّة في مجتمع الإستهلاك ؛ هناك الزيف الملون ، والجمال الكاذب ، والقيم المستنزفة فقط . مثال : سمعت عن العصابة التي سرقت مئات القطع الأثريّة من متحف الرقة ؟ نعم سمعت ؛ نيالن ملينو !!! . 10 - التحلّل : تفكك التشكيلات الإجتماعيّة لصالح جماعات هجينة لا أساس إجتماعي لها . مثال : نحن عشاق مرسيدس بنز ولا وجود لك بيننا !!! . 11 - العبوديّة المُقنعة : الإنصياع الكامل لوسائل ومواقع دعائيّة وإعلانيّة معينه ؛ فهو من يزوده بكل منتج جديد " للسعادة " ، وفيه " يجد " ذاته ، وبه يحصل على برنامج عمله اليومي . مثال : قائمة المفضلات في صفحة الفس بوك . 12 - الأمراض النفسيّة : في خضم الإنصياع الكامل للغرائز ، والجهد القياسي لتلبية هذه الغرائز تنتشر الأمراض النفسية كالقلق والمخاوف المرضية والكآبة ... . مثال : معقول بأني سأموت ؟ لم أستمتع بحياتي كفاية . أنا بحاجة إلى 100 ألف ليره لشراء الغرض ( س ) سأُجن إن لم أحصل عليها . 13 - الشراكة في القتل : الفئة الإجتماعيّة الوحيدة المستفيدة من شيوع ثقافة الإستهلاك وتعميقها هي فئة الوكلاء ( الكومبرادور ) . وتضم هذه الفئة من يملكون وكالات المواد والأشياء والمنتجات التي نستهلكها كالبهائم مثل وكالة نوكيا ، سامسونغ ، مرسيدس ، شفروليه ، اديداس ، نايك ، دِل ... . أي أننا ندعم الفئة التي تستنزف مواردنا ، وتحطم مقدرات أوطاننا ، وتلحقنا كالقطيع بمن يستعمر عقولنا وأرواحنا وطريقة حياتنا ؛ بمسار تصاعدي قاتل ومدمر ، وأما ثالثة الأثافي ؛ وبالتحليل الإجتماعي والإقتصادي العلمي فإننا ندعم الفئة الحاملة لمشروع " الربيع العربي " الذي يقتلنا صبح مساء ، ويحطمم أوطاننا ، ويعيدنا إلى قطعان من المذاهب والطوائف والقبائل المتصارعة حدّ الهوس . * كلمة أخيرة : لقد شاركنا جميعاً - تقريباً - وبنسب متفاوتة في قتل أنفسنا ، وتدمير أوطاننا ، وتخريب مستقبل أبنائنا ؛ بأنانيتنا وأنتهازيتنا وفسادنا وخراب أروحنا . عندما إستقلنا من مهامنا التاريخيّة والإنسانيّة ، وأستسلمنا لنهم الإستهلاك و" الحداثة " المزيفة على حساب الهوية والوطن والقضيّة . ألم يعجبنا إلغاء الخدمة الإلزاميّة هنا وتخفيضها هناك ؟ ألم نفرح عندما قايضنا خدمة الوطن والعلم ببعض النقود ؟ ألم نتنفس الصعداء عندما ألغينا الثقافة القوميّة والتدريب الجامعي ومؤسسات الشبيبة ؟ ألم نطرب لرؤية الوجبات الأمريكيّة السريعة والكوكاكولا ؟ ألم نرى بأم أعيننا أبنائنا وإخواننا يرحلون إلى جزيرة العرب لأجل بعض المال ، وفرحنا لهم ، ولكنهم عندما عادوا جاء معهم القليل من المال والكثير من الوهابيّة والتشدد وأنماط حياة وعيش تختلف عن واقعنا وبيئتنا ؟ ألم تستعبدنا المولات بالسلع الغربيّة المصفوفة بيد " الشيطان " ؟ فأخذناها ، وحاولنا أن نقلد من صنعها ؛ ففشلنا فلم نعد نحن كما كنّا ، ولا صرنا نحن هم . ألم نعطي أموالنا - ونحن في حالة من غياب الوعي - لمن يسرق أموالنا وهويتنا وتراثنا وقضايانا ... حتى " سمّناه " فبلغ حدّ من القوة أن طرح مشروعه - الربيع العربي - الذي يقتات صبح مساء علينا ؟ نعم ؛ حاربنا الغرب المستعمر والقاتل ، ولكننا هزمنا أنفسنا أمام ثقافته الإستهلاكيّة التي تقتلنا " بنعومة " وبطء . نعم ؛ قاومناه ولكن كانت منتجاته وسلعه تجتاحنا كالجراد . ألم نسخر من منتجاتنا الوطنية ؟ ألم نهجر أسواقنا القديمة كأسواق الصفارين والغزل والهرج والقزازين في بغداد ، وأسواق خان الخليل والليمون والفسطاط في القاهرة ، وأسواق الحميدية والبزورية والحريقة ومدحت باشا في دمشق ؟ . في لحظة صدق مع الذات سيقول معظمنا - بكل تأكيد - بأنني ساهمت بقدر ما في قتل نفسي ، ووطني .