مكة 31القدس14القاهرة23دمشق17عمان15
22 11/2017

قصة الفاتيكان.. كيف تحول من دولة عظمى إلى مدينة مساحتها نصف كيلومتر فقط؟

نشر بتاريخ: 2017-09-09
مدينة أو دولة الفاتيكان هي واحدة من الحالات الخاصة التي لا نشاهدها كثيرًا في التاريخ، ورغم أن العديد من الناس يعرفون أن الفاتيكان يعد أصغر دولة مستقلة في العالم بمساحة لا تتعدى نصف كيلومتر مربع، وأنها مقر الكرسي البابوي للكاثوليك، لكن الكثيرين لا يعرفون كيف جاءت هذه الدولة ذات النظم غير المعتادة إلى الوجود.

ما قبل المسيحية

اسم «الفاتيكان» كان بالفعل مستخدمًا في وقت الجمهورية الرومانية، وكان يشير إلى منطقة المستنقعات على الضفة الغربية من نهر التيبر الذي يمر عبر مدينة روما. في ظل الإمبراطورية الرومانية، جرى بناء العديد من الفيلات هناك، وذلك بعد أن قامت
أغريبينا العظيمة، وهي حفيدة الإمبراطور الروماني أغسطس وزوجة القائد العسكري جيرمانيكوس، ووالدها هو من قاد الجيوش في معركة أكتيوم الشهيرة ضد أنطونيوس وكليوباترا، باستنزاف المنطقة وإزالة حدائقها الطبيعية في أوائل القرن الأول الميلادي. في عام 40 ميلادية، قام ابنها الإمبراطور كاليجولا ببناء سيرك والذي استكمل بناؤه لاحقًا الإمبراطور نيرو.

حتى قبل وصول المسيحية، كان من المفترض أن هذا الجزء غير المأهول من مدينة روما والذي كان يسمى «ager vaticanus» مقدسًا لفترة طويلة أو على الأقل كان غير متاحًا للسكن. وحتى بعد فترة طويلة من بناء كنيسة القديس بطرس القسطنطينية في مكان قريب من هذا الموقع كان لا يزال هناك
مزار مخصص للإلهة سيبيل القديمة، وقد ظل مكانًا نشطًا. وكان معروفًا عن المياه الموجودة في منطقة الفاتيكان هذه بأنها ذات جودة سيئة للغاية، لدرجة أنها كانت السبب وراء هزيمة الجيش الشمالي الذي كان يريد غزو المدينة.

يذكر أن المسلة الموجودة في الفاتيكان حاليًا كانت قد أخذت أصلًا من قبل الإمبراطور كاليغولا (12 – 41 ميلادية)، أحد أشهر الطغاة الساديين على مر التاريخ، من منطة هيليوبوليس في مصر لتزيين السيرك الذي كان يجري بناؤه، لتكون هذه المسلة آخر البقايا المرئية القائمة من السيرك القديم.

أصبحت هذه المنطقة موقع قتل العديد من المسيحيين بعد حريق روما الكبير في عام 64م على يد الإمبراطور نيرو، الذي خلف كاليغولا. وتقول الحكايات القديمة أنه في هذا السيرك تمت عملية صلب القديس بطرس رأسًا على عقب. وكان مقابل السيرك مقبرة يفصلها طريق يسمى كورنيليا، حيث جرى بناء آثار جنائزية والأضرحة والمقابر الصغيرة وكذلك المذابح للآلهة الوثنية من جميع أنواع الديانات الشريكة، حتى قبل بناء كنيسة القديس بطرس في النصف الأول من القرن الرابع الميلادي.

بقايا هذه المقبرة القديمة جرى عرضها بشكل متقطع خلال عمليات تجديد من قبل مختلف البابوات على مر القرون. وبنيت كنيسة القديس بطرس عام 326م فوق أنقاض ما كان يعتقد أنه قبر القديس بطرس، الذي دفن في تلك المقبرة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المنطقة أكثر سكانًا مع التواصل الناجم عن النشاط الديني بالكنيسة. كما جرى بناء قصر قريب في وقت مبكر من القرن الخامس خلال حكم البابا سيماشوس.

الدولة البابوية

بدأ نفوذ البابوات في كنيسة القديس بطرس يزداد تدريجيًا حتى أصبح لهم دور دنيوي كحكام للمناطق المتواجدة حول مدينة روما. اتسع النفوذ أكثر وحكم البابوات الدول البابوية، التي غطت جزءًا كبيرًا من شبه الجزيرة الإيطالية، لأكثر من ألف سنة تقريبًا وذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، عندما تم الاستيلاء على جميع الأراضي التابعة لهم من قبل مملكة إيطاليا التي أنشئت حديثًا.

لم يكن الباباوات يعيشون في الفاتيكان، لكنهم كانوا يعيشون في قصر لاتيران، على الجانب الآخر من مدينة روما، حيث ظل مكان إقامتهم المعتاد طوال ألف سنة. ويذكر أنه في الفترة من 1309 إلى 1377، عاشوا في مدينة أفينيون في فرنسا، وعند عودتهم إلى روما اختاروا العيش في الفاتيكان. ثم انتقلوا بعدها إلى قصر كيرينال في عام 1583، بعدما تم  الانتهاء من العمل عليه تحت حكم البابا بول الخامس (1605-1621)، ولكن بعد الاستيلاء على روما في عام 1870 تقاعد البابوات إلى الفاتيكان، وأما سكنهم السابق فقد أصبح مقر سكن ملك إيطاليا.

والدول البابوية تعد رسميًا هي دولة الكنيسة، وهي الدولة التي حكمت أقاليم في شبه الجزيرة الإيطالية تحت حكم سيادي مباشر من البابا، وذلك في الفترة من القرن الثامن حتى عام 1870. وكانت هذه الدولة واحدة من الدول الكبرى في إيطاليا في القرن الثامن الميلادي حتى جرى توحيد شبه الجزيرة الإيطالية في عام 1861 من قبل مملكة بيدمونت – سردينيا.

في ذروتها، غطت الدولة البابوية معظم المناطق الإيطالية المعروفة حاليًا باسم لاتسيو (التي تضم روما)، مارش، أومبريا روماغنا، وأجزاء من إميليا. واعتبرت هذه المقتنيات بمثابة مظهر من مظاهر القوة الزمنية للبابا، بدلًا من ممتلكات تابعة للكنيسة في ذاتها.

بحلول عام 1861، غزت مملكة إيطاليا الناشئة جزءًا كبيرًا من أراضي الدول البابوية. فقط لاتسيو، بما في ذلك روما، ظلت تحت السيطرة البابوية لفترة من الزمن. في عام 1870، فقد البابا لاتسيو وروما ولم يعد يملك أي أرض على الإطلاق، ولا حتى الفاتيكان.

في عام 1870، تركت ممتلكات البابا في وضع غير مؤكد بعد ضم روما للمملكة الإيطالية من قبل القوات التي يقودها بيدمونت التي تمكنت من توحيد بقية إيطاليا. وبين عامي 1861 و1929، كانت حالة البابا يشار إليها باسم «المعضلة الرومانية» أو «Roman Question»، في إشارة لعدم وضوح الرؤية حول مصير البابا ونفوذه.

ولم تبذل إيطاليا أي محاولة للتدخل في الكرسي الرسولي داخل جدران الفاتيكان. ومع ذلك، صادرت ممتلكات الكنيسة في العديد من الأماكن. في عام 1871 تم مصادرة قصر كيرينال من قبل ملك ايطاليا وأصبح القصر الملكي كما ذكرنا. وبعد ذلك، عاش الباباوات دون عائق داخل جدران الفاتيكان، وجرى الاعتراف ببعض الامتيازات البابوية بموجب قانون الضمانات، بما في ذلك الحق في إرسال واستقبال السفراء.

لكن الباباوات لم يعترفوا بحق الملك الإيطالي في الحكم في روما، ورفضوا مغادرة مجمع الفاتيكان حتى جرى حل النزاع في عام 1929؛ وكان البابا بيوس التاسع هو الحاكم الأخير للدول البابوية، ويشار إليه بأنه «سجين في الفاتيكان»، والذي اضطر إلى التخلي عن السلطة العلمانية، وركز على القضايا الروحية فقط.

كيف حدث السقوط؟

اعتبرت الثورة الفرنسية بأنها كارثية للأقاليم التابعة للدولة البابوية، كما كانت بالنسبة للكنيسة الرومانية بشكل عام. في عام 1791 ضمت مناطق كومتات فينيسين وأفيغنون من قبل فرنسا، وهي مناطق كانت تابعة لدولة البابا. وفي وقت لاحق، مع الغزو الفرنسي لإيطاليا في عام 1796، تم الاستيلاء على المفوضيات، حيث أصبحت الأراضي الشمالية للدولة البابوية جزءًا من الجمهورية الألبية، وهي جمهورية صغيرة كانت عميلة لفرنسا ما بعد الثورة.

بعد ذلك بعامين، قامت القوات الفرنسية بغزو الدولة البابوية ككل، لتعلن فرنسا قيام جمهورية رومانية. اضطر البابا بيوس السادس للهرب حتى توفي في المنفى في فالينس بفرنسا في عام 1799. ثم جرى استعادة الولايات البابوية من جديد عام 1800، وعاد البابا بيوس السابع لمقر إقامته مرة أخرى، لكن الفرنسيين تحت حكم نابليون عادوا إلى غزوها مجددًا عام 1808، ليتم ضم الدولة البابوية عام 1809 إلى فرنسا، وتشكل مقاطعات ضمنها.

مع سقوط نظام نابليون في عام 1814، أعيدت الدول البابوية مرة أخرى. ومن عام 1814 حتى وفاة البابا غريغوري السادس عشر في عام 1846، اتبع البابوات سياسة رجعية في الدول البابوية. فعلى سبيل المثال، حافظت مدينة روما على آخر حي يهودي في أوروبا الغربية. كانت هناك آمال في أن يتغير هذا عندما انتخب البابا بيوس التاسع وبدأ في إدخال إصلاحات ليبرالية.

خلال فترة حكم نابليون، جرى إثارة القومية الإيطالية، لكن ذلك قد هدأ بعد تسوية مؤتمر فيينا (1814-1815)، الذي سعى إلى استعادة الظروف في مرحلة ما قبل نابليون، لتصبح معظم شمال إيطاليا تحت حكم الفروع الأصغر ضمن مملكة سردينيا، التي تشكل الدولة الإيطالية المستقلة الوحيدة. واستعيدت الدول البابوية في وسط إيطاليا، ومملكة بوربون الصقليين في الجنوب.

لكن أدت المعارضة الشعبية للحكومة الدينية المعاد تشكيلها والفساد الذي استشرى بها إلى العديد من الثورات التي جرى قمعها عبر تدخل الجيش النمساوي. الثورات القومية والليبرالية في عام 1848 أثرت على الكثير من دول أوروبا، وفي عام 1849، أعلن قيام جمهورية رومانية، وكان البابا بيوس التاسع مضطر للهرب من المدينة. تم قمع الثورة بمساعدة فرنسية في عام 1850، وتحول بيوس التاسع إلى ما يمكن اعتباره خطًا محافظًا في السياسة.

وقد بدأت مملكة سردينيا – بيدمونت الشمالية في التوسع في أعقاب حربها مع النمسا عام 1859، في حين جرت الإطاحة بملكية بوربون في الجنوب. وخوفًا من قيام حكومة جمهورية، التمست حكومة سردينيا – بيدمونت من الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث الإذن بإرسال قوات عبر الدول البابوية للسيطرة على الجنوب. في عام 1860، ومع الكثير من التمرد في المنطقة بالفعل ضد الحكم البابوي، غزت سردينيا-بيدمونت الجزء الشرقي من الدول البابوية وعززت سيطرتها على الجنوب.

تم الإعلان عن قيام مملكة إيطاليا الموحدة في عام 1861، وأعلن عن أول برلمان إيطالي، الذي اجتمع في تورينو، العاصمة القديمة لبيدمونت، حيث اتخذ قرارًا بأن تكون روما هي عاصمة المملكة الجديدة. ومع ذلك، لم تتمكن الحكومة الإيطالية من الاستيلاء على المدينة لتواجد حامية فرنسية في روما
لحماية البابا بيوس التاسع. وجاءت الفرصة لمملكة إيطاليا للقضاء على الدول البابوية في عام 1870؛ فاندلاع الحرب الفرنسية البروسية دفع نابليون الثالث لاستدعاء حاميته من روما.

الملك الإيطالي فيكتور إيمانويل الثاني كان يهدف في البداية إلى غزو سلمي للمدينة واقترح إرسال قوات إلى روما، تحت ستار توفير الحماية للبابا. عندما رفض البابا، أعلنت إيطاليا الحرب في 10 سبتمبر (أيلول) 1870، ليتقدم الجيش الإيطالي ببطء نحو روما ثم يضعها تحت الحصار.

وعلى الرغم من أن جيش البابا الصغير كان عاجزًا عن الدفاع عن المدينة، إلا أن بيوس التاسع أمره بوضع مقاومة رمزية للتأكيد على أن المملكة الإيطالية كانت تكتسب روما بالقوة وليس عبر التوافق. وجرى أخبرًا السيطرة على المدينة في 20 سبتمبر (أيلول) 1870.

معاهدة لاتيران

المثير لدهشة البعض هو أن مؤسس الفاشية الإيطالية، بينيتو موسوليني هو الحاكم الإيطالي الذي تمكن من حل الأزمة بين إيطاليا الموحدة والكرسي الرسولي، وذلك بالتوقيع على معاهدة لاتيران في عام 1929، مما منح سيادة دولة الفاتيكان. وربما يعود ذلك إلى معرفة موسوليني بأن الشعب الإيطالي بطبيعته شعب مرتبط بالدين، وبالتالي لا يمكن هدم البابوية أو إلغاؤها، ويجب إيجاد حل وسط يجعل البابوية قائمة لكن باعتبارها سلطة دينية فقط.
معاهدة لاتيران كانت واحدة من اتفاقيات لاتيران لعام 1929، وهي الاتفاقات التي أبرمت في عام 1929 بين مملكة إيطاليا والكرسي الرسولي، من أجل تسوية «المعضلة الرومانية». وسميت بهذا الاسم نسبة إلى قصر لاتيران، حيث جرى توقيعها في 11 فبراير (شباط) 1929. وصدق البرلمان الإيطالي عليها في 7 يونيو (حزيران) 1929.
واعترفت هذه المعادة بدولة الفاتيكان باعتبارها دولة مستقلة، ووافقت الحكومة الإيطالية في ذلك الوقت بقيادة رئيس الوزراء بينيتو موسوليني، على إعطاء الكنيسة تعويضًا ماليًّا عن فقدان الدول البابوية.حيث وافقت الدولة الإيطالية على دفع مبلغ 750 مليون ليرة إيطالية على الفور، بالإضافة إلى سندات موحدة بمعدل فائدة 5% بقيمة اسمية قدرها مليار ليرة. وبالتالي فإن إيطاليا تدفع أقل مما كانت تدفعه بموجب قانون الضمانات لعام 1871، وهو 3.25 مليون ليرة سنويًا، والذي لم يقبله الكرسي الرسولي. وفي عام 1947، تم دمج اتفاقيات لاتيران في
الدستور الديمقراطي لإيطاليا.

الفاتيكان في سطور

أدرجت منظمة اليونسكو عام 1984 الفاتيكان ضمن قائمة التراث العالمي، ذلك كونه يضم عددًا من المعالم الأثرية الهامة. أهم هذه المعالم ساحة القديس بطرس التي تعتبر مكان استقبال الزائرين القادمين للفاتيكان والتي يحيط بها 248 عمودًا تشكل أربعة صفوف على قممها 140 تمثالًا للقديسين. كما توجد كاتدرائية القديس بطرس، وهي التي ذكرناها في بداية التقرير، وهي أهم مكان تعليمي للدين المسيحي الكاثوليكي، بالإضافة إلى العديد من المتاحف وغيرها.

الفاتيكان هو الدولة الوحيدة في العالم التي لا يوجد بها أطفال، وذلك لأن كل سكانها من الراهبين والراهبات الممنوعون من التواصل الجنسي
وعددهم 840. يحرس الفاتيكان أصغر جيش نظامي في العالم وهو الحرس السويسري المكون من مائة شخص مسؤولين عن مهام الدفاع الداخلي، بينما الحماية الخارجية تعود مسؤوليتها إلى الحكومة الإيطالية. ويوجد بالفاتيكان مركز واحد للشرطة يضم 10 أفراد فقط لتأمين الممتلكات وتنظيم المرور.
الفاتيكان دولة لا يوجد بها عقوبة الإعدام، ولا تتبعها أي قنوات فضائية رسمية ولا محطات إذاعية. والحصول على جنسية هذه الدولة هي من أصعب الجنسيات في العالم كله، فمن بين شروطها اجتياز العديد من الاختبارات مثل إتقان اللغات اللاتينية والإيطالية والإنجليزية. كما أن هؤلاء الذين يحملون جنسية الفاتيكان، يتخلون عنها بعد انتهاء عملهم من أجل الحصول على الجنسية الإيطالية تلقائيًا كما ينص القانون.
Developed by MONGID DESIGNS جميع الحقوق محفوظة لـصحيفة المنار © 2017
واشنطن تبلغ منظمة التحرير رسمياً بقرارها عدم تجديد اوراق عمل مكتبها في العاصمة الاميركية «داعش» يتبنى أول هجوم في كشمير المتنازع عليها مكتب الحريري: رئيس الوزراء اللبناني يزور مصر الثلاثاء سوريا تؤكد أهمية استمرار التنسيق مع العراق لمواجهة التحديات بالمنطقة وزير خارجية قطر: ما حدث لقطر يتكرر بلبنان وهناك أزمات تخرج عن السيطرة بسبب قيادة متهورة