2026-09-14 04:51 م

الضربات الاستباقية للعدو بين الاستيعاب والفرصة الضائعة والهجوم المعاكس

2013-08-13
بقلم: محمد بكر
لم يكن الاستهداف الممنهج للموقع الجيوسياسي لسورية ودورها القومي على مستوى المنطقة,وليد اللحظة ولا حالة طارئة على الإطلاق في الفكر الأميركي والصهيوني إنما كان على الدوام حالة متجذرة في فكر العدو الذي مارس شتى أنواع الأبلسة للوصول لتلك الغاية, هذا الاستهداف الذي تعددت أشكاله وألوانه على المستوى الاقتصادي والقانوني والعسكري. أولى الصور التي تجلى فيها هذا الاستهداف خلال السنوات العشرة الماضية كان في العام 2003 وتحديداً عندما حمل كولن باول بعد غزو العراق شروطه الخمسة للقيادة السورية لضمان أمنها, وتفادياً لمواجهة سيناريو مشابه لما حدث في العراق, تلك الشروط التي رفضتها القيادة السورية جملة وتفصيلاً, وهي نفس الشروط التي تناغمت معها تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند في بدايات الأزمة السورية. الرفض السوري لإملاءات كولن باول شكل الأساس لاستصدار ماسمي حينها " قانون محاسبة سورية " في إطار ممارسة جملة من الضغوطات الاقتصادية على الدولة السورية , ذلك القانون الذي ذهب فيما بعد أدراج الرياح ولم يحقق الغاية الذي وجد من أجلها نتيجة جملة من التحالفات التي صاغتها الدولة السورية على المستوى الإقليمي والدولي والتي أثمرت نتائجها حتى في الأزمة الحالية وفي أعتى الظروف وأصعبها اقتصادياً لما شكلته تلك التحالفات من بدائل حقيقية عن التعاملات الاقتصادية مع الغرب. في العام 2005 اتخذ الاستهداف شكلاً آخر عندما تمكنت الأبلسة الإسرائيلية عبر أدواتها في المنطقة من اغتيال رفيق الحريري وما تبع ذلك من تدويل للقضية في محاولة حثيثة لتظهير القيادة السورية و فيما بعد حزب الله على أنهما الوحيدان في دائرة الاتهام, تلك الدائرة التي بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً عندما أدرك صناعها عدم جدواها وفعاليتها . في العامين 2006 و 2008 أعطى الأميركي الضوء الأخضر للإسرائيلي لجهة توجيه ضربات عسكرية استباقية للذراعين العسكريتين لسورية في المنطقة وهما حزب الله والمقاومة الفلسطينية في غزة فكانت حرب تموز في 2006, إذ تمكنت المقاومة اللبنانية من استيعاب الضربة الاستباقية للكيان الصهيوني وأمطرت مستعمراته بآلاف الصواريخ وأسقطت الهدف الرئيسي للإسرائيلي في القضاء على المقاومة في لبنان باعتبار هذا الهدف اللبنة الأساسية لتمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد. بعدها لم يجد الإسرائيلي سبيلاً لإعادة هيبته ورفع أسهمه في الداخل الإسرائيلي سوى إعادة سيناريو اعتدائه على لبنان فكانت حرب غزة " حرب الفرقان" في العام 2008 بهدف استئصال المقاومة في هذه البقعة وتحديداً (حركة حماس) بوصفها الحامل الرئيسي لمنظومة المقاومة في فلسطين آنذاك (قبل انفصالها عن محور المقاومة وانضمامها للجوقة الأخوانية, واعتقادها غباءً أو سوء تقدير أن طريق القدس من الدوحة ), إذ جاء صمود الشعب الفلسطيني واستيعاب المقاومة للضربة الاستباقية مدوياً للإسرائيلي الذي فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أهدافه التي أعلن عنها. العام 2010 باعتقادنا كان عام " الفرصة الضائعة" بالنسبة لجبهة المقاومة لجهة الدخول في مواجهة مباشرة مع الكيان الصهيوني " ولو على نطاق محدود" لفرض شروط المقاومة, تلك المواجهة التي كانت ستصيب صناع "الفوضى الخلاقة" في مقتل