2026-09-14 09:58 م

منظمة الألكسو: هل حققت طموح الإنسان العربي

2013-07-17
بقلم: الدكتور خيام محمد الزعبي
تعتبر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو" من دون أدنى شك، منظمة عريقة لها وزنها وثقلها الكبير ضمن الهياكل المنبثقة عن جامعة الدول العربية، بل ولعلها المنظمة الأهم إذا أخذنا في الحسبان تراجع دور الجامعة العربية على مستوى السياسة العربية والدولية من جهة، والأهمية المتزايدة للثقافة كمرتكز ثابت للهوية في عالم متغير مثير للقلق، لذلك أخذت المنظمة على عاتقها في أن تكون قاطرة التغيير في الوطن العربي و"بيت الخبرة" في تعاملها مع مستجدات العصر وتحديات المستقبل. تمثل الألكسو آلية من آليات النهوض بالأمة العربية، لا سيما في ظل مختلف التحديات التي يشهدها الواقع العربي في إطار النظام العالمي الجديد، وفي ظل ما تواجهه الأمة العربية من خلافات سياسية، الى جانب التخلف عن مواكبة عصر المعرفة والتكنولوجيا، لهذا تراهن الألكسو على اعتبار الثقافة آلية حاضنة لبلدان الوطن العربي التي من شأنها توعية المواطن العربي بغية الاسهام في بلورة وبناء استراتيجية عربية للتنمية الثقافية تندرج في صلب مشروع نهضوي عربي باعتبار أن التضامن الثقافي العربي ضرورة قومية لتوظيف القواسم المشتركة للأمة لكي تصبح أساساً لمشروع نهضوي مستحق. في إطار ذلك تعمل المنظمة على بلورة خطاب ثقافي تتعايش فيه مقتضيات تأصيل الهوية مع مطالب مواكبة العصر والنهوض بأسباب التطوير التربوي الثقافي والعلمي والبيئي والاتصالي، والمحافظة على التراث وصيانته وتوظيفه، وتهتم بتشجيع الابداعات العربية المعاصرة في مختلف مجالات الفكر والأدب والفن، فضلاً عن تطوير الأنشطة المتعلقة بمجالات التربية والثقافة والعلوم على مستوى الوطن العربي وتنسيقها، وتستند هذه المنظمة في عملها على قيم التسامح والاعتدال واحترام الآخر والتنوع الثقافي، فضلاً عن المساهمة في نقل الانسان العربي الى مرحلة متقدمة تتساوى فيها الجوانب الثقافية والتعليمية والحضارية مع الانسان في الدول المتقدمة. واليوم أصبح هناك تغيير على مستوى السياسة العربية والدولية وأصبحت الألكسو في شاكلة ومفارقة كبيرة بين الحضور وعدم الحضور. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل حققت الألكسو هدفها في توعية الانسان العربي أو تطوير عقله؟ فالمشكلة الأساسية هنا هي مشكلة كل المجتمعات العربية إذ تتصل بالمعرفة والعلم والثقافة، و هنا ندرك بأن الأمية عنصر قائم في هذه المجتمعات كافة، وهي التحدي الأكبر الذي تواجهه الألكسو كونها تدرك أهمية دور التعليم في تسريع عملية التنمية البشرية للمجتمع من أجل مستقبل تتحقق فيه حرية الانسان وكرامته، يحيا فيه الفرد حياة سعيدة خالية من تسلط المرض والفقر والجهل، والسبيل الى الوعي بالتغيرات التي تحدث على المستوى العالمي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية أو على مستوى تدمير البيئة الناتج عن سوء الاستغلال، فضلاً بأن التعليم يؤدي الى تعميق الإحساس بالأصالة العربية وقدرتها على التفاعل والعطاء وتنمية الشعور بالانتماء الى هذه الأصالة. وللأسف تلك المنظمة التي أنشئت عام 1970م، لم تحقق أي تقدم ملموس يساعد على توعية الإنسان العربي أو تطوير العقل العربي، وإن هناك غياب كبير للمنظمة في الشارع العربي فلا يعرف الكثير من العرب عن المنظمة ونشاطها وأهدافها، بالإضافة الى ركود بعض أنشطة المنظمة رغم وجود دراسات و تقارير وخبراء، لا سيما بأن الثقافة اليوم تفوق بأهميتها الموضوعات السياسية الظاهرة على سطح الأحداث، إذ إن الخطاب العربي يتمحور الآن حول القرار الثقافي ونادراً ما يجري الحديث عن الثقافة العربية، فالعرب تفرقوا في مختلف الأمور في الوقت الذي تجمعهم مصلحة ولغة واحدة مشتركة وخاصة ما حصل في ظل الأزمات التي عصفت بالمنطقة العربية، بالإضافة إلى ضعف المحتوى الرقمي العربي على شبكة الانترنت، وغياب الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى عن المبادرات التي أطلقت في هذا الخصوص. وفي مواجهة هذه