2026-06-09 10:12 ص

الثابت والمتحول في سياسة إسرائيل تجاه الأزمة السورية

2013-06-18
بقلم: د. علاء أبوعامر 

"المصلحة العليا لكم أن تؤيدوا بقاء الأسد، فهو على الرغم من كل خلافاتكم معه، نظام مستقر وحريص على تطبيق الاتفاقيات المبرمة بينكم. وفي عهده ساد بينكم وبينه هدوء شديد. إذا انهار هذا النظام، فستحل محله الفوضى وقد تقع سوريا بيد المتطرفين"
ينسب هذا الكلام إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و هو موجه للإسرائيليين من خلال صحفي التقاه بوتين بالصدفة ....
كلام الرئيس بوتين يؤكد على وجود تغيير جذري في الموقف الإسرائيلي تجاه الوضع في سوريا فبعد أن كانت إسرائيل تبعث برسائل إعلامية وسياسية متناقضة أصبحت اليوم تبدي رغبة صريحة بالقضاء على نظام الحكم في سوريا ور غبتها بتولي المعارضة للسلطة ، الموقف اللافت في هذا الصدد هو ما كان قد صرح به عاموس جلعاد رئيس الشعبة الأمنية والسياسية بوزارة الدفاع الإسرائيلية، في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم 10/4/2013م بأن "إسرائيل" تُفضِّل وجود "تنظيم القاعدة" في جوارها السوري على وجود محور الشر، يقصد إيران وسوريا و"حزب الله"
من الواضح أن الرئيس بوتين يقول ذلك بناءً على معلومات ومعطيات لديه بأن هناك قراراً إسرائيلياً بالمشاركة في الجهود الحربية العربية الخليجية - الإخوانية والتركية لإسقاط النظام في سوريا . ولذا هو يقدم لهم النصيحة كصديق ....
فبالرغم من الخطوات السياسية والتسليحية الروسية الداعمة لسورية إلا أنه من المعلوم أيضاً أن العلاقات بين روسيا وإسرائيل هي علاقات متطورة فبالإضافة لوجود 2 مليون مهاجر روسي في إسرائيل وبعضهم وصل إلى مستويات رفيعة في قيادة الدولة والأحزاب السياسية ، إلا أن الرئيس الروسي ينصح الإسرائيليين باختيار الجانب الأقل سوءاً لهم على المدى القريب فهو يخيرهم بين الإستقرار والفوضى والتطرف ...
تعلم القيادة الروسية أن إسرائيل هي التي تُحرك مجموعات اللوبي الصهيوني بشقيه اليهودي والمسيحي المتطرف في الولايات المتحدة لحثها على التدخل المباشر في الحرب الدائرة في سوريا بدعوى أستخدام النظام للأسلحة الكيمياوية ضد المجموعات المسلحة المعارضة ، بعد أن جعل الرئيس بارك أوباما من هذا الإستخدام خط أحمر ممنوع على سورية تجاوزه ، إسرائيل تريد تدمير هذه الإسلحة حتى لا تنتقل إلى حزب الله أو إلى المجموعات الإسلامية المتطرفة هذا هو التبرير الذي تستخدمه ، ولكن في واقع الحال فإن التصريح السوري الأول الذي أوحى بوجود هذه الأسلحة الكيميائية وإمكانية أستخدامها قد ربط هذا الإستخدام بالتدخل الخارجي و كملاذ أخير للدفاع عن سيادة البلاد ، أذن السلاح الكيماوي مخيف بالنسبة لإسرائيل لأن النظام السوري وحلفائه و وفق تقييمهم للحرب التي تشن عليهم يعتبرونها حرباً أمريكية -إسرائيلية بالوكالة ، لذلك تعتقد إسرائيل أن الأنتقام السوري قد يكون منها بالدرجة الأولى . 
الغريب في الأمر أن هذا الموقف الذي عبر عنه الرئيس الروسي اليوم ، كان هو نفسه الموقف الإسرائيلي في بداية الأزمة السورية فقد نسبت صحيفة التايمز البريطانية تصريح لأحد كبار مسئولي المخابرات في شمال إسرائيل يقول فيه أن "الشيطان الذي تعرفه خير من الشياطيين التي يمكن أن تتخيلها إذا سقطت سوريا في الفوضى ووصل إليها المتطرفون من مختلف دول العالم العربي فهذا سيء لإسرائيل ".
و قال مسئولون إسرائيليون إن إسرائيل تفضل بقاء الرئيس السوري بشار الأسد إذا كان البديل هو وصول المعارضة الإسلامية المسلحة إلى السلطة.ونقلت صحيفة التايمز عن مصادر استخباراتية إسرائيلية أن بقاء نظام الأسد، وإن بصورة اضعف، هو افضل خيار لإسرائيل وللمنطقة المضطربة. 

