2026-09-14 11:43 م

أســـرار الـومـيـض ... وخـطـأ لـن يـتـكـرر

2013-05-08
بقلم: سمير الفزاع
ما بين الساعة الثانية والثالثة من فجر يوم الأحد 5 / 5 / 2013 قام الكيان الصهيوني بهجوم صاروخي على عدة أهداف في ريف دمشق " جمرايا وقدسيا والهامة والصبورة ... " . توفق هذا الهجوم في نواح محدودة جداً ، وفشل فشلاً إستراتيجياً في أخرى ، ولكن أفرز واقعا جيوسياسياً خطيراً جداً وهشّاً جداً . ولكن إذا أردنا أن نقدم تصوراً إجمالياً لنتائج الضربة فهي كارثية بما للكلمة من معنى ، فبدلاً من توجيه ضربة إلى عدة أطراف من خلال هذا الهجوم وجد كيان العدو نفسه مضطراً للتعامل مع روسيا بكل ثقلها إذا تكرر هذ العدوان . وبدلاً من مواجهة صواريخ الدفاع الجوي السورية من طراز بانتسر وبوك 17 سيواجه قريباً جداً منظومة صواريخ s 300 المميزة ، وفوق الوزن الثقيل لما تمتلكه سوريا من صواريخ سكود و M-600 سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع صواريخ SS-26 Stone والمشهورة بإسم صواريخ إسكندر ... صحيح أن سوريا أخرت ردها المباشر على العدوان ، ولكنها خلقت توازن هائل من القوة والرعب سيدوم طويلاً جداً ، وسوف يردع من هم أكبر بما لا يقاس من كيان العدو الصهيوني . لقد بات مؤكداً أن الرد السوري على الضربة الصهيونية هو أكبر بأضعاف منها ، صحيح أن كيان العدو قد دمر بعض الأهداف ، ولكنه اليوم أصبح هو بكليته عرضة للتدمير ، وطائراته سوف تتحطم قبل أن تغادر سماء مطارها في أكثر الأحيان فمدى هذه الصواريخ يمتد من 150 كم حتى 300كم . * بعض الداوفع الخفية للهجوم : 1 - تدمير بعض الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي المحدثة التي تم نشرها عقب العدوان على مركز البحوث في جمرايا في 30 / 1 / 2013 ، كمقدمة لإغلاق أجواء دمشق في وجه أي عدون خارجي . وخصوصاً بعد تعرض الكثير من كتائب الدفاع الجوي في ريف دمشق للتخريب والهجوم المتكرر من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة ، وقد أصبح الأمر أكثر من مؤكد بأنهم يعملون وفق تعليمات وخطط الكيان الصهيوني . وتدمير مرابض المدفعية وراجمات الصواريخ وبعض منصات الصواريخ التي يستخدمها الجيش العربي السوري في تطهير بعض مناطق دمشق وريفها وبعض المناطق الأخرى . 2 - لقد تم توجيه رسائل للقيادة السورية بضرورة وقف العملية في ريف القصير منذ أن بدأت ، وعندما لم تصغ القيادة السورية إلى تلك الرسائل تم إعادة بعث رسائل التحذير بضرورة عدم إقتحام المدينة ، ولكن الجيش السوري إستمر في تقدمه حتل بلغ مشارفها ، عندها طرح فتح ممر آمن لتخرج مجموعات بعينها " يقال أن فيها قطط سمان كثيرة " فتترك مدينة القصير وبقية الجماعات الإرهابية لمصيرها المحتم ، ولكن ما قاله أحد الضباط هناك بالحرف " سلموا أسلحتكم وأستسلموا للجيش العربي السوري وسنكمل الحديث في الزنازين " . 3 - وصل الكيان الصهيوني إلى قناعة تامة بأن القيادة السورية ستستعيد السيطرة على كامل الجبهة الممتدة من درعا مروراً بالجولان وصولاً حتى آخر نقطة من الحدود السورية اللبنانية المشتركة خلال فترة قياسية ، ما يعني أن الجبهة بين سوريا وحلفائها العضويين من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى أصبحت جاهزة للإشتعال في أي لحظة تقررها سوريا . وهذا أمر وارد جداً وممكن جداً . فكان من الضروري خلط الأوراق والبدء من الصفر إن أمكن . 