2026-09-15 11:39 ص

اوسلو 19 عاما نحو الأسوأ

2012-09-14
بقلم: نواف الزرو

وفق الشهادات والاعترافات حتى من قبل أهل أوسلو، فإن هذا الاتفاق مات وانتهى وشبع موتًا، ووفق الوثائق وحقائق الأمر الواقع التي يقيمها الاحتلال على امتداد الجسم الفلسطيني في القدس والضفة، فإن أوسلو تفكك وتناثر أجزاء لا يمكن لملمتها، ووفق منطق الأشياء فقد تجاوزت الأحداث والمواقف والحقائق ما كان اتفق عليه قبل تسعة عشر عامًا، وحسب إسحق شامير الذي كان تعهد منذ مدريد، بأن تستمر المفاوضات - العقيمة - عشرين عامًا، فإن الأمور حصلت كذلك، فنحن أمام نحو عشرين عامًا من المفاوضات الأوسلوية التي لم يتمخض عنها سوى تكريس وتعميق الاحتلال والاستيطان والسيطرة الاستراتيجية الصهيونية على الضفة، وحسب خطط ونوايا نتنياهو الذي كان تحدث منذ ولايته الأولى عام 1996 عن موت أوسلو، فقد مات أوسلو عمليًا منذ زمن.

لكن كبار مهندسي أوسلو جاءتهم الصحوة متأخرة جدًا، فأخذوا يعترفون بخطأ أوسلو وموته، فهاهو يوسي بيلين، مهندس أوسلو من الجانب الإسرائيلي يكتب في إسرائيل اليوم 31 / 8 / 2013 تحت عنوان "اتفاق أوسلو لم يعد ذا صلة" يقول: "لا يجوز الاستمرار في تجميد استنتاجات أوسلو، فهذه هي اللحظة التي يجب فيها على أولئك الذين أيدوها ودافعوا عنها، أن يعلنوا نهايتها كي لا تصبح هي البديل العملي وإن يكن غير الرسمي أيضًا، من اتفاق السلام"، وصحيفة "ذي غارديان"البريطانية تقول في تقرير من مراسلتها في القدس هارييت شيروود: "إن الوزير الإسرائيلي السابق، يوسي بيلين، ورئيس الوزراء الفلسطيني السابق، أحمد قريع، يطعنان الآن في جدوى خطة الدولتين التي وضعاها، ويقولان إنه ينبغي التطلع إلى ما بعد اتفاقات أوسلو"، فصح النوم...؟!

فبينما نتابع في هذه الأيام انغلاق كل الآفاق السياسية التسووية، تحل أيضًا الذكرى التاسعة عشرة لاتفاقية أوسلو، التي كان من المفترض والمتفق عليه أن تنتهي عام 1999 بالتوصل إلى الحل الدائم لكافة القضايا الجوهرية: من الأرض إلى الحدود إلى المستعمرات إلى القدس إلى المياه إلى قضية اللاجئين، وغيرها، والتي كان من المبرمج أن تتوج بإقامة الدولة الفلسطينية المسقلة السيادية، بعد ان يكون الاحتلال قد رحل بجيشه ومستعمريه وإداراته المدنية والعسكرية عن الأراضي المحتلة عام 1967، وفي مقدمتها المدينة المقدسة، غير أن حسابات الحقل لم تأت على قدر حسابات البيدر فلسطينيًا وعربيًا، وليس ذلك فحسب، بل أعادتنا العملية التفاوضية عمليًا إلى المربع الأول، وكأننا ما زلنا في مرحلة ما قبل مدريد وأوسلو، وكأنه لم تكن هناك مفاوضات استغرقت نحو عقدين من الزمن ..!

فما بين أوسلو/ 1993 والمشهد الفلسطيني اليوم، كانت دولة الاحتلال تماطل وتعرقل وتشتري الوقت، وتبني حقائق الأمر الواقع على الأرض التي لا يمكن من وجهة نظرهم أن تجتثها أي تسوية سياسية قد يتم التوصل لها، فكانت تلك الدولة هي المستفيد الوحيد من كل حكاية المفاوضات بينما خسر الفلسطينيون الكثير الكثير.

فتسعة عشر عامًا على أوسلو، وعملية المفاوضات ليس فقط لم تتقدم إلى الأمام خطوات حقيقية باتجاه تلك التسوية التي زعموا أنها ستكون تاريخية، وأنها ستتوج بإقامة الدولة الفلسطينية عام 1999، بل أخفقت في الوصول إلى أي نتيجة حقيقية تتعلق بالحقوق الفلسطينية.

تسعة عشر عامًا من أوسلو، والمفاوضات لم تسفر عمليًا سوى عن المزيد والمزيد من خيبات الأمل الفلسطينية والعربية لدى أولئك الذين راهنوا – أو حتى الذين لم يراهنوا- عليها منذ البدايات.

تسعة عشر عامًا من أوسلو، والقمم والاتفاقيات لم تنجح كلها في زحزحة مستعمر يهودي واحد عن أرض الضفة والقدس.

تسعة عشر عامًا من أوسلو، والكل يضحك على الكل، لتتحول المفاوضات لدى المفاوضين الفلسطينيين إلى "نمط حياة وبقاء"، ولدى الإسرائيليين إلى فائض وقت وحقائق على الأرض، إذ لم تتوقف دولة الاحتلال عن شراء الوقت، واستثماره في بناء حقائق الأمر الواقع على أرض القدس والضفة.

تسعة عشر عامًا والاحتلال والاستيطان يزدهران تحت غطاء المفاوضات.

تسعة عشر عامًا وكافة القضايا الفلسطينية الجوهرية المعلقة والمؤجلة مغيبة مهمشة، ليس فقط لم تتحقق خلالها أية إنجازات سياسية استقلالية فلسطينية أبدًا، بينما يلاحظ أن دولة الاحتلال هي التي حصدت وما تزال على الأرض والاستيطان والأمن.

تسعة عشر عامًا على أوسلو، واللاءات والشروط والأجندات السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية هي التي تتسيد المشهد التفاوضي.

وما بين أوسلو والمشهد الفلسطيني الراهن، يلاحظ أن الأحوال الفلسطينية تردت، وأن المشروع الوطني الفلسطيني تراجع وتفكك، وأن الوحدة الوطنية الفلسطينية تشظت، وأن المسافة بين الاحتلال والاستقلال الفلسطيني باتت أبعد، وغدت على بعد سنوات ضوئية كما وصفها أحد كبار المحللين الإسرائيليين.