2026-09-14 11:02 م

"جـنـيـف 2" ...قواعده في القصير وسقفه في بئر عجم

2013-05-22
بقلم: سمير الفزاع
بدا لكثيرين أن أمريكا غير متضررة من حربها على سوريا ، فهي لا تنزف في سوريا دم جنودها ، ولا تبعثر فيها أموالها ، ولا تخسر على أرضها معداتها ، ولا تواجه شعبها بتبرير حرب عدوانية عليها ... يبدو هذا صحيحاً للوهلة الأولى . لكن الدول لا تفكر بهذه الطريقة ، ولا تُعالج الأزمات على هذا النحو . إن الدول - وخصوصاً الكبرى منها - لها مصالح ومناطق نفوذ ومجالات حيويّة ومَديات للأمن القومي ... وكلّ هذه العناصر المهمة جداً توجد خارج الجغرافيا السياسية للدول . لذلك فهي تشن الحروب وتدخل حلبات الصراع إذا ما تهددت هذه المصالح والمجالات . سأنطلق من فرضية تقول " إن أمريكا إمبراطورية ، كلّ منفعة وقرش لا يسكن في خزانتها خسارة ، وكل جغرافيا تتمرد عليها خسارة ، وكل حليف أو تابع لها يسقط خسارة كبرى ، وكل هدف لا تحققه خسارة ، وكلّ مشروع لها يسقط سيكون أيضاً خسارة كبرى " . ولننطلق من هذه الفرضية - التي باتت مؤكدة ومنجزة - خطوة للأمام عنوانها " إن أميركا تسعى من حربها على سوريا تطويع آخر دولة تقف في وجه مشروع إنقاذها من السقوط والتحلل ، إنه مشروع إعادة السيطرة على قلب العالم بمفردات جديدة ناعمة أكثر ، وعميقة أكثر ، وبالغة التأثير على نحو لايقارن بالإستعمار القديم ، وأقل إستجلاباً للرفض والمقاومة " . إنطلاقاً من تلك المقولة " إن أمريكا إمبراطورية ، كلّ منفعة وقرش لا يسكن في خزنتها خسارة ، وكل جغرافيا تتمرد عليها خسارة ، وكل حليف أو تابع لها يسقط خسارة كبرى ، وكل هدف لا تحققه خسارة ، وكلّ مشروع لها يسقط سيكون أيضاً خسارة كبرى " . ما هي حال المشروع الأمريكي في المنطقة ، ومن النافذة السورية تحديداً ، وبعض تداعياتها الإقليمية ؟ ولماذا ستأتي صاغرة إلى جنيف هي وبعض أيتامها ؟ سأذكر مجموعة صغيرة منها على شكل مفاتيح ، وكلّ مفتاح سيأخذنا إلى حقل كامل من العناصر . * تمكنت القيادة السورية من وضع نسق جديد من قواعد الإشتباك مع العدو الصهيوني ، نسق غاية في الخطورة على وجود وإستمرارية هذا الكيان . فهي اليوم إنتقلت من رعاية المقاومة ومدها بأسباب القوة والصمود من السرّ إلى العلن ، وجعلت من جبهة الجولان الممتدة من رأس الناقورة حتى وادي اليرموك الجغرافيا الأكثر توتراً وخطورة ، وأجبرت العدو الصهيوني على التفكير ألآف المرات قبل أن يقدم على أي خطوة - وليس عدوان - قد يغضب سوريا . فاليد على الزناد ، والهدف قلب كيان العدو وأذرعه وعقله ، والضربة أكبر وأعمق بكثير من أن تُحتَمل . * إن سوريا بصبرها وصمودها وألغاز نصرها ساعدت العالم أجمع على أن يحلم بغد لا وجود فيه لحكام يأتون عبر البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية ، وأصبح صمود سوريا ونصرها هدف تفوق قيمته وحيويته أي مصلحة أو هدف آخر . لذلك نرى روسيا مثلاً تفتح مخازن إسلحة غاية في القدرة والدقة والتفوق لأجل تعميق هذا النصر وتثبيته والمساهمة فيه ، ونرى إيران تُعد لمؤتمر دولي لأصدقاء سوريا . وحول هذا المؤتمر يجب أن نؤكد بأنه ممنوع على هذا المؤتمر وغيره أن يتحدث عن قروضاً لسوريا ، بل عليه أن يقدم كلّ ما تحتاجه سوريا من أموال وخبرات ومعدات ومشاريع ... كمنح وبلا أي مقابل ، فما قدمته سوريا لكل العالم هو الأغلى والأثمن ، بل لا يقدر بثمن . * حقق الجيش العربي السوري إنتصارات مهمة جداً خلال الفترة الماضية ، ميدانياً وعلى المستويين التقني والإستخباري معا . لذلك ستسعى أميركا وحلفائها لإيجاد تسوية " الحدّ الأدنى " مع سوريا وحلفائها ، قبل أن تحقق سوريا إنتصار واضحاً وناجزاً على المجموعات الإرهابية ، وأدوات التخريب والغزو . لأن إنتصار سوريا على هؤلاء دون تسوية ما ، يقوي من موقعها الإقليمي والدولي ، ويجعل من الرئيس بشار حافظ الأسد