إذن ما الذي تغير ولماذا باتت إسرائيل تفضل أنتصار جبهة النصرة وجماعات الإسلام السياسي على من تعرفه وجربته وفق المقولة السابقة،؟!
من الواضح أن إسرائيل قد حصلت على ضمانات من قطر ودول خليجية أخرى بأن المعارضة السورية ستقيم سلاماً مع إسرائيل وفق شروط الدولة العبرية وهذه المواقف لم تعد سراً بل ترددت أخيرا على لسان أكثر من شخصية ، وأيضاً سُتقدم هذه الدول دعماً غير محدود للحملة الإسرائيلية القادمة على أيران وحزب الله إن تمت ...، بالإضافة إلى منع منظمة التحرير الفلسطينية من أتخاذ أي مبادرات للذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية أو محكمة العدل الدولية تحت طائلة تجفيف مواردها المالية وسحب الأعتراف العربي بها ومنحه لخصومها من الإسلاميين هذا مع ضمانات بالتطبيع الشامل والكامل قبل إنجاز أي تسوية من خلال إدخال تعديلات جوهرية على مبادرة السلام العربية .
وعلى ما يبدو بدأت هذه الخطوات التطمينية العربية من خلال إعلان الجهاد ضد الشيعة عبر العالم وهو ما يعني رفع الغطاء العربي والإسلامي السني عن أطراف محور المقاومة والدخول في حلف علني مع إسرائيل ، التي ترى كما يرى الحلف العربي التركي المعادي لسوريا أن الشيعة والعلويين طبعا وباقي أتباع المذاهب والطوائف وكل من يتحالف مع محور المقاومة بما فيهم روسيا والصين ، هم أعداء أهل السنة وأعداء الأمن والسلام في الشرق الأوسط و وجب القضاء عليهم .
من هذه المنطلقات بإمكاننا ملاحظة عدد من المؤشرات التي صاحبت هذا التطور في الموقف الإسرائيلي :

أول هذه المؤشرات : أن السياسة الإسرائيلية بُنيت على رؤية تقول أتركوا العرب يتقاتلون، ليقتل واحد منهم الآخر؛ لأن أي تدخل اسرائيلي قد يعيد إلتفاف العرب مع بعضهم على عدوهم التاريخي ، دعهم يُدمرون بلدهم ، و يقتلون أنفسهم بأنفسهم المقصود ، هنا النظام والمعارضة وحلفائهما ، فهدف السياستان الإمريكية والإسرائيلية هو تدمير سورية الدولة وليس أسقاط النظام فقط . 

ثاني هذه المؤشرات : رهانها على سقوط النظام بشكل سريع وعدم رغبتها بمنحه قوة أضافية لدى الجماهير العربية عندما تُصرح علناً أن بقاء النظام يمثل مصلحة لها وأنها تفضله على المجهول ، وقد تلقف أعداء النظام هذه المقولة و روجوا لها كدليل على أن النظام ذو وجهين وجه علني مقاوم و وجه سري متعاون مع إسرائيل ، مع أن إسرائيل لم تقل ذلك بل أشارت إلى بديهية تقول : " أن من تعرفه تحسن التعامل معه ومن لا تعرفه أنت بحاجة إلى وقت لمعرفته " والسياسة الإسرائيلية كانت دائما تفضل الأبقاء على الوضع السابق للأنظمة العربية .

ثالث هذه المؤشرات : هي رهانها على تفكك التحالف بين سوريا وحلفائها في أيران وحزب الله بعدما سرُت لخروج حماس من هذا التحالف وانضمامها للتحالف المعادي لسوريا الأسد المتمثل في قطر وتركيا وجماعة الإخوان المسلمين العالمية حلفائها الايديولوجيين ولكن رهانها كما أثبتت الأيام كان في غير محله إذ تعزز التحالف الثلاثي وأنضم إليه على ما يبدو حليف رابع هو العراق وأصبح هذا التحالف أصلب وأقوى من ذي قبل حيث أعتبر هذا التحالف أن معركة سوريا هي معركة وجود بالنسبة لكل أطرافه .