4 - توقيت الضربة وأدواتها وحدودها وأهدافها والعواقب المترتبة عليها يؤكد بما لا يدع مجال للشك بأنها أمريكية بصورة شبه مطلقة . فأمريكا هي أول من أعلن عنها ، وأوباما شخصيّاً هو من نظّر ومهّد لها بتصريحه الذي أطلقه قبل 24 ساعة تقريبا ً من تنفيذها عندما قال " إن من حق إسرائيل أن تعمل على حماية نفسها من نقل أسلحة سورية إلى حزب الله " . وهي ذات الحجة التي برر بها الصهاينة الضربة . 5 - تشجيع الجبهتين التركية والأردنية على المزيد من الإنخراط في الحرب على سوريا ، وتوسيع الإنغماس بهذه الحرب وصولاً إلى المشاركة الفعلية العلنية والمباشرة فيها . 6 - الإقناع بالنار لكل متردد في قبول المبادرة الأميركية حول مبادلة الأراضي بين سلطة رام الله والكيان الصهيويني ، والتي أطلقتها واشنطن على لسان الجاسوس حمد الصغير . وكأن كيان العدو يقول : أنا الأقوى لا تخافوا ، ويدي هي الطولى ، سوريا التي كانت تخيفكم وتحبطط خططكم ها أنا أقصفها بكل أريحية . * وميض بوميض ... ونهار تل أبيب الطويل بعض الأمور لا يمكن تكرارها مرتين لأن الخطأ فيها قاتل لا محالة ، كأن تنزع مسمار الأمان عن قنبلة يدوية لترى طبيعة إنفجارها وأثرها على جسدك . لكنك تستطيع أن تكلف عبداً لديك للقيام بتلك التجربة - مع منحه بعض أدوات السلامة وإحتياطات الأمان والإغراءات المادية - فترى آثارها دون أن تتضرر شخصيّاً ، وهذا بالضبط ما حصل مع سوريا . أمريكا تريد توجيه رسالة إلى عدة أطراف ولكنها لا تستطيع أن تقوم بإيصال هذه الرسالة بذاتها ، فقامت بتكليف الكيان الصهيوني بإيصال هذه الرسالة - ولكيان العدو أهدافه الخاصة منها أيضاً لكن الأمر في يد السيد أولاً وأخيراً " ، لأن الخطأ الذي يرتكبه كيان العدو قد يتم إصلاحه لكن الخطأ الأمريكي يعني حرباً إقليمية - على الأقل - أمريكا وجنودها وقواعدها ومصالحها وحلفائها ... أهداف حتمية فيها . منذ اللحظات الأولى للهجوم لم تهدأ الإتصالات بين موسكو ودمشق وموسكو وواشنطن وموسكو تل أبيب والدوحة وطهران ... كانت ليلة عصيبة جدا ، ونهار بدأ وكأنه لا يريد أن ينتهي . لقد توسل الكون الرئيس بشار حافظ الأسد وعداً بعدم الرد ولكنه ترك الأفق مفتوح ، منحهم بعض الزمن لتنفيذ متطلبات قد تجعله يغض النظر عن الرد حالياً ولا شيء أكثر ، وترك لنفسه حرية الحركة والرد بما هو دون الضربة العسكرية وفوق الإحتفاظ بحق الرد . * العدوان ... حولته دمشق إلى مأزق للمعتدي لقد أدرك الكيان الصهيوني بأنه إرتكب خطأ في الحساب ، تحول سريعاً إلى خطيئة في السياسة والحرب . حيث أُفرغت الضربة من محتوياتها ورسائلها ، وتحولت إلى عبء ثقيل جداً على من نظّر لها ونفذها وصفق لها . ولكن كيف ؟ 1 - من أهداف الغارة تهشيم صورة الجيش العربي السوري وقائده العام الرئيس بشار حافظ الأسد ، ولكن هذا الجيش أصبح هو المخلص والحصن الأخير لأعداد متزايدة من السوريين . وأثبت الهجوم بأن الرئيس بشار الأسد كان صادقا في كلّ كلمة قالها ، فهو في حرب مع جماعات إرهابية مدعومة غربياً ، وأن المحرك والمستفيد هو الغرب عموما وكيان العدو الصهيوني خصوصاً . 