رمزاً عربياً وإقليمياً ودولياً يصعب التنبؤ بتصرفاته وطموحاته ، ويُفقد أميركا وحلفائها الإستفادة من ورقة الجماعات الإرهابية المسلحة بذاتها ، وما تقدمه من غطاء لها ولأجهزة حلفائها للتخريب في الداخل السوري ، وينهي فعالية المعارضة اللقيطة المُسماة " إئتلاف وطني " . * الخوف الحقيقي من ذهاب سوريا وحلفائها " على الأقل العضويين منهم " ، إلى خيار الطوفان الكبير والزلزال المدمر ، خيار الحرب الإقليمية الكبرى . فإذا كانت سوريا ستبقى في حالة من " التآكل الذاتي " ، ومحاربة الوكلاء لوكلاء العدو ، فلماذا لا تذهب إلى حرب مع العدو الحقيقي والوكلاء الكبار مباشرة ، وعلى رأس هؤلاء الوكلاء كيان العدو الغاصب . فتخلط الأوراق ، وتمزق الخرائط على غير مشتهى العدو الأكبر دفعة واحدة وإلى الأبد . وهذا الخيار ليس خياليّاً ، بل هو ما نشاهده اليوم على جبهة الجولان . وهذا الخيار أصبح إستراتيجية الحقبة القادمة من تاريخ المشرق . * في الآونة الأخيرة سقط العشرات من قادة المجموعات الإرهابية ، و قادتها الميدانيين ، ومنظريها ومُفتيها . وهذا يؤشر لخطر داهم يضرب هذه المجموعات بقوة . فكثير من هذه المجموعات أصبحت تقاتل تحت قيادة أشخاص من الصف الثالث والرابع . فتراجعت العمليات " النوعية " ، وتدنت التكتيكات الحربية ، وأرتفعت نسبة الأخطاء " . كم مرة سمعنا مؤخراً بإنفجار سيارة بمفخخيها مثلاً " ، وإرتفاع نسبة القتلى في كل عملية يقومون بها إلى حدود خرافية ، والخسارات المتوالية لمواقع بقوا فيها لشهور . * الخوف المتزايد من إنتقال " مفردات " الأزمة السورية الى مجمل المنطقة ، وخصوصاً تركيا ولبنان وجزيرة العرب . فمن يُصنّع الإرهاب ويصدره ، لن يكون أبداً بمنأى عن تذوق ضرباته ومرارته . ومن يَدّعي نشر الديمقراطية والحرية في سوريا ، سيكون مطالباً بتطبيقها على أرضه ، خصوصاً إذا كانت تفتقر إلى أبسط مظاهرها وآلياتها . * عامل الزمن أظهر تخبط في الطروحات والخيارات السياسية " للمعارضة " المفترضة وداعميها ، وإرتهانها الكلي وتبعيتها المطلقة لهؤلاء الداعمين ، مما أفقدها أي قدر من المصداقية يمكن أن تتمتع به . فمن المطالبة بتغيير المادة الثامنة ، إلى تغيير الدستور ، وصولاً لرفض الحوار والمطالبة الصريحة بالتدخل الدولي . كما كان لإنكشاف الجوهر الحقيقي للقوى الإرهابية المسلحة المقاتلة في سوريا ، وإنفضاح طبيعتها الإرهابية والإرتزاقية ، وجنسيتها غير السورية في أغلب الأحيان ، وأهدافها المذهبية والطائفية التدميرية والإلغائية ، كلّ ذلك أدى إلى إفتقارها لأي قبول شعبي واسع ووازن . * الإشتباك السياسي والميداني من نتائجه ، إستنزاف قوى وأنظمة ومؤسسات وأفراد ... وهذا الإستنزاف حمل نتائج كارثية على أصحاب مشروع الحرب على سوريا " أنظمة مثل آل سعود وآل ثاني وأردوغان ... ومؤسسات مثل جامعة الدول العربية - الفاعلة في سوريا وليبيا والخرساء في فلسطين ... وأفراد مثل القرضاوي وعزمي بشاره الذي ما عاد يذكر وطنه فلم يعد يذكره أحد ... " ومؤسسات إعلامية كقناة الجزيرة التي إنخفضت نسبة متابعيها بمقدار 84 % عما كانت عليه قبل الحرب على سوريا . ومن آثار هذا الإشتباك العصف بأنظمة " الربيع العربي" ، تلك الأنظمة التي عملت أميركا والغرب جاهدين لإرساء دعائمها بدل الأنظمة الراحلة . وأول المستنزفين حتى العظم - وبحق - هو نظام العدالة والتنمية في مصر ، والنسخ الأخرى في بقية أقطار الربيع . واضح جداً مأزقهم ، وجليّة جداً هزيمتهم ، ولكن من يعترف بأنه هزم ، وبات اليد السفلى في معادلات الكون الجديدة ؟ لن يعترفوا ولكننا في طريقنا لإجبارهم على ذلك . خريطة الغد سترسمها أقلامنا إلى مدى بعيد جداً ، ومديات صواريخنا هي دائرة نفوذنا . فما عدنا نرضى بمديات المدافع . جنيف مخرجهم لا مخرجنا ، ولن يكون إلا بشروطنا ووقع أقدامنا ، يرونه بعيداً ونراه قريباً .