رابع هذه المؤشرات : أن ما يثير مخاوف إسرائيل بحسب الكتابات التي ملئت صحفها بعد معركة القصير هو رؤية عدوها اللدود حزب الله ينتصر في معركة تخشى ما تخشاه أن تخاض يوم ما معركة مشابهة لها في شمالها أو شمالها الشرقي أي في الجولان .. .
.
خامس هذه المؤشرات : هو تزويد روسيا لسوريا بصواريخ وأنظمة دفاع جوي وبحري كاسرة للتفوق العسكري الإسرائيلي ومع أن روسيا تعتبر هذه الأنظمة هي أنظمة دفاعية ليست موجهة لإسرائيل بل لمنع تدخل دولي خارج نطاق الأمم المتحدة في سوريا ، فإنها بالنسبة لإسرائيل الدولة الأستعمارية التوسعية تعني فيما تعنيه نهاية هيمنتها وعربدتها في المنطقة وهذا أمر لن تسمح به لا هي ولا حلفائها الأمريكيين والأوروبيين و العرب.

سادس هذه المؤشرات : هو المأزق الذي وصل إليه الحلف القطري، الإخواني ، التكفيري، التركي وحليفهم الأمريكي الإسرائيلي بعد معركة القصير ، والذي فيه سقطت جميع رهاناتهم السياسية وحساباتهم العسكرية التي كانت قد توقعت سقوط العاصمة دمشق خلال مدة قصيرة ، فإذا بمعركة دمشق تتحول إلى معركة لتطهير كامل سوريا من الجماعات المسلحة الداخلية والقادمة عبر الحدود ومن خلال تحالف عسكري سوري لبناني مقاوم مدعوم أيرانياً وروسياً .

كل هذه المؤشرات مجتمعة هي ما جعل السياسة الإسرائيلية تتحول من العمل السري إلى العمل العلني من خلال القصف المباشر لأهداف سورية في الجولان والعمق السوري بحجج وتبريرات لم تكن مقنعة لأي من الخبراء العسكريين فقد كانت تلك الهجمات تصب في مصلحة أسقاط النظام وجاءت بعد دعوات للشيخ القرضاوي باستجداء تدخل عسكري أمريكي. 
.
من الواضح أن الصرخة المدوية والتي تختصر في عبارة " من غير المسموح للنظام السوري الأنتصار في المعركة " هي صرخة تتشارك فيها عواصم عدة أبرزها الدوحة ، وأنقرة ، وتل أبيب ، ولندن ، وباريس ، و واشنطن ، و غيرها من العواصم المشاركة في الحرب على سوريا ، كل هذه الأطراف على ما يبدو ستقف صفاً واحداً لمنع النظام من أستعادة الأراضي السورية الخارجة عن سيطرة الدولة ومن الواضح أنه سيكون لإسرائيل دوراً عسكرياً هاماً في المرحلة المقبلة ، أما كيف ستمارس هذا الدور فهذا متروك لدوائر التخطيط الإسرائيلية والغربية .

التغطية العربية حصلت عليها إسرائيل بشكل مسبق ، فها هي مصر مرسي قد دقت طبول الحرب وأعلنت الجهاد في سوريا وقبلها فعلت الدوحة ، وتركيا أردوغان أستخدمت كل ما لديها من أمكانيات وها هي تواجه ثورة داخلية بسبب تدخلها في شؤون جيرانها واتباعها سياسة طائفية .

موقع "قضايا مركزية" العبري نشر يوم 16/6/2013 أخباراً عن مشاورات وصفت بالهامة بين وزير الجيش الاسرائيلي موشيه يعالون الذي يتواجد في واشنطن مع نظيره الامريكي تشاك هيغل خلال الايام الماضية، والتي تمحورت حول الوضع السوري وأخر التطورات وكافة الاحتمالات بما فيها التدخل العسكري المباشر .

وهنا نطرح التساؤل التالي وهل في وسع إسرائيل أن تفعل بالعلن أكثر مما كانت وما زالت تفعله بالسر ...؟!