التحديات تبرز بالدرجة الأولى ضرورة إنقاذ اللغة العربية من التراجع، تحت وطأة انتشار اللغات الأجنبية ومواجهة حركة التقدم التقني، التي تتطلب أشكالاً من التطوير والتحديث، وإثراء التنوع الثقافي العالمي، الذي طالبت منظمة اليونسكو بحمايته بموجب اتفاقية دولية في العام 2004م. لذلك لا بد هنا من برنامج يهدف للنهوض بالمعرفة وإصلاح التعليم في العالم العربي، لأننا بحاجة لتكوين أجيال قادرة على مواكبة العصر من خلال التفاعل مع الثورة العلمية والقدرة على الفكر التحليلي النقدي بالاستناد الى المعرفة الموضوعية للتاريخ والربط الموضوعي بين الحاضر والماضي، ويجب أن يكون لدى هؤلاء الشباب حزمة من القيم التي تمكنه من دخول هذا العصر بخطى ثابتة انطلاقاً من جوهر ثقافتنا وحضارتنا العربية التي ولدت مع الحضارة الإسلامية وأصبحت اليوم من القيم العالمية كالتسامح وحقوق الانسان. اما رسالة المنظمة في ظل الأوضاع السائدة في الوطن العربي هي بذل المزيد من الجهود في ترسيخ ثقافة القبول وسلمية الاحتجاجات والحفاظ على المال العام وأن يتحول الانسان العربي الى متسامح يقبل بالآخر وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة بعد ما حدث تغيير في ثورات الربيع العربي وتحولها من سلمية التحركات والمظاهرات الى حدوث تخريب المنشآت وحرق المواقع الثقافية والآثار. واليوم نتطلع الى ضرورة ابتعاد المنظمات المتخصصة التابعة للجامعة العربية وعلى الأخص الألكسو عن الخلافات السياسية، حتى تستطيع القيام بواجبها تجاه المواطن العربي، وتحقيق رسالتها كجزء من الاهتمام السوري بدعم التنمية الثقافية والاستفادة من طاقات المثقفين السوريين في مختلف المواقع التي تحتاج الى جهود لدعم رسالتها في خدمة المواطن العربي. هنا لا بد من القول بإن سورية نجحت في تحقيق هوية المواطن السوري العربية والإسلامية من خلال الاستعانة بنخبة من الخبراء المختصين في إعداد وتطوير المناهج التربوية التعليمية التي حرصت على اختيار أمثلة متنوعة تتلاءم والمراحل العمرية للفرد، حيث أن المناهج التربوية جاءت منسجمة بين الظاهر والمضمون ومتوازنة من حيث العمق و الأصالة، وتعانقت الأمثلة الدينية بالأمثلة النثرية لتغرس المثل العربية في ذهن الطالب وتنمي القيم الروحية في سلوكه ، حيث حرصت وزارة التربية السورية على ترسيخ البعد القومي في نفوس أبناءها الطلاب فكانت رائدة في قطاع تطوير المناهج التربوية التعليمية الذي جعل للأمثلة الواردة في الكتب المدرسية دوراً فاعلاً ورئيسياً في ربط الماضي بالحاضر وبث روح التجديد، كما أن سورية في خضم التحديات التي تواجه هوية الطفل العربي المسلم استطاعت وزارة التربية أن تفرد أمثلة في مناهجها التربوية التي تنمي قدرات الطفل وابداعه وتركز على اكتشاف هويته، كما كان لسورية الدور البارز في مشروع النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة الذي اعتمدته قمة دمشق رقم 435عام 2008م، وهنا يمكننا القول بأن سورية كانت السباقة في كل ما يخدم العمل العربي المشترك من أجل الوصول الى مجتمع مزدهر ومتقدم يستطيع الإنسان من خلاله تحقيق طموحاته وتسليحه بالعلم والمعرفة. في إطار ذلك نتطلع أن يكون للمنظمة العربية تواجد في الأنشطة الثقافية السورية، وأن تكون قناة تواصل حقيقي في مجال العلم والثقافة العربية بين المجتمعات المختلفة بغية تنمية الوعي لدى الانسان العربي، فضلاً عن العدول عن قرار تجميد عضوية سورية في المنظمة العربية الذي اعتمده مجلس جامعة الدول العربية بتاريخ 2-11-2011، كونها العضو المؤسس في الجامعة العربية. وأخيراً يمكنني القول إن الأمن الثقافي العربي يبقى رهن حفاظنا على هويتنا بعيداً عن أي انغلاق أو تحجر، لذا لا بد من العناية بصورة الانسان العربي ودحض الادعاءات والتشويه التي يلحق بها، والتركيز على المشكلات التي تعانيها اللغة العربية وإيجاد الحلول لها، ومواكبة التقدم التكنولوجي واستخدام التقنيات الحديثة في عصر الرقمنة، فضلاً عن ضرورة ترشيد الخطاب الديني والارتقاء بالإعلام الخاص والعام الى مستوى المسؤولية.