2026-09-14 10:21 م

كـي نـبـقـى بـشـراً ...

2013-05-03
بقلم: سمير الفزاع
لن أقول أن من يحكم اليوم دول الربيع العربي يشبه بشكل مذهل من حكمهم بالأمس ، لكن مع أوهام أكبر ، وتشدد أكثر ، وتخلف أعمق ، وعمالة أوسع . سأفترض بأنهم خرجوا من غير ذات الرحم مع بعض المفردات المعكوسة " وخصوصاً إستعمال الخطاب الديني ، والتخويف بالشارع وشطر الأوطان والإنزلاق إلى حرب أهلية بصبغة دينية ... " . سأفترض بأنهم جزء من حراك شعبي طبيعي لمجتمعات تتوق للحرية وتسعى للتحرر ، تريد أن تملك قرارها فتحقق العدالة الإجتماعية والكرامة الوطنية وسيادتها القومية . كلّ الأقطار العربية التي سقط فيها جزء مهم من وجوه السلطة القديمة " إنطلاقاً من شعار الوهم الكبير - الشعب يريد إسقاط النظام - " ما زالت تلك السلطة القديمة " بوجوه جديدة وأخرى قديمة " تمتلك حضوراً معتبراً ، بل إن الحنين لتلك السلطة في تزايد مستمر - وهذا أمر خطير ومقلق في بعض جوانبه وتحد جدّي للحكام الجدد - ، وأحلام اليقظة حول عودة ميمونة لهؤلاء الحكام الطغاة والعملاء تجد كل يوم مُريدين جدد . سأحاول هنا ملاحظة بعض الإشكاليات والأسئلة التي توجهها الأنظمة الجديدة " أنظمة الربيع العربي " ، والتي كانت سبباً في مأزقها الحالي ، وستبقى كذلك إلى حين الوصول إلى حلّ تاريخي يخرجهم من هذا التناقض القاتل . * إشـكـالـيـات لا يـمـكـن الـقـفـز فـوقـهـا : 1 - كلّ الأنظمة التي قامت في بلدان " الربيع العربي " تعاني وبشدة من تصدع في شرعيتها . وهذا التصدع في شرعيتها ذاتها ، وليس في مشروعها السياسي فقط - إن وجد هذا المشروع - . فبعد أن إستفاق الناس من الأثر المهول " لوهم إسقاط النظام " ، وتداعي بعض أوجه السلطة القديمة وخصوصاً " جهازي الشرطة والأمن الداخلي " نشأ هذا الخلاف ، وتجاوز الخلاف الشعبي مع حكامه الجدد المشروع السياسي إلى الشرعية وطبيعة هذا الوجود السياسي . فبعد أشهر معدودة وفي أول إختبار مع " فلول النظام السابق الذي ظن الناس بأنه سقط ورحل بلا رجعة " كانت نتائج الإنتخابات الرئاسية المصرية كما يلي حصول الدكتور محمد مرسي على 13.244.964 صوت بنسبة 51،5%، والفريق أحمد شفيق على 12.334.485 صوت بنسبة 48،5% ، وبلغ عدد الناخبين المقيدين 50.524.993 والمشاركين 26.114.804 كما بلغ عدد الأصوات الباطلة 807.491 وعدد الأصوات الصحيحة 25.307.313 !!! هل حقاً سقط النظام ؟ من أين كلّ هذه الملايين التي حصل عليها نظام ظنت الناس بأنه سقط وهللت لسقوطه وأحتفلت ؟ هل هذه النتائج تعتبر مؤشراً على حنين للنظام السابق أم رفض للنظام اللاحق ؟ هل تريد الناس العودة إلى الأمس ، أم أنها ترفض " اليوم " الذي ساهمت بصناعته ؟ أم أنها وجدت نظام الأمس في نظام اليوم ، ولكن مع أوهام أكبر ، وتشدد أكثر ، وتخلف أعمق ، وعمالة أوسع ؟ . 