با عتقادنا أسرائيل لن يكون في وسعها فعل الكثير العلني ولكنها قد تُغير في تكتيكات أفعالها السرية ضمن الأستراتيجية المتفق عليها مع الإدارة الأمريكية ، بمعنى أنها لن تدخل جيوشها لغزو سوريا بل ستساعد في التدريب والتسليح والأيواء للجماعات المناوئة للنظام السوري وستقوم بعمليات نوعية وخاصة لوحدات النخبة من قواتها في عمق الأرض السورية وهو ما تقوم به وفق تقارير غربية وحدات خاصة فرنسية وبريطانية أيضاً ، وذلك بهدف ضرب وتدمير أهداف محددة ، وبالطبع ستستمر بتزويد المعارضة وحلفائها بالمعلومات الأستخبارية عن تحركات وحدات الجيش السوري وأماكن تواجدها ...الخ
هذا أهم ما ستفعله إسرائيل في هذه المرحلة ولكنها ستختار في لحظة ما الدخول في الحرب ، و قد يكون دخولها لهذه الحرب بشكل ملتو عبر غزو لبنان بهدف تدمير صواريخ حزب الله بغطاء أمريكي غربي وهذا ما نرجحه وبذلك تضع نهايات للحرب السورية عبر البوابة اللبنانية .

طبعا هذا خيار مطروح ولكنه خيار أخير لن تلجأ إليه إسرائيل قريبا ، ولكنه خيار قائم وجاهز ، فهي ما زالت تجري المناورات وتستعد له بشكل يومي ولكن لم يحن أوانه بعد ...
إسرائيل العدو اللدود للأمة العربية تخطط لدولنا وشعوبنا العربية مستقبلها ونحن ما زلنا نتقاتل على قضية من كان أولى بالخلافة أبو بكر أم علي نكفر هذا ونلعن ذاك ، لم أكن أعتقد أن الجماعات الإسلاموية تمتلك كل هذا الزخم من الجهل والحقد والغباء السياسي ولكنني أصبحت على يقين أنهم مصيبة هذه الأمة .

لننس للحظة هدير محركات الفتنة الطائفية التي علا صوتها في القاهرة و دعوات الجهاد المنبعثة من كذا عاصمة أخوانية وتكفيرية ، لأنني على يقين أن ما حصل في القصير ، سيحصل في غيرها ، فالغرب و إسرائيل يريدون أطالة عمر الأزمة لا إنهائها ....

مازال أمامنا وقت كثير حتى نرى تدخلاً غربياً وإسرائيلياً مباشراً في الحرب السورية لسبب بسيط أنه طالما بقي هناك دمى يمكن تحريكها بالوكالة وطالما أن حرب الطوائف قد دق طبولها الرئيس الإخواني محمد مرسي برعاية قرضاوية كاملة ، فإن أهدافهم تتحقق دون أراقة نقطة دم إسرائيلية أو أمريكية ، اليس هذا ما سعت إليه الصهيونية وقررته في مؤتمر هرتزيليا الأخير ...؟!

إذن لماذا تتدخل إسرائيل والولايات المتحدة تدخلاً مباشراً في هذا الوقت، طالما أنه مازال هناك مجانين كثر يمكن أستخدامهم كوقود لحروبهما ، لا لن تتدخلا قريبا ، لن نرى مناطق حظر جوي ولا مالا يحزنون ، ولكننا سنرى توزيع جديد للأدوار وتغيير في خطط ومسارات لعبة الدمى هذه ، ولكن كاتب السيناريو والمخرج والأيدي التي تحرك كل المشهد لن تظهر في الصورة بشكل مباشر قريباً هكذا هي الأعمال الدرامية ... سيظهرون عند توزيع جوائز الأوسكار ، الا تذكرون أن هذا ما حصل في ليبيا بعد هزيمة جماهيرية العقيد القذافي ، فقد قاموا بتكريم الفيلسوف الصهيوني برنارد هنري ليفي صانع الثورات العربية ومعه الرئيس الفرنسي وغيره ممن أعدوا وخططوا و رسموا و وزعوا الأدوار... وهذا لن يروه في سوريا قريبا و ربما بعيدا، فهنا وضع مختلف ولا أحد يعلم لمن ستقدم الجوائز في نهاية المطاف ، هناك في دمشق سينتهي عالم ويبدأ عالم جديد .... 


*كاتب وباحث وأكاديمي من فلسطين 
dr.alaaabuamer@gmail.com