2026-09-14 09:37 م

الإسلام السياسي الإخواني ليس حلا بل هو معضلة بحاجة إلى حل ...

2013-06-23
بقلم: د. علاء أبوعامر

لا تحكموا على سياسي متفوه يتحدث لكم عن الديمقراطية والحرية والشفافية ومكافحة الفساد على أنه رجل فاضل ولا تحكموا على الأحزاب التي تتحدث عن الدين والعدالة والقداسة بأنها أحزاب إسلامية حتى لو سمت نفسها بمثل هذه الأسماء ، نعم لا تحكموا عليها بأقوالها بل انتظروا الأفعال أحكموا على هؤلاء جميعا عندما يصلون إلى السلطة وقارنوا بعدها بين ما قالوه في الماضي و ما يفعلونه في الحاضر أو ما سيفعلونه في المستقبل . 
هذا هو حال بعض الأحزاب التي كانت يوماً ما معارضة للسلطة في وطننا العربي ، وأتخمتنا بزهدها بالسلطة وفق مقولات هي لله لا للسلطة ولا للجاه ، و عندما أصبحت في سدة الحكم أصبح همها المحافظة على سلطتها وتعزيزها وتكفير كل من يختلف معها أو يناوئها بعد ثورات الربيع العربي ، والأدق ربما الخريف الاسلاموي 
تعودنا على مدى العقود الماضية سماع الشعار الذي تبنته حركة الإخوان المسلمين العالمية من خلال فروعها المختلفة المتناثرة على وسع الخريطة الجغرافية العربية بأن " الإسلام هو الحل " أنه شعار جذاب ، جذب الملايين وهذا طبيعي ، إذ لا يوجد مسلم يرفض تعاليم الإسلام ولا يوجد مسلم يرفض عدالة عمر وعلي بل يتوق إلى اليوم الذي يتحقق فيه عدلهما .
من أختار هذا الشعار ، أختار شعاراً جميلاً ، براقاً يدغدغ مشاعر الناس ويحي فيهم الأمل بأن الأمة التي أنجبت كل رموز الإسلام العظام الذين ما زلوا و سيبقوا في القلوب بأقوالهم وأفعالهم ، ومواقفهم ، مازالت قادرة على إنجاب زعماء يعيدون تلك الأيام التي يعتز بها المسلمون . الكل تواق لرؤية إسلام القرن الواحد والعشرين ، الإسلام الذي يحتويه كتاب الله القرآن وسنته الشريفة ، الإسلام الذي يختصر رسالته الإيمانية بتوحيد الخالق في السماء ويختصر رسالته الإنسانية بالعدل على الأرض .
لقد تربينا على حب الإسلام و قيم الإسلام وتراث الإسلام فنحن وإن كان ننتمي لإيديولوجيات وطنية أو قومية ،و لكننا مسلمون نعتز بديننا وانتمائنا لمحمد (ص ) فهو قائدنا وملهمنا وسيدنا ومرجعيتنا لا أعتقد أن هناك عربي واحد ومهما أختلف مذهبه وطائفته وثقافته لا يقر بذلك الجميع يقرون بذلك ، الإسلام الذي نحبه ونعشقه دين الرحمة الذي تباهينا به ونحن طلاب علم أمام الأوربيين عندما عشنا بين ظهرانيهم ، دين الرحمة التي هي (صفة) الله جلا وعلا { ورحمتي وسعت كل شيء } (الأعراف:156) و {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر:53)، أي: لا تيأسوا من مغفرته وعفوه كلنا نعتز بقرآننا العربي ونفاخر فيه وبكل ما جاء فيه ، دين الرحمة والتسامح ، الدين الذي يقول " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ " و الدين الذي يقول " ان الله يغفر الذنوب جميعا الا ان يشرك به" ، والذي يقول أيضا " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " هذا هو الإسلام الذي نعرفه وعشنا في كنفه وشرحنا تعاليمه لمن لا يعرفها ، الإسلام دين وتاريخ استمدت منه أوروبا بعض من قيمها ومبادئها وعلومها وأخلاقها كما تشير الكاتبة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها " شمس العرب تشرق على أوروبا " . كنا نفتخر بإسلامنا لأنه الدين الوحيد الذي بلا واسطة ، أي أن العلاقة مباشرة بين المسلم و ربه بلا كهنوت وبلا رجال دين ...
ولكن للأسف شعار الإسلام هو الحل ، الذي وضعته الحركات الإسلاموية كان شعاراً خداعاً شعاراً للاستهلاك شعاراً للضحك على الدقون ، أو هو شعار الدقون التي ضحكت على الجميع ، شعار أفتقد المضمون لأنه بات معضلة ، لأننا لم نعد نعرف عن أي إسلام يتم الحديث ، بعد كل ما رأيناه وسمعناه منذ بدأ خريف الإسلامويين لم نعد نتعرف على إسلامنا ، لدينا شعور بالغربة ، وشعور بالقهر ، وشعور بالمهانة لأن تعاليمنا قد أهينت وتراثنا الجميل يراد له أن يصبح بشعاً ، فدين المحبة والرحمة والتسامح بات دينا يراد له أن يصبح دين الإجرام والقتل ، دين للتفرقة وتمزيق الأوطان دين للتكفير والفرز الطائفي ، دين يساير أهداف أمريكا ويطبق مقررات مؤتمر هرتزيليا الصهيوني بتحريض السنة على الشيعة ، والتحالف مع إسرائيل في حلف واحد ضد الشيعة ، وإذا أردنا أن لا ننخدع وننصدم أكثر ، يراد من إعلان الحرب على الشيعة والعلويين تحريض كل فسيفساء المذاهب في منطقتنا لتصبح في عداء مع أهل السنة وهذا يعني التأسيس لدول طائفية ، مذهبية ، من لا يرى ذلك يفتقد إلى البصيرة ، وهو أعمى البصر لا يقرأ .
وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة تُختصر في سؤال واحد ما تقوم به حركة الإخوان المسلمين العالمية من دعوات للجهاد أو القتال وتكفير المذاهب الأخرى ، هل هو غباء أم عمالة ؟!
الدين الذي تؤمن به حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها حركة الإخوان المسلمين كما يتضح من مواقفهم السياسية ، هو دين مذاهب وشيع وليس دين الله الموحى به لمحمد (ص). هو دين لا يعترف بالخلاف والاختلاف ، الاختلاف الذي هو سنة كونيه ، قد سنها الله سبحانه وتعالي لعباده ، وذلك لأخذ العبرة والعظة ، ولما في ذلك من التدبر والتفكر في خلق الله تبارك وتعالى ، فقال في محكم آياته : ( وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ) ، فجعل الاختلاف آية من آياته ، لتكون لنا عبره ، ودليلا على عظيم خلق رب البريه سبحانه وتعالي .
ومن أوجه الاختلاف ، اختلاف العقول في الأفهام والآراء والحجج والبراهين والمسوغات وغيرها ، حسب وجهة نظر كل إنسان .
أين هذه التعاليم ممن سموا أنفسهم رجال الدين الإسلامي وعلماء الدين الإسلامي ، فصنعوا كهنوتً و واسطة بين العبد وخالقه يكفرون هذا ويطهرون ذاك ، رجال دين هم أشبه ما يكونون بشخصيات مسلسل " دعاة على أبواب جهنم " يسيئون للإسلام وتعاليمه وينفُرون الناس منه من أجل مكاسب دنيوية ومنافع سياسية ...
وجدي غنيم يقول "من سينزل في يوم 30 يونيو هو "كافر" ويجب أن يُقتل لأن من سينزل في هذه التظاهرات هم بعض الصليبيين "المجرمين"، لأن بعض الكنائس بها أسلحة وذخائر سيستخدمونها"، واصفا هذه المظاهرات بـ"الحرب الصليبية".
ما أسهل أن يكفروا ويلعنوا وهم يطلقون على أنفسهم لقب الدعاة ، أي دعاة هؤلاء ؟! 
دعاة للقتل دعاة لإصدار فتاوى الفتنة وتمزيق الأمة ، ليس وجدي غنيم منفرداً بذاته في هذا الأمر، ليس وحده من يكفر خمسة عشر مليون مصري يعارضون سياسات الإخوان و يرفضون مواصلة الرئيس المصري الاحتفاظ بمنصبه 
" . بل هناك من هم أكبر منه وعلى شاكلته من يكفر ملايين العرب ومن غير العرب من المذاهب الإسلامية الأخرى لأن ولي أمره يختلف مع رئيس ذلك البلد في السياسة والتحالفات .!
فماذا يعني وصف الشيخ يوسف القرضاوي في كلمات مفعمة بالتعصب والكراهية، العلويين، بأنهم أكثر كفرا من النصارى واليهود، داعيا جميع المسلمين في كل الدول العربية للتوجه إلى سوريا للدفاع عن المسلمين السنة.
وبذلك هو من حيث أراد أم لم يُرد يكفر النصارى ويستفزهم بوضعهم في خانة الأعداء بالرغم من تحالفه واستنجاده بدولهم الكبرى ، هو يكفر كل من أختلف معه وبالجملة فهو يكفر الشيعة الأمامية والعلويين من المسلمين ويصف اليهود والنصارى بالكفر ، وهو وغيره من دعاة الفتنة وتمزيق الأمة يكفرون الأحزاب السياسية في بلدانهم لاختلافها معهم ويكفرون كل القوى السياسية الإقليمية والطوائف التي تختلف معهم يعادون كل من يقف في وجه مشروعهم السياسي الذي يستعجل الإطباق على حكم العالم العربي لتنفيذ سياسات الجماعة وتحقيق مآربها .
كان يقال إسلام معتدل مقابل إسلام وسطي لا ، لا يوجد إسلام سياسي وسطي كلهم متطرفون ، كلهم طلبانيون ، وكلهم قاعديون ، كلهم خرجوا وتخرجوا من عباءة الوهابية ، التي لا تعترف إلا بلونين الأسود والأبيض وباقي الألوان لم تخلق بعد .
لا تنظُر إلى زيهم وإلى شكل الدقن طويلة أو قصيرة أو طول الجلباب ، أنظر إلى مواقفهم عندما يتعارض موقف مع غاياتهم سترى أن لا حدود بين التطرف والاعتدال ، هي حدود هلامية للتمايز ولكنها ليست موجودة ، موجودة على الورق ولكنها غير مثبته في العقول ...
مقابل هذا التكفير الذي تمارسه الجماعات الإسلاموية يبقى صوت الإسلام الحقيقي هو الحكم ، الإسلام المجرد من الغايات السياسية ، فقد أجاز الأزهر الشريف المعارضة السلمية ورفض تكفير المعارضين الذين يتظاهرون بعنف. وقال الازهر في بيان له ان "المعارضةَ السلمية لولي الأمر الشرعي جائزة ومباحة شرعا ولا علاقة لها بالإيمان والكفر".
وشدد بيان الازهر في الوقت ذاته على أن "العنف والخروج المسلح (على الحاكم ) معصية كبيرة ارتكبها الخوارج ضد الخلفاء الراشدين ولكنَهم لم يكفروا ولم يخرجوا من الإسلام وهذا هو الحكم الشرعي الذي يجمع عليه أهل السنة والجماعة" 