2 - في كلّ الأقطار العربية التي جاء بها أنظمة بديلة تحت تأثر " الربيع العربي " ظهر بشكل جليّ أن هذه الأنظمة لا تملك رؤيا واضحة لما تريد القيام به ، ولا خطة دقيقة للمستقبل الذي تسعى إليه . فأين هي الرؤى الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية ... لهذه الأنظمة ؟ ما هي البرامج والإطروحات التي يمكن لنا مناقشتها معهم ؟ وما هو مشروعهم المجتمعي الذي يمكن تبنيه أو نقده أو محاسبتهم عليه ؟ لا شيء . ماذا قدم بديل نظام معمر القذافي لأجل ليبيا والليبيين غير علم الإستعمار وحرب القبائل وعصابات الإرهاب ... ؟ ماذا قدم بديل مبارك ؟ إنهم يلهثون خلف البنك الدولي الذي عابوا على مبارك معه ، وإنسجموا مع قيادة الإحتلال الصهيوني وأمريكا كما لم يفعل مبارك غير المأسوف على رحيله . 3 - كلّ الجماعات التي وصلت إلى السلطة في دول الربيع العربي المزعوم تبنت الفكر الديني المغلق والمتطرف في علاقتها مع أدوات الحكم والمحكومين ، وكأن هناك كلمة سرّ واحدة ومشتركة لكل هؤلاء . وكأن نظام الحكم الوحيد المقبول في هذا الربيع هو هذا الحكم الديني المغلق والمتطرف والإقصائي . فكان الغنوشي ونهظته في تونس ومرسي والعمل في مصر ومجموعات الإرهاب الإسلاموي في ليبيا ... . إلا يحتمل هذا الربيع خيارات أخرى غير المحتوى الديني كفكر ناظم لحركتهم وحركة المجتمع ؟ لماذ لم يسمح هذا الربيع بنظام مختلف في دولة واحدة على الأقل من دول هذا الربيع ؟! . 4 - تميزت هذه الأنظمة جميعها بإنفتاح كبير على الغرب عموما وأمريكا خصوصا ، من تونس إلى ليبيا فمصر واليمن . ألا يفترض في أي دولة إندلعت فيها ثورة أن تقوم بمراجعة جذرية لشبكة علاقاتها الدولية ، لتستخلص من خلال هذه المراجعة أي الدول في هذا العالم كانت الأكثر ظلما وقهرا وإستعباداً لهذا البلد الثائر وشعبه ، ولتحدد من هم الذين نهبوا خيراته وسرقوا سيادته وأهانوا كرامته الوطنية ؟ . هل حدثت مثل هذه المراجعة ؟ ولو حدثت هل ستبقى هذه الأنظمة الجديدة على كلّ هذا الوئام مع الغرب عموما وأمريكا خصوصا ومع كلّ أدواتهم وأدواتها العميلة في الخليج وغيره ؟ هل كنّا سنرى مثل هذا الغزل وهذا الرضى الصهيوني من نتائج " ربيع الكرامة والحرية " ؟ . 5 - تمتلك كلّ هذه الأنظمة " الربيعية " بعلاقات أكثر من خاصة مع أكثر الأنظمة العربية رجعية وتخلف وعمالة ، نظامي آل سعود وآل ثاني . ألا يستجلب مثل هذا الأمر تسائلات تبدأ ولا تنتهي ؟ ما سرّ هذه العلاقة المميزة مع قواعد أمريكا في جزيرة العرب والوطن العربي ؟ هل لأنظمة هذه الدول الموغلة بعمالتها ورجعيتها وأموال نفطها وغازها وإنغلاقها ... من تأثير على جوهر وشكل وطبيعة النظام المتشكل في هذا الربيع ؟ . 