2 - لقد حصل الرئيس بشار حافظ الأسد على وعود قاطعة من بوتين بتزويد سوريا بمنظومات الدفاع الجوي " s 300 " المتطورة . وهي واحدة من أنجع أنظمة الدفاع الجوي في العالم ، وإذا أضيف إليها منظومات صواريخ الدفاع الجوي بانتسير و بوك 17 التي تزودت بها سوريا مؤخراً ، فإن مجرد التفكير بإختراق الأجواء السورية يعني الإنتحار . كما أن سوريا حصلت على وعود بتزويدها بصواريخ أرض - أرض SS-26 Stone - اسكندر . 3 - أعطيت تعيلمات واضحة لكافة منظومات الدفاع الجوي بإسقاط أي هدف يعبر الأجواء السورية ، كما أعطيت الأوامر لمنصات الصواريخ البالستية بالرد الفوري على أي عدوان تتعرض له سوريا بضرب أهداف منتقاة تم تحديدها سلفاً . وهذا يعني في العلوم العسكرية والسياسية أن الردّ سيسبق أي وساطة أو مسعى للتهدئة . وهذا نسق جديد في قواعد الإشتباك بين سوريا وأعدائها وخصوصاً الكيان الصهيوني ، وعليهم التفكير مطولاً قبل إرتكاب أي خطأ لأن الخطأ لن يتكرر مرة ثانية وثمنه غال جداً ، فصاحبه حتما إلى زوال . وخصوصاً بعد تعهد الجانب الروسي بالمشاركة بالرد . 4 - بدلاً من سقوط دمشق - كما تمنى وخطط مؤيدوا هذه الضربة - سقطت الجماعات الإرهابية المسلحة التي ترافق هجومها على دمشق " من أكثر من عشر نقاط في برزه وقدسيا والعماره والميدان والعباسيين وداريا ... " مع الغارة الصهيونية بقبضة الجيش العربي السوري ، حتى أن أحد الصهاينة صرح " بأن المعارضة فشلت في إتمام المهمة وإحتلال دمشق " . 5 - بعد هذه الضربة أعلنت دمشق بأن شيء لن يغير قيادتها لحلف المقاومة ، وأن توريد السلاح لهذه المقاومة سيكون مقدماً على كلّ المواثيق والمعاهدات ، فالمقاومة أهم منها جميعاً . لقد بات واضحاً بأن القيادة السورية قررت أن ترتقي بمستوى التحالف مع المقاومة من جهة ، والإرتقاء بمستوى هذه المقاومة لديها ولدى الآخرين من جهة أخرى . إنها مرحلة جديدة في الصراع الدامي في هذه المنطقة من العالم . يقوم الخيار اليوم على أن أفضل طريق لإستعادة الحقوق - في الجولان مبدئياً - هو فتح الطريق لتشكل مقاومة مسلحة هناك ، وأفضل طريقة لرأب بعض الصدوع والتشققات التي ظهرت داخل المجتمع السوري هو الذهاب إلى معركة التحرير ، وأفضل وسيلة لتعرية قوى الرجعية العربية تمهيداً لإسقاطها هو التوجه نحو تحرير الجولان وفلسطين . لا وهم بمصالحة عربية ، ولا وهم بتحرّر القادة العرب من نير الإستعباد الأمريكي ، ولا وهم من تخلصهم من داء العمالة والتآمر على الأمة . حلف قوي من مجموعة دول وأحزاب مؤمنة بالتحرير والمقاومة ، ستلتف حولها جماهير الأمة ، وتنبذ كل هذه الأنظمة العميلة والبالية ، وسيكون يسيراً عليها إسقاطها بعد أن سقطت شرعيتها وسقط خطابها . 6 - الجيش العربي السوري مستمر بتطهير تراب الجمهورية العربية السورية من كلّ دنس ورجس صهاينة الداخل ، وجيران سوريا في الأردن وتركيا عليهم التفكير ألف ألف مرة قبل يفقدوا عقلهم ويشتركوا أكثر بالحرب على سوريا . وأمريكا وكيان العدو سمعوا من بوتين ما سيمنعهم من تكرار ما حصل ، ولكن سوريا لم يقنعها كلّ ذلك . إنها مشتاقة للحرب كشوقهم لرؤية خارطة المشرق بلا درة تاج المشرق ، أي بلا سوريا . يدها على الزناد ، وعينها على قلب الهدف ، والنصر خيارها الوحيد . *ردنا على طريقتنا وبمواقيتنا ، أفرغوا وميضهم وما زال وميضنا بيدنا ، لقد تعاظم بما لا يقاس عما كان قبل العدوان ، سيندمون طويلاً على حماقتهم ، خط موسكو دمشق فتح ولن يغلق ، وبشار حافظ الأسد وفلادمير بوتين يستعيدان من التاريخ تجربة غنية جداً لراحلين عظيمين حافظ الأسد ويوري أندروبوف .