قد يقول قائل هؤلاء الذين يفتون ليسوا حكاماً و إنما علماء !! ، فلماذا يُحمل الإسلام السياسي وزر فتاويهم ومواقفهم ؟! 
ربما يكون هذا صحيح نظرياً ، فهم بالطبع ليسوا حكاماً ولكنهم في الواقع أهم من الحكام ، فهم المرجعيات الدينية التي منها وبناء على رأيها ومشورتها تصدر القرارات السياسية ، نعم هؤلاء أهم حتى من مكتب الإرشاد الذي يحكم الرئيس الإخواني أينما كان ، وبحسب خبرتنا بالجماعات الإسلامية هؤلاء هم من يشيرون ويقررون ويأمرون ويطاعون .
لا يحتاج الإنسان إلى براهين كثيرة كي يبرهن أن أحزاب وجماعات الإسلام السياسي لا تصلح لحكم ولبناء دول بل تصلح كمعاول هدم لتحطيم الأنسجة الاجتماعية والبنى الثقافية للمجتمعات العربية والإسلامية فبالله عليكم كيف ستحكم جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها من الجماعات الإسلاموية السياسية بلد كسوريا أو العراق أو لبنان أو مصر حتى ؟!!
نعم كيف ستحكم هذه الدول وهي تُكفر وتدعو لقتل أفراد الطوائف من غير أهل السنة ، بل وكل من يعارض أنظمة حكمهم .
كيف لهؤلاء أن يحكموا وهم يقسمون الشعب من أهل السنة بين مؤمن وكافر ، بين أخيار وأشرار ومؤلفة قلوبهم ، فهم يتعاملون وفق معادلة تقول من كان من جماعتنا ومتحزب في حزبنا فهو خير وله حقوق وأما من كان غير ذلك وحتى لوكان مسلماً يصلي ويتعبد فهو ليس خيراً طالما ظل خارج الحزب ، فهم يقولون أبنائنا في الجنة ، وأولئك في النار ، والفريق الثالث فيه وجهة نظر !!
ليس بهذه الطريقة تحكم الدول أو تقاد الشعوب بل بالعدالة ، والعدالة فقط ودون تمييز ، " اليس عمر هو القائل متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " فالراعي مسئول عن رعيته مسئول عنهم جميعاً ، مسئول عنهم وبغض النظر عن أديانهم (كالكتابيين ) والمسلمين من أصحاب المذاهب الأخرى من غير أهل السنة بل هو مسئول عن الشجر والحجر والحيوان، ومقولة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لما لم تصلح لها الطريق يا عمر " هذه البغلة لم تكن تنتمي لمذهب أو طائفة بل كانت قبل المذاهب قبل أن ينتسبُ لهذا الاسم أو ذاك مع كل الاحترام لهم وينسون محمد وتعاليم محمد ، أين مقولة عمر هذه ممن أتبع هواه وممن يميزون بين الناس بحسب انتمائهم الحزبي والعقائدي
أعتقد أن إسلام محمد (ص) وخلفائه الراشدين مازال هو الحل ولكن ذاك إسلام على ما يبدو لن نراه يحكم قريباً لأنه إسلام بلا مذاهب إسلام العدالة والرحمة والتسامح ، إسلام الكلمة الطيبة صدقة ، إسلام وجادلهم بالتي أحسن ، إسلام مكارم الأخلاق ،إسلام العباد جميعاً متساوون عند الله و ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له، إسلام إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ، علينا أن ننتظر طويلاً ذاك الذي قيل بأنه سيأتي يوماً ما ليعيد الأمور إلى نصابها ....

كاتب وباحث وأكاديمي من فلسطين
dr.alaaabuamer@gmail.com