6 - تعتبر القضية الفلسطينية واحدة من أكثر قضايا النضال والتحرر الوطني والإنساني سطوعا في العالم ، وهي أقدم بقعة ما زالت تعاني من واحد من أقسى وأقذر أشكال الإستعمار المباشر من قبل طغمة خارجة عن كل أطر الإنسانية . كيف كان موقف أنظمة الربيع العربي من هذه القضية ؟ لقد كانت حرب غزة الأخيرة إمتحان عملي عسير لهذه الأنظمة المتخاذلة بل والعميلة والأجيرة . لقد بذلوا قصار جهدهم لإسكات الصوت الفلسطيني ، وإنهاء حالة العدوان بأي ثمن وعلى أي نحو ، للخروج من هذا المأزق الأخلاقي والقومي والوطني والمبدئي الذي وجدوا أنفسهم فيه . لقد كانت تلك التجربة أكثر من كافية لتبرهن بالدليل القاطع أي ربيع هذا ، وأي " إسلام " يريدون ، وأي صنف من القادة هم . 7 - في كلّ هذه الأنظمة هناك من يبدو بأنه يقود " السلطة في العلن " ولكن في الحقيقة هناك من يدير دفتها في الخفاء . المرزوقي مثلاً غير قادر على إقناع الكثيرين بأنه رئيس لتونس ، بل هو أقرب للأرجوز أو عرائس المسرح التي تحركها أيد لا تظهر أبداً للمتفرجين والمتابعين . ومثله مرسي وبقية القائمة من " قادة " بلدان الربيع . 8 - معظم من بلغوا سدة الحكم في هذه الأنظمة كانوا ولفترة طويلة رعايا غربيين أو أميركيين أكثر منهم مواطنين عرباً . أين كان الرئيس المصري مرسي وعلي زيدان رئيس وزراء ليبيا وهيتو رئيس حكومة المنفى ومنصف المرزوقي الرئيس التونسي ... ؟ هل هذه الأوطان قاصر أو عاقر لتنجب قادة لها من طين أرضها ، ومن بين أبناء شعبها الذين تمسكوا بأرضهم ووطنهم بكل الظروف والحالات مهما قست وتعقدت ؟ . 9 - أن الجماعات والأحزاب التي جاءت منها هذه السلطة الجديدة لم تكن هي الباعث ولا المحرك ولا المنظر لهذا " الربيع " ، بل جاءت دائما في المرحلة الثانية ، مرحلة القطاف . وهو أمر بالغ الدلالة . وأحد أهم الأمثلة على هذه الإشكالية " إخوان مصر " الذين كانوا يفاوضوا نظام مبارك على تقاسم السلطة قبل أيام من سقوطه . 10 - في كل البلدان التي ضربها " الربيع العربي " ظهرت إعتداءات عنيفة جداً ضد كلّ ما هو مختلف ، سواءاً كان فكراً أو ديناً أو أدباً أو مكان عبادة أو حتى قبراً . فحطم نصب جمال عبد الناصر وبعض قبور " الأولياء " والمتصوفة في ليبيا كما أحرقت بعض الكنائس . وفي مصر هوجمت بعض الكنائس وأحرقت أخرى وقتل عدد من الأقباط ، وشوه تمثال طه حسين وأم كلثوم وسمعنا أحاديث غاية في الغرابة عن الإهرامات . أمّا في سوريا فحدث ولا حرج ، المساجد والكنائس ورجال الدين والشيوخ والرموز الفكرية والأدبية والتاريخية ... وغيرها الكثير تعرضت لشتى صنوف الإيذاء والإتلاف وصولاً لإعتداءات بربرية ضد مكونات المجتمع السوري المختلفة . السؤال هم أحد أهم أدوات المعرفة ، والعقل النقدي هو العقل الأنساني والمدني والمتحضر . لذلك أحاول أن أسأل ، وأن أمارس النقد لا التسليم والمهادنة . أفعل ذلك لأفهم وأعرف لأتخذ موقفي ، ولكي أبقى إنسانا .