2026-09-15 01:21 ص

أقليات سياسية ساحقة

2013-04-23
بقلم: سليمان تقي الدين 
لا جدوى، على ما يبدو، من مطالبة القوى السياسية الامتناع عن التدخل في الأزمة السورية. فلهذه القوى أسبابها ومصالحها وهي تتشكّل اليوم من حول استقطاب سياسي طائفي إقليمي. قبل الأزمة السورية ومعها لا تملك هذه القوى مشروعاً لحياة أفضل في الدولة والمجتمع، بل تتنازع هيمنة سياسية سلطوية تلتقي أو تتفق مع أو ضد أحد المحاور الخارجية. 
هناك ضرب من الانفصال عن حاجات وتطلعات الفئات الأوسع من المجتمع اللبناني لأن الانعزال السياسي هذا يرتكز على العصبية الطائفية وجملة موارد خارجية وداخلية ليست تحت سلطة المجتمع ورقابته. هذا البلاء هو الذي سمح بحرب أهلية متدحرجة لعقدين وهو نفسه يتكرر في المشهد السوري أو أي مجتمع ضعيف في اندماجه الوطني ومكشوف على هذا المستوى من التدخل الخارجي. 
نحن الآن لا نملك وسيلة فاعلة ومؤثرة لمقاومة جرّنا جراً إلى الانغماس في الصراع الدموي الرهيب وفي هذا الحريق الذي طاولت ألسنته أكثر من جهة حدودية، وهو مرشح بتداعياته إلى نشر الفوضى. فلا الدولة قادرة وجاهزة للدفاع عن رعاياها، ولا الطوائف راغبة في التواضع داخل هذا الكيان المريض، ولا جمهرة الناس خارج كيانات الطوائف لها حضورها ودورها وتمثيلها. هذا التهميش المتمادي لكل ما يمثل المواطنية والوطنية الجامعة أو ينتمي إلى المجتمع المدني أو الثقافة المدنية، هو الأساس في انحلال الاجتماع السياسي اللبناني وتفتته على المواقع الطائفية وتقاسم الدولة والتسلّط على ركائزها. وبالفعل «تعربن لبنان» في معركة عروبته ليستورد التقاليد السياسية نفسها التي أعاقت التقدم العربي، و«تلبنن» العرب حين انهارت أنظمتهم لتنكشف السمات المشتركة حيث تغيب جدلية المواطن والدولة وتحل مكانها علاقة الرعايا والسلطة. فلم تكن المسألة في تاريخ العرب المعاصر «قطرية الدولة» بل الدولة نفسها، ولا التجزئة القومية بل تجزئة المجتمع بثقافة الإقصاء ومنظومة 
الامتيازات والحرمانات التي تؤتي ثمارها المرّة في اندلاع الطائفيات العربية ولو تمظهرت في نزاع المذاهب والتيارات الدينية. 
فحين يكون المطلب العربي التاريخي الآن مدنية الدولة فليس لأن «دولة دينية» تلوح في الأفق وهي مستحيلة الوجود في الماضي والحاضر بالصورة التي ترسمها المقولات الكبرى. بل لأن «المدنية» نقيض النماذج المختلفة التي قامت على إنكار أي حق من حقوق الإنسان، مهما لبست من هويات إيديولوجية. ولطالما كان السؤال الأكبر في العالم كله عن نموذج الدولة التي تجمع الحرية إلى المساواة والعدالة. 
ولقد أظهرت التجربة العربية والإسلامية فشل دولة الهوية في تحقيق الهوية وفي تحقيق المواطنة. ولعل أخطر ما نواجهه الآن حين نستبدل العروبة بالإسلام أن نذهب إلى مزيد من الهويات الفرعية والنزاعات إلى ما هو أبعد من رأس جبل الجليد المتمثل بالإمارات الحصرية في البشر والجغرافيا سواء أكانت إمارات مسلحة أم غير مسلحة. فهي في نهاية المطاف قبليات صغيرة في مجرى تاريخ العرب والإسلام. ولا معنى للقول بمدنية الدولة من أي طرف يجعل من هويته الدينية مشروعاً سياسياً، أو حتى يمارس السياسة بصفتها امتداداً أو تتمة لفرض ديني أو طائفي. فالمدنية أولاً وفي الأساس مدنية السياسة والاجتماع السياسي الذي وحده ينقذ مجتمعات العرب والمسلمين من «الجاهلية المعاصرة». 
وإذا كان اللبنانيون لم يقرّروا بعد الاعتراف باجتماعهم المدني فهم لا يعترفون بالكيان ولا بالدولة ولا بالمواطنة ويشرّعون لأنفسهم حروب الداخل والخارج. وهل من استبداد أسوأ من نموذج الاستبداد الطائفي ومن كل «الأقليات السياسية الساحقة» أو الفئات التي تملي إرادتها على غيرها أو على الشعوب والأوطان والمجتمعات باسم الأفكار والعقائد؟
عن "السفير" اللبنانية