وتالياً إجهاض ولادة ما سمي بالربيع العربي أو بالحد الأدنى تأخير ولادته لسنوات عديدة , لطالما كانت سورية وإيران الهدف الرئيسي من تأجيج الشارع العربي وهذا ما صرح به هنري كسينجر منذ البدايات لصحيفة نيوووركر الأميركية ( هل تعتقدون أننا أقمنا الثورات العربية من أجل عيون العرب , لقد أقمناها من أجل سورية وإيران ),هذا العام (أي2010 ) الذي اكتملت ونضجت فيه ظروف المواجهة العسكرية مع الكيان الصهيوني على المستويين الإقليمي والدولي فكان الحلف الإستراتيجي بين سورية و الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أوج صوره, في حين اكتمل تشكل الروسي كقطب عالمي جديد لاسيما أن القيادة السورية وقعت في العام 2005 في روسيا ما سمي حينها "إعلان موسكو" والذي نص على ولادة نظام عالمي جديد, ونعت ( أي سورية) في قمة دمشق في العام 2009 مبادرة السلام العربية عام 2002 وطالبت بنقلها من سجل الأحياء إلى سجل الأموات,كما أدركت بالدليل المادي رداءة الموقف العربي الرسمي حيال القضية الفلسطينية والذي شكلت فيه سابقاً مشيخات البترودولار الغطاء السياسي للكيان الإسرائيلي في حربيه على لبنان وغزة, إضافة لما أعلن عنه وزير الخارجية السوري في 29/5/ 2013 في مقابلة مع قناة الميادين عن وجود دراسة أميركية في عام 2009 تستهدف ضرب سورية والعراق من أجل الوصول إلى إيران. في العام 2011 اتخذ الاستهداف شكلاً مغايراً تماماً في أسلوبه, إذ كان أشد شراسة من جميع مراحل الاستهداف السابقة لجهة ما اكتنفه من آثار جانبية استهدفت قلب المفاهيم القومية في الفكر العربي وعزفت على الوتر الطائفي والمذهبي لدى الجماهير العربية , إذ سارعت الأبلسة الأميركية لقولبة مشروعها الشرق أوسطي الجديد بقالب الحرية والديمقراطية وألبسته ثوب الربيع العربي المصنوع على عينها بهدف تمرير سايكس بيكو ثانية على أساس عرقي ومذهبي, هذا المشروع الذي قدم فيه الأميركي صداقاً غالياً عندما ضحى بأهم حليفين استراتيجيين له على مستوى المنطقة وهما حسني مبارك وزين العابدين بن علي لجهة الوصول "بالحراك" إلى سورية ومن ثم السرعة والإفراط في عسكرته بهدف ضرب بنية الدولة السورية من جهة, واستيلاد تيارات الإسلام السياسي ( الأخواني) المصنوعة على عينه والأكثر تبعية له من حليفيه المضحى بهما من جهة أخرى,لكن الارتباط العضوي بين ثالوث الجيش والقيادة وجزء واسع من الشعب شكل العقدة وحجر العثرة في طريق التحالف الامبريالي الاسلاموي. اليوم وبعد أن وصلت المعركة لمرحلة دقيقة وحساسة يرتسم معها مستقبل المنطقة برمتها فإن استمرار الصراع داخل الأرض السورية لا يخدم سوى الكيان الصهيوني ذي الرغبة الجامحة في استنزاف الدولة السورية والمعرقل الأول لأي تسوية في ذلك الملف وهذا ما صرح به امير إيشل قائد سلاح الجو الإسرائيلي في 24.5.2013 ( بأن حرب شاملة محتملة الحدوث في أي لحظة وستكون على أشدها في اللحظة التي تنهار فيها الدولة السورية), لذا فإننا نعتقد أن تبني جبهة المقاومة لاستراتيجية الهجوم المعاكس والخروج من دائرة الاستيعاب من خلال ضربة استباقية "محدودة" لرأس الأفعى أي "الإسرائيلي" ستكون الكفيلة بشل حركة الذيل في الداخل وقطع إمدادات صموده من جهة, وستؤمن تهافتاً للأطراف الدولية والإقليمية المشتبكة في الملف السوري للانخراط الفوري في تسوية سياسية على مقاس المشروع المقاوم في المنطقة من جهة أخرى, لطالما كان أمن ذلك الرأس الهدف الأوحد من كل ما يجري تصنيعه على